أثار عزل الجيش المصري للرئيس محمد مرسي في الثالث من يوليو 2013 موجات متلاحقة من الحشد لدى جماعة الإخوان المسلمين، وخلف المزيد من النقاشات الداخلية المتعددة حول مستقبل الحركة الإسلامية.

ومع ذلك، فإن استراتيجية الإخوان التي أعقبت الثالث من يوليو للتظاهر والاحتجاج في الشارع تتشابك في ذات الوقت مع عمليات أكبر من قبل النظام لإعادة تشكيل وتوطيد أركان النظام في مسلسل تجري حلقاته في الوقت الراهن في مصر.

ومن المفارقات أن كلًا من النظام والإخوان يتخذان من تلك التظاهرات والاحتجاجات سبيلًا نحو معالجة القضايا التي تكتنف المواجهة ما بين الإخوان والنظام.

فمن ناحية، تنظر الجماعة إلى التظاهرات المطالبة بعودة مرسي على اعتبار أنها تدعم الوحدة وتتفادى النقاشات الداخلية الصعبة. ومن جانب آخر، فإن النظام يستغل ذلك الحشد الإخواني في الشارع لتبرير سلسلة من التدخلات في الحياة المصرية. عمليًّا، تفضي هذه التحركات إلى المزيد من ترسيخ وتدعيم أركان الدولة البوليسية التي تتجه إليها مصر بدرجة أكبر من تلك التي نادى بها الربيع العربي.

عام ونصف على الانقلاب العسكري الذي أنهى ولاية مرسي، ويبدو أن جماعة الإخوان لا تظهر من جانبها أية بوادر للانحراف عن استراتيجيتهم في الاستمرار في الاحتجاجات. وفي الوقت الذي يبدو فيه إصرارهم على عودة مرسي والعودة بالنظام السياسي إلى ما قبل الثالث من يوليو، فإن الاحتجاجات ربما تكون الأفضل من بين الخيارات المتاحة.

وأيًّا ما كانت الاستراتيجية الأولية التي تكتنف اعتماد جماعة الإخوان المسلمين على التظاهر والاحتجاج، فإن هذه التحركات قد تولد سلسلة من التداعيات الإيجابية التي تعكس متانة ذلك الخيار.

فمن حيث علاقتها مع الحكومة العسكرية في مصر، فإن استمرار الجماعة في تظاهراتها التي تتخذ أشكالًا عدة بداية من السلاسل البشرية والمسيرات والاعتصامات من شأنه أن يحافظ على احتمالات وجود صفقة على الطاولة في نهاية المطاف.

تسعى الجماعة جاهدة من خلال إظهار قوتها في التنظيم والحشد إلى إقناع النظام بأنها يجب أن تؤخذ على محمل الجد، وبأن التفاوض معها على أساس من الندية هو البديل للتعاطي معها باعتبارها أقلية يجب أن تباد.

وفيما يتعلق بالديناميكيات الداخلية لجماعة الإخوان المسلمين، فإن المحافظة على الحراك الذي تتبناه في الشارع المحفوف بالمخاطر يعمل على رفع المعنويات والحفاظ على الصلات بين أعضاء الجماعة وإكساب الشعور بالرضا عن نشاطات الإخوان.

علاوة على ذلك، فإن خيار التظاهر ربما يكون أفضل الحلول المتاحة لإدارة الصراع الداخلي. وكما يقول إبراهيم الهضيبي، الكاتب والباحث المستقل في شئون الحركات الإسلامية، فإنه في الوقت الذي تميل فيه القواعد داخل الجماعة إلى المواجهة مع النظام، فإن استراتيجية الجماعة في ذات الوقت لا يمكن أن تسمح بالتحول إلى مواجهة عنيفة.

غير أن السؤال الأهم الآن يدور بطبيعة الحال حول المسار المستقبلي للإخوان. ففي حين يبدو الأمر متوازنًا ومستقرًا داخل هياكل الجماعة، فإن الدعوات الرسمية لقادة الجماعة بالمقاومة غير العنيفة ببساطة قد لا يتردد صداها لدى هؤلاء الإخوة الذين يكافحون في الخطوط الأمامية، بالتزامن مع وطأة القمع الأمنية للنظام.

وفي الوقت نفسه فإن النظام يحد من خيارات الإخوان لتبني أشكال بديلة ومغايرة للاحتجاج. فعلى سبيل المثال، كانت هناك ثمة توقعات بأن مستقبل جماعة الإخوان يكمن في إعادة تشكيل نفسها كجمعية اجتماعية أو دينية أو خيرية والعودة إلى ممارسات نشاطات تبقى بعيدًا عن سيطرة النظام.

غير أنه لم يعد من الواضح إذا كان ممكنًا العودة من جديد لذلك النهج، خاصة وأن النظام قام باستهداف المرافق الطبية والمدارس والجمعيات الأهلية للجماعة، ناهيك عن تجميد أموال رجال الأعمال التابعين للتنظيم. الآن، تخضع تلك المدارس والمرافق الطبية والجمعيات الأهلية لسيطرة النظام بطريقة تحد من قدرة الجماعة على الوصول إلى شرائح المجتمع المصري.

إن جهود النظام المصري الحالي لخنق جماعة الإخوان تتداخل على نطاق واسع لمراقبة ورصد المجالات والمواقع التي كانت بمثابة نشاطات مستقلة في الماضي. إن أفضل وصف لهذه العملية هو كونها إعادة خصصة.

من بين تلك السياسات والإجراءات التي انتهجها النظام كان القانون الصارم الذي أقرته الحكومة المصرية للسيطرة على المنظمات غير الحكومية. قانون اعتبرته منظمة هيومان رايتس ووتش بأنه “يدق ناقوس الموت” للمنظمات المستقلة في مصر.

ولم تقتصر تلك القوانين التي تعكس رغبات النظام في تضييق الخناق على الجماعة. فهناك قانون الجامعات الجديد، والإجراءات التي اتخذتها وزارة الأوقاف لفرض المزيد من الرقابة على المؤسسات الدينية العاملة في مصر، بما في ذلك القرارات الإدارية التي شملت إحالة العشرات من الأئمة للتحقيق، وإلغاء آلاف التراخيص للدعاة، وغير ذلك من الخطوات غير المسبوقة كما هو الحال مع توحيد خطبة الجمعة في المساجد التي باتت تخضع للسيطرة الإدارية للوزارة.

إن استراتيجية الجماعة في التظاهر هي بالأساس نوع من رد الفعل. ومع ذلك، فإن من المهم أن نعي كيف أن الوضع الراهن يبقى مفيدًا لكلا الطرفين الإخوان والنظام. فمن جانب، فإن استمرار الحراك الذي تتبناه جماعة الإخوان يخلق فرصًا عديدة للنظام لاستخدام العنف. بل إن الأهم من ذلك، هو أن هذا العنف لا يستهدف الجماعة وحدها، وإنما يمتد ليشمل أطرافًا أخرى على نطاق واسع.

ومن جانب آخر، فإن التظاهرات لا تدعم تحركات الإخوان في الحشد والتعبئة وممارسة المزيد من الضغط على النظام المصري فحسب، بل إنها تسمح للتنظيم بتأجيل الإجابة على عديد من التساؤلات الصعبة التي تتعلق بالجماعة وأهدافها المستقبلية.


المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد