«سنأكل باعتدال، لن نأكل بغرض المتعة والتسلية وتجميل جسدنا، ولكن فقط من أجل صيانة واستمرارية هذه الهيئة؛ لتهدئة نوبات الجوع، وللمساعدة على عيش حياة مقدسة، ومع الفكر سوف تنتهي رغباتنا القديمة، ولن تُخلق رغبات جديدة، وبالتالي نكون معافين. نعيش بلا لوم، وفي رضا كامل»، اقترح بوذا على تلاميذه قراءة هذه الكلمات قبل الأكل.

في هذا التقرير سنجرب سويًا تجربة قد تسمع عنها للمرة الأولى، وهي تمرين التأمل في الطعام. اختر أكثر أكله تعشقها، ولتكن المعكرونة بأربعة أنواع مختلفة من الجبن وقليل من الزبد. أنت أمام طبق شهي منظره مغرٍ ورائحة الزبد والزعتر تملأ أنفك. الآن املأ الشوكة وارفعها إلى فمك وابدأ في مضغها. حان وقت الجزء الأصعب؛ ضع شوكتك على المنضدة؛ هذه ستكون أصعب خطوة؛ أصعب مما تتصور؛ لأن أول قضمة كانت جيدة جدً،ا وتستدعي الكثير بعدها على الفور؛ وغير ذلك فأنت جائع.

هذه تجربة على تناول الطعام، تنطوي على أن نصبح مدركين لردود فعلنا أمام الأكل، وقادرين على مقاومته، وترك الشوكة من يدنا، والمضغ ببطء، والتوقف عن الكلام، والاستمتاع بمعزوفة المعكرونة في فمنا، وأنسجة الجبن تتمدد على ألسنتنا، متمكنين من الزبد الذائب بين هذه الأنسجة، وبكل تأكيد هذا يحدث والتليفزيون مغلق؛ لإعطاء عقلنا مساحة من الوقت للتفكير: هل جسدي بحاجة إلى هذا؟ لماذا آكل هذه؟ هل فقط لأني حزين؟ سعيد؟ متوتر؟

لماذا نأكل أكثر مما نفكر؟ أو ماذا فعلت الحداثة بعصافير معدتنا؟

«أعتقد أن المشكلة الأساسية هي أننا نفقد الوعي، بينما نتناول الطعام» *الدكتور جان تشوزن بايس، طبيب ومعلم تأمل

نتائج التجارب أظهرت أن الإنسان يتخذ ما يقرب من 20 قرارًا يوميًا حول الأكل – وهي المرات التي يدركها – في حين إن عقله يفكر نحو 200 مرة في الأكل متأثرًا بإشارات صغيرة من حوله، مثل: البشر والحقائب وأواني الطعام وأسماء المنتجات والإعلانات والأضواء والروائح والطرق وعربات النقل وأشياء أخرى، هذه النتيجة المفزعة بالنسبة للبعض جاءت في كتاب «الأكل الطائش: لماذا نأكل أكثر مما نفكر» لبراين وانسينك أستاذ السلوك بجامعة كورنيل مستندًا إلى الاكتشافات البحثية الحائزة على جوائز في مختبر كورنيل للأغذية وعلى دراسات عن المطاعم ودور السينما والمراكز التجارية.

يبين الكتاب كيف أن علم نفس الغذاء والبيئة المحيطة بنا تؤثر على ما، وكم، ومتى يأكل الناس، ويظهر كيف أن اتباع الطبيعة الأصيلة فينا يدفعنا إلى تناول طعام أقل، والتمتع به أكثر مما نحن الآن، فعلى النقيض من الفهم الفيزيولوجي للجوع، فإن أزمة «الأكل الطائش»، وتناول الطعام بدون تفكير يعد تحديًا نفسيًا للكثير أمام الجوع؛ فالبشر ليسوا جيدين بما يكفي لمعرفة متى يجب التوقف عن تناول الطعام؛ لأن المعدة قد امتلأت، وحتى متى هم في الحقيقة جوعى، وعليهم تناول الطعام؛ ولذلك فنحن نتأثر بشدة، ودون أن ندري، بالبيئة المحيطة بنا؛ لتحدد لنا متى نتناول الطعام والكمية التي تتحملها معدتنا.

وتظهر دراسات في الكتاب كيف أن قرارات تبدو لنا غير متكافئة، مثل شكل خزانة الطعام، وحجم الكتابة على العلبة، والإضاءة في المكان، والخدمة المقدمة، سوف تؤثر على مقدار الطعام الذي سنتناوله. واستشهد براين باتجاه البارات لاستخدام الأكواب الزجاجية الطويلة؛ لتوفير عدد مرات صب علب المياه الغازية أو الكحوليات؛ مما أدى لزيادة حالات الإرهاق والسكر فيها بسبب الرغبة في الإتيان على الكمية كاملة.

تمارين التأمل في الطعام أيضًا

تقول تقاليد بوذية قديمة: إن المرء يجب أن يتوقف عن تناول الطعام عندما يملأ فمه خمس مرات بالأكل أو ثلاثة أكواب من الشرب.

لهذا المفهوم جذوره في التعاليم البوذية، فبالضبط كما أن هناك أشكالًا من التأمل تنطوي على الجلوس والتنفس والوقوف والمشي؛ يشجع العديد من المعلمين البوذيين طلابهم للتأمل في الطعام، وتوسيع مداركهم من خلال إيلاء اهتمام وثيق للشعور وإدراك الغاية من الطعام. في أحد التمارين المعروفة يتناول الطالب ثلاث حبات من الزبيب أو فصوص اليوسفي ليقضي 10: 20 دقيقة يحدق ويتذوق ويمضغ ويبلع فيهم؛ كل مرحلة بصبر وتأن.

وفي الآونة الأخيرة، فإن مثل هذه التجارب بدأت تتسلل للساحات غير المؤمنة بالبوذية أكثر، وكلية الصحة العامة بجامعة هارفارد بدأت بالنصح بهذه التعاليم باعتبار تناول الطعام ببطء والشعور بكل مضغة يمكن أن يكون علاجًا سريع الخطى لإبطاء تدافع الكوكب نحو البدانة بدلًا من الحميات الغذائية التي لا تأتي بنتيجة.

تناول الطعام بهذا الشكل لا يعد نظامًا غذائيًا؛ فأنت لن تتخلى عن أي شيء عن الإطلاق. إنها تجربة الطعام بشكل مختلف وممتع، فيمكنك أكل برجر الجبنة على مهل لتستمتع به أكثر بكثير من ذي قبل حتى تقرر في القضمة الثالثة أنه لدى جسمك ما يكفي من البرجر، والآن تحتاج بعض السلطة.

هيا بنا نجرب!

معظمنا لن يكونوا رهبانًا بوذيين؛ لكن من أحب الفكرة، ويريد إنقاص وزنه؛ فسيبدأ مثل أي شيء نتمنى إتقانه؛ مثل خطوات الطفل؛ ليس عليه أن يكون شاقًا على نفسه، فليس من المفترض أن نحول متلازمة الأكل دون حساب إلى تمارين يومية للأكل تحت إشراف العقل بنسبة 100%؛ فهي في النهاية ممارسة يسعى الراغبون في إنقاص وزنهم بالاستمرار إلى العمل نحوها.

ينصح دكتور جان تشوزن بايس الطبيب ومعلم التأمل بخطوات بسيطة؛ فإذا كان من المستحيل الأكل بشكل صحيح  كل يوم، فلنعد وجبة واحدة في الأسبوع، نغلق التليفزيون ونجلس على المنضدة مع من نحبهم، وفي الخمس دقائق الأولى نأكل في صمت ونتمتع بطعامنا. إنها خطوة خطوة. ومتى أدركنا فإن الأمر يصبح أسهل عندما تعرف أن تناولك للطعام يتضمن طعامًا لا معنى له؛ بينما أنت تقود أو تتحدث أو تشاهد التليفزيون وفجأة عندما تبدأ بالتفكير تجد نفسك في علاقة معادية مع الغذاء بدلًا عن كونه نشاطًا ممتعًا.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد