على الدوام، تتأرجح خيارات وخلافات حركة الإخوان المسلمين في الجزائر حول التقارب من السلطة الحاكمة أو رفض ذلك، فخيار المشاركة في الحكومة الجزائرية الذي تبنته قيادة الحركة من أيام القائد المؤسس الراحل محفوظ نحناح، له أنصاره ومؤيدوه في صفوف “حمس” الحركة الأم.

وهناك أيضا من يريد البقاء في صفوف المعارضة وهو مجموع له صوته الذي أدى لاحقا إلى انشقاقه عن الحركة، “ساسة بوست” في التقرير التالي، تستعرض نشأة تنظيم حركة الإخوان المسلمين في الجزائر وتتطرق لأزمتهم الحالية.

كيف تشكل تنظيم جماعة الإخوان المسلمين في الجزائر؟

 

 

من الصعب تحديد تاريخ رسمي لنشأة تنظيم جماعة الإخوان المسلمين في الجزائر، لكن يمكننا القول أن حركة الإخوان المسلمين في الجزائر تشكلت عام 1976 كتنظيم سري تحت اسم حركة “الموحدين”، لكن هذا التنظيم حل في عام 1980 ثم عاد للعمل في ذات العام باسم “جماعة البليدة”.

الآن لا يوجد أي حزب أو جماعة تحت اسم “تنظيم الإخوان المسلمين” في الجزائر، لكن تنشط عدة أحزاب تنتمي فكريا لتنظيم لإخوان ولكنها غير مرتبطة عضويا به كحركة مجتمع السلم، وجبهة التغيير، وحركة البناء الوطني، وحركة النهضة، وحركة الإصلاح الوطني.

وتعد حركة مجتمع السلم التي أسسها الراحل محفوظ نحناح عام 1990 مع فتح التعددية الحزبية أكبر هذه الأحزاب، حيث شاركت في الحكومة الجزائرية منذ العام 1994 وإلى 2012 قبل أن تتحول إلى المعارضة، وتنشط الحركة حاليا في البرلمان ضمن تكتل برلماني يسمى “الجزائر الخضراء” يضم حزبين إسلاميين آخرين إلى جانبها هما النهضة والإصلاح، ويضم هذا التحالف 47 نائبا برلمانيا من بين 462 عضو يضمهم المجلس الشعبي الوطني (البرلمان).

ويتميز المنتمون للإخوان المسلمين في الجزائر بالاستعداد للتكيف مع الخصوصيات السوسيولوجية المحلية، فقد منحت الحركة على سبيل المثال، بعض الحريات للنساء وانصاعت للأعراف البرلمانية، لكنها لم تتنازل عن شيء من إستراتجيتها من أجل ما تصفه بـإعادة أسلمة المجتمع واحترام القواعد الإسلامية ورفض الاختلاط بين الأجناس.

كيف التحق إخوان الجزائر بالسلطة ولماذا انسحبوا منها؟

 

كما أسلفنا، شارك إخوان الجزائر في عام 1994 وحتى يونيو 2012 في الحكومة الجزائرية، وعندما قرروا عدم المشاركة في الحكومة رفض عدد من وزرائهم القرار وبقوا في الحكومة، بينهم وزير التجارة السابق مصطفى بن بادة، ووزير النقل السابق عمار غول، إضافة إلى وزير مكلف بالتخطيط بشير مصيطفى، المقرب من إخوان الجزائر.

وتعود بداية ذلك إلى عام 1989، عندما أطلق محفوظ النحناح حركة مجتمع السلم “حمس” التي صارت تُلقّب إثر ذلك بـ “الحركة من أجل السّلام والإصلاح”، وذلك إثر فشل جبهة الإنقاذ الجزائرية في الانتخابات واندلاع الحرب الأهلية التي تلت الانتخابات التشريعية شهر يناير 1992، وانطلاقًا من سنة 1999، شاركت الحركة بمعيّة حزبين وطنيين في الحلف الرئاسي الداعم لعبد العزيز بوتفليقة، مما أكسبها بعض الحقائب الوزارية.

وإثر الربيع العربي، قررت الحركة الخروج من الحكم ومقاطعة انتخابات 17 أبريل 2014 الرئاسية، غير أن مشاركتها الوزاريّة كلّفتها غاليًا إذ يوجد في الجزائر ما لا يقل عن سبعة أحزاب إسلامية، دون احتساب السلفيين الذين أبدوا على نحو متزايد وصريح إدانتهم لوزير الشؤون الدينية آنذاك.

وحاول الإخوان المسلمون تجاوز هذه الانقسامات فتجمّعوا داخل حلف أخضر خلال انتخابات 2013 التشريعية التي انتظروها كثيرًا إثر فوز حركة النهضة التونسية بالانتخابات التونسية وحركة الإخوان المسلمين بمصر؛ فتم استبعاد مرشحيهم عن طريق الناخبين، وإن كان خيارهم في المعارضة قاسيًا جدًا فإنه لم يغيّر مسارهم.

حاليًا يسعى الإخوان المسلمون بالجزائر لتجميع كل الأطراف المعارضة (باستثناء جبهة القوى الاشتراكية لحسين آيت أحمد التي تمّ استبعادها) من أجل المطالبة بانتقال ديمقراطي والتأسيس للحريات الأساسية.

كيف بدأت الخلافات الأخيرة بين إخوان الجزائر؟

 

بدأت الخلافات الأخيرة في حزب إخوان الجزائر، حركة “مجتمع السلم”، إثر اللقاء المفاجئ الذي جمع بين رئيس الحزب عبد الرزاق مقري، ورئيس ديوان رئاسة الجمهورية أحمد أبويحيى، على اعتبار أن هذا موقف وسلوك لم يكن معهودًا لدى تيار الإخوان في الجزائر. لذا أثار ذلك انتقادات كبيرة داخل «تنسيقية الانتقال الديموقراطي» التي تأسست بعد الانتخابات الرئاسية الماضية، وترفض الحوار مع السلطة وتطالب بتنظيم انتخابات رئاسية مسبقة. وتُعدّ حركة «مجتمع السلم» جزءًا منها.

فالمعروف أن حركة “مجتمع السلم” وبعد انخراطها في عام 1994 في الحكومة حتى يونيو/حزيران 2012، قررت الانسحاب وعدم المشاركة في الحكومة التي تلت الانتخابات التشريعية التي جرت في مايو/أيار 2012، حيث يجدد التيار المعارض في الحركة رفض الانخراط في السلطة، والتمسك بالعمل المشترك مع المعارضة في التنسيقية والهيئة وبوثيقة مؤتمر مزافران الذي عقد في يونيو/حزيران 2014، والتي تعتبرها وثيقة تاريخية هي الأصلح لتحقيق التوافق وحفظ الجزائر من الانهيارات المحتملة التي أضحى أقطاب السلطة ذاتهم يقرّون بها.

وقال قادة الحركة أن الهدف من اللقاء هو إخبار السلطات الرسمية مباشرة ومن دون وسائط بآراء الحركة وأفكارها ومقارباتها في مختلف القضايا الوطنية والدولية، ونفت الحركة أن الأمر يتعلق بتفاوض مع السلطة باسم المعارضة، وقالت إن “الحركة لا تسمح لنفسها أخلاقيًا أن تفعل ذلك دون اتفاق مسبق مع تكتل تنسيقية الحريات والانتقال الديمقراطي التي تضم أحزابًا وشخصيات وتنظيمات”.

وينذر هذا اللقاء حسب المراقبين بإحياء الخلافات بين الشقّ الرافض للتموقع ضمن أحزاب الموالاة بقيادة عبدالرزاق مقري، رغم ما أبداه من مرونة في الآونة الأخيرة، والشق الداعي إلى العودة إلى الحكومة وأبرز المؤيدين لهذا الطرح أبو جرّة السلطاني الرئيس السابق للحركة، ويعتبر المراقبون أن هذه الخطوة كانت متوقّعة باعتبار أن الحركة انتهجت على مدى عقود، سياسة التسويات مع النظام وهو ما مكّنها من أن تكون إحدى الأحزاب الرئيسية في المشهد السياسي الجزائري ومن الظفر بمناصب وامتيازات هامّة.

ماذا عن علاقة إخوان الجزائر بالسلفيين؟

 

بين اتهام السّلفيين لإخوان الجزائر بالوقوف وراء حملة التّضييق التي تشنّها وزارة الشّؤون الدّينيّة والأوقاف ضدّ أئمّتهم، وبين اتهام إخوان الجزائر السلطة باستغلال السلفية، واستخدامها ضد بعض الأحزاب في ممارستهم السياسة لضربهم باسم الدين يتمحور الصراع بين التيارين الإسلاميين الكبيرين في الجزائر.

وتحاول السلفية الجزائرية الاستثمار في فشل الإسلام السياسي للانتشار في أوساط الشباب الجزائري، حيث توظف المأساة الوطنية وسنوات الجمر لاستقطاب أتباع جُدد، لتطرح نفسها بديلًا من الإطار الحزبي الإسلامي الحالي. فقد ساهمت سهولة الانضمام إليها خارج كل تنشئة سياسية من تعزيز صفوفها بالمئات من العناصر الجديدة، إذ لا يحتاج الراغب في الالتحاق بـ«الدعوة السلفية» إلى دورة تدريبية في علوم الشريعة ليصبح سلفيًا.
وما زالت أدبيات تيار السلفية العلمية في الجزائر ترفض التحزب والمشاركة السياسية، وتعارض تيار الإسلام السياسي بناء على هذه المبادئ، ويفضلون بذلك “النصيحة” لأولي الأمر ومهادنة الحكام عن أي تحرك احتجاجي معارض مهما كان شكله، فالشيخ علي فركوس الذي يعتبره الكثير من السلفيين مرجعا دينيا انتقد في إحدى مداخلاته نشاط الأحزاب الإسلامية المعارضة التي وصفها بـ”المتحضرة” واعتبر أنها تختبئ وراءها مظاهر غربية في منهجها، وتزعم استحداث إسلام متحضر ومؤيد للديمقراطية.

الأحزاب المنشقة عن حركة “مجتمع السلم” الأم

 

 

منذ وفاة زعيم إخوان الجزائر الشيخ محفوظ نحناح في 2003، شهدت حركة مجتمع السلم التي تأسست عام 1990 انقسامات عزاها مراقبون إلى غياب القائد الكاريزمي، وتعدد الخيارات السياسية بعد المشاركة في السلطة، ومن أشهر هذه الحركات التي انشقت:

حزب التغيير

أول حزب انشق عن الحركة الأم “حمس”، أسسه القيادي السابق في الإخوان، عبد المجيد مناصرة، مع عدد كبير من كوادر الإخوان انشقوا عن الحركة الأم في 2008، وذلك بسبب خلافات مع قيادة الحركة حينها التي كان يترأسها وزير الدولة أبو جرة سلطاني، حيث أسسوا حزبا سياسيا بديلا تحت اسم “جبهة التغيير”.

حزب حركة تجمع أمل الجزائر

 

 

أسس هذا الحزب وزير الأشغال العمومية في الجزائر عمار غول، ويرجع الانشقاقُ هذا عن حركة “حمس” – حسب المؤسسين – إلى الأخطاء التي ارتكبتها الحركة بقيادة “أبو جرة سلطاني”، والتي منها انفصالها عن التحالف الرئاسي المؤيد للرئيس بوتفليقة، مقابل الدخول في تحالف الإسلاميين باسم “الجزائر الخضراء”، أملا في تحقيق فوز الإسلاميين في انتخابات البرلمان الماضية مايو 2012.

 

حزب “الحركة من أجل الدعوة والتغيير”

انشق هذا الحزب عن «حركة مجتمع السلم» حين كان يتزعمها وزير الصناعة السابق عبد المجيد مناصرة. وبالرغم من امتلاكها المرجعية والثوابت نفسها، إلا أنها لم تستطع توحيد صفوفها في تكتل واحد بسبب الصراع على زعامة التيار الإسلامي.

حزب حركة البناء الوطني

 

انشطر هذا الحزب في 7 أغسطس 2014من رحم الحركة الأم، مجتمع السلم “حمس” ويعد مؤسسه مصطفى بلمهدي، أحد رجال المؤسس الراحل محفوظ نحناح، ومن “الرعيل الأول” الذي أسس مع نحناح “حركة المجتمع الإسلامي”. وقد انشقَّ بلمهدي بسبب خلافات مع قيادة الحركة حينها، التي كان يرأسها وزير الدولة “أبو جرة سلطاني”، وأسسوا حزبًا سياسيًّا بديلا تحت اسم “جبهة التغيير” بقيادة وزير الصناعة الأسبق، عبدالمجيد مناصرة، ثم انشق بلمهدي مع عدد من القياديين في جبهة التغيير، ليؤسسوا مجددا “حركة البناء الوطني” بسبب خلافات داخلية بين قيادات حركة “جبهة التغيير”.

ومن أشهر مواقف “إخوان الجزائر” الأخيرة

 

 

طالبوا بمنع إعدام الرئيس المصري المعزول محمد مرسي

 

مباشرة بعد صدور حكم الإعلام على محمد مرسي، طالبت حركة مجتمع السلم في خطاب رسمي لها الرئيس الجزائري، عبدالعزيز بوتفليقة بالتدخل لمنع تنفيذ حكم الإعدام بحق محمد مرسي، ومنع تطبيق أحكام الإعدام بشكل عام بحق قيادات الإخوان المسلمين.

طالبوا بوتفليقة بالتنحي عن منصبه

في وقت سابق، طالب رئيس حركة مجتمع السلم عبد الرزاق مقري، الرئيس عبد العزيز بوتفليقة بالتنحي عن منصبه بسبب المرض الذي يلازمه، وقال مقري خلال افتتاح ندوة وطنية للحركة، الرئيس بوتفليقة: «سيدي الرئيس.. أنت لست حاضرا، سيدي الرئيس نعرف أن الأمر انتهى، وكان من المفروض أن تستريح. بلد مثل الجزائر بحاجة إلى رئيس حاضر ومتاح”.

رفضوا اعتبار جماعة الإخوان المسلمين جماعة “إرهابية”

رفض إخوان الجزائر اعتبار جماعة الإخوان من قبل الحكومة المصرية والسعودية والإماراتية منظمة إرهابية ووصفوا القرار بـ”الظالم”، وقال مقري رئيس أن القرار “يندرج ضمن الاستراتيجية الانقلابية الدموية ويهدف إلى تبرير المزيد من القتل والقمع كما يهدف إلى اجتثاث الإخوان حتى ينجح الانقلاب أو ترضخ الجماعة وتقبل به، ولكنهم مخطئون لأن هناك قطاعات متعددة في مصر ترفض الانقلاب “.

وأضاف: “القرار يهدف لفك العزلة الدولية عن الانقلاب برفع فزاعة الإخوان كمنظمة إرهابية، والإخوان لديهم تجربة طويلة في مواجهة العدوان والديكتاتورية، وبالتالي فإنهم أدخلوهم إلى ميدان يحسنون اللعب فيه، والأساليب القمعية لم تفلح على مدار التاريخ في أي بلد، خاصة مع انتشار وسائل الإعلام “.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد