أعلنت المملكة العربية السعودية، أمس الثلاثاء، عن ميزانيتها المالية للعام المقبل 2018؛ إذ كشفت المملكة عن أرقام لا يمكنك سوى التعجب أو الانبهار بها؛ وذلك بسبب التغير الكبير الذي طرأ عليها مقارنة بالميزانية السابقة لعام 2017، ولعل أبرز هذه الأرقام هو توقع المملكة أن تتحول من الانكماش بواقع سالب 0.5% في 2017، إلى قفزة في النمو بنسبة 2.7% خلال 2018، وهو الأمر الذي يثير التساؤل عن الأسباب الفعليّة لتحقيق المملكة هذه الطفرة في ميزانيتها.

وسنحاول خلال هذا التقرير توضيح الواقع الحقيقي للاقتصاد السعودي في ضوء تحليل أرقام موازنة 2018، والوقوف على أسباب الطفرة التي كشفت عنها المملكة.

الملامح الرئيسة لموازنة السعودية 2018

يُعدّ الإعلان عن الموازنة السعودية من أهم الأحداث الاقتصادية على مستوى المنطقة ككل، وليس على المستوى المحلي فقط، إذ إنه حدث مهم تترقبه الأوساط الاقتصادية في الداخل والخارج على حدّ سواء؛ وذلك بسبب مكانة الاقتصاد السعودي الرئيسة في العالم. وفقًا لتقديرات صندوق النقد الدولي، فإن اقتصاد المملكة هو أكبر اقتصاد عربي، ويحلّ في المرتبة العشرين عالميًا.

وبحسب الأرقام الواردة في بيان موازنة 2018، فإن المملكة تتحدث عن طفرة كبيرة في موازنة هي الأكبر في تاريخ البلاد، وبعد نحو ثلاث سنوات من اتباع سياسة التقشف، كشفت الحكومة عن أعلى إنفاق حكومي في تاريخ السعودية، معتمدة على ثلاثة محاور أساسية: الميزانية العامة، والصناديق التنموية، وصندوق الاستثمارات العامة؛ ليتجاوز الإنفاق التريليون ريال.

وقبل الحديث عن موازنة 2018، يمكن القول إنّ الطفرة السعودية ليست على مستوى العام المالي المقبل فقط، بل إن محمد الجدعان، وزير المالية السعودي، كشف أن إجمالي الإيرادات المتوقعة لعام 2017، بلغت 696 مليار ريال، وذلك بزيادة نسبتها 34% عن العام السابق. كما يُتوقع أن تبلغ الإيرادات غير النفطية نحو 256 مليار ريال سعودي، وهذا الرقم أكبر من إجمالي الإيرادات المقدرة بواقع 21%، ويمثل زيادة نسبتها 38% عن إيرادات 2016، فيما قفزت الإيرادات النفطية المتوقعة إلى 440 مليار ريال، وبزيادة 32% عن العام السابق.

وتشير الأرقام  الحكوميّة كذلك إلى أن إجمالي الإنفاق المتوقع لعام 2017 سيصل إلى نحو 926 مليار ريال، بزيادة نسبتها 4% عن التقديرات الأولية، وذلك بسبب عودة البدلات وصرفها بأثر رجعي، بينما وصل العجز المالي إلى 230 مليار ريال، بواقع 8.9% من الناتج المحلي الإجمالي، انخفاضًا عن العجز الذي كان مقدارًا بـ12.8% من الناتج المحلي الإجمالي، فيما قفز الدين العام إلى 438 مليار ريال، وذلك بسبب إصدارات السندات والصكوك المحلیة، والدولیة.

وعن موازنة 2018 يجب القول: إن الأرقام المعلنة ما هي إلا مؤشرات تقديرية للميزانية العامة للدولة، يمكن أن ترتفع أو تنخفض خلال العام بحسب المتغيرات الاقتصادية. وبحسب وزارة المالية السعودية، فقد تم إعـداد موازنة 2018، والإطار المالي والاقتصادي على المدى المتوسط، فــي ضوء الافتراضات المالية والاقتصاديــة المتوافـرة وقت إعداد تقديرات الموازنة، إلا أن المتغيرات المالية والاقتصاديـة قـد تشهد تطورات يمكـن أن تؤثـر إيجابًـا أو سـلبًا علـى التقديـرات الحاليـة.

ومن المقدر أن يصل إجمالي الإيرادات لعام 2018 إلى 783 مليار ريال سعودي، بزيادة 12.6% عن 2017، مقسمة إلى إيرادات غير نفطية بواقع 291 مليار ريال، وعائدات نفطية بنحو 492 مليار ريال.

كما يتوقع أن يستمر عجز الموازنة السعودية للعام الخامس على التوالي، إلا أنه سيسجل انخفاضًا عن 2017؛ ليصل في العام 2018 إلى 195 مليار ريال، بنحو 7.3% من الناتج المحلي الإجمالي، وذلك بانخفاض كبير عن العام الماضي الذي سجل 15.2%. وعلى عكس العجز الذي سجل تحسنًا ملحوظًا، شهد الدين العام قفزة جديدة ليصل إلى 555 مليار ريال، وهو ما يمثل 21% من الناتج المحلي الإجمالي، مقارنة بـ438 مليار ريال.

الإنفاق على القطاعات.. العسكري يحلق والتعليم يتراجع

قل لي فيم تنفق أموالك أقُل لك ما هي أولوياتك

لا تكشف الأرقام العامة عن أولويات الحكومات الحقيقية، لكن يمكن معرفة أولويات الحكومة من خلال متابعة بنود الموازنة والإنفاق الفعلي للدولة على القطاعات الاقتصادية المختلفة، وهو الأمر الذي يكشف عن سياسة الدولة الحقيقية. فهل المواطن هو فعلًا الأولوية الأولى كما أعلنت المملكة أمس؟ أم أن هناك أولويات أخرى؟
في الجدول التالي نرى توزيع الإنفاق العام بموازنة 2018.

تكشف الأرقام أن الإنفاق العام المقدر على قطاع التعليم، والصحة والتنمية الاجتماعية، والخدمات البلدية، سيشكل نحو 392 مليار ريال، وهو ما يمثل 40% من إجمالي الإنفاق. بينما من المقدر أن تبلغ النفقات الرأسمالية حوالي 205 مليار ريال، أي ما يمثل 21.1% من إجمالي النفقات، بزيادة قدرها 13.6% مقارنة بالعام الماضي.

وكما هي العادة بالمملكة؛ استحوذ الإنفاق العسكري على نصيب الأسد من الموازنة؛ إذ يشكل الإنفاق على القطاعين: العسكري والأمني، والمناطق الإدارية نحو 311 مليار ريال، وهو ما يقترب من ثلث الإنفاق العام في المملكة. وبالرغم من تراجع الإنفاق العسكري عن 2017، إلا أنه يظل مرتفعًا جدًا مقارنة بالإنفاق على القطاعات الأخرى؛ إذ إن الإنفاق العسكري وحدة أكبر من مجموع الإنفاق على قطاعي الخدمات البلدية والصحة، كما أنه يزيد على الموازنة المخصصة للتعليم بواقع 18 مليار ريال.

ويلاحظ كذلك أن هناك تراجعًا حادًا بمخصصات التعليم في المملكة، يقدّر هذا التراجع بنحو 15.8% عن 2017 كما هو مبين بالجدول السابق، وهو ما يكشف عن تراجع أولوية إنفاق المملكة على التعليم، بالرغم من الزيادة التاريخية في الإنفاق الحكومي.

كيف تمكنت السعودية من تحقيق طفرة بأرقام الموازنة؟

غالبًا ما تكون مناقشة أرقام الموازنة بشكل مجرد، غير كاشفة عن الصورة الكاملة للوضع الاقتصادي، فمثلًا من الطبيعي أن نتساءل عن سبب الزيادة الكبيرة في الإنفاق والإيرادات بموازنة 2018، بينما قد نجد في الواقع أن الزيادة المحققة أقل كثيرًا مقارنة بالبنود التي حققت زيادة في الدخل السعودي خلال الأشهر الماضية، وهذه الزيادة جاءت من خلال كل من:

دخول عصر الضرائب

تكشف أرقام الموازنة السعودية الجديدة عن اعتماد كبير للبلاد على الضرائب، فمع بداية 2018 سيبدأ التطبيق الفعلي لضريبة القيمة المضافة، كما سيتم تطبيق المقابل المالي على الوافديـن، ومن المتوقع أن تسـجل حصيلة الضرائـب نحو 142 مليــار ريــال خلال 2018، وذلـك بمعـدل نمـو 46% مقارنة بعـام 2017، وهي نسبة نمو كبيرة جدًا في مدة زمنية قصيرة، كما يظهر الجدول التالي.

ويتوقــع أن يحقق بند الضرائب على الدخل والأرباح والمكاســب الرأســمالية نحو 15 مليار ريال، بنمو 4.10 % مقارنة بعام 2017. فـي حيـن يُتوقّع أن تقفز الضرائـب على السلع والخدمات بـ85 مليار ريال بنسبة 82% عـن عام 2017؛ وذلك بسبب ضريبة القيمـة المضافة. فيما سيسجل المقابل المالي على الوافدين في 2018 نحو 28 مليـار ريـال.

قفزة جديدة بالديون

من بين البنود التي تدخل ضمن الإيرادات، الديون التي تتم من خلال إصدارات السندات والصكوك المحلية والدولية، وهي كذلك من الأسباب الرئيسة في تنامي قيمة الإيرادات، بالإضافة إلى توسع المملكة في السحب من الاحتياطي النقدي؛ إذ من المتوقع أن تسحب السعودية نحو 128 مليار ريال خلال 2018 من الاحتياطي العام، وهو كذلك ضمن الأمور التي ساهمت في طفرة الإيرادات المحققة.

جدير بالذكر أن الديون السعودية سجلت قفزات متتالية خلال السنوات القليلة الماضية؛ إذ تضاعفت نسبة الديون لإجمالي الناتج المحلي للمملكة بأكثر من 13 مرة خلال أربعة أعوام، من 1.6% في نهاية 2014، إلى 21% في 2018. ومن المتوقع أن يصل إلى 26% خلال 2020.

اقرأ أيضًا: ديون السعودية.. كابوس ما بعد النفط

زيادة أسعار النفط

يعد النفط المصدر الأول للإيرادات في السعودية، ومع ارتفاع أسعار النفط العالمية، فمن الطبيعي أن تشهد إيرادات المملكة تحسنًا ملحوظًا، وبالنظر إلى الأسعار العالمية للنفط، نجد أنها منذ منتصف 2017، وحتى الآن، سجلت ارتفاعًا بنحو 20 دولارًا للبرميل، من 44 دولار للبرميل إلى 65 دولارًا مع بداية ديسمبر (كانون الأول) الجاري. فيما تشـير أغلـب التوقعـات إلى اسـتمرار التعافي في أسـواق النفـط العالميـة، خاصة بعد تمديد اتفاق خفض إنتاج النفط من «أوبك» والمنتجين من الخارج.

اقرأ أيضًا: 

وتشير تقديرات خبراء اقتصاديين إلى أن موازنة 2018 تعتمد على سعر يتراوح بين 51 دولارا إلى 55 دولارا لبرميل النفط، وفي ظل الأسعار الحالية التي تتجاوز مستوى الـ60 دولارًا، يرجح أن ترتفع الإيرادات النفطية للمملكة عن التقديرات المتوقعة في 2018.

هل تُنعش «الحرب على الفساد» الموازنة السعوديّة؟

في 5 ديسمبر (كانون الأول) الجاري، قال وزير التجارة والاستثمار السعودي ماجد بن عبد الله القصبي: إن بلاده أتمت المرحلة الرئيسة من حملة واسعة تشنها على الفساد، وإنها ترتب لتوجيه مليارات الدولارات التي سيجري مصادرتها لمشروعات التنمية الاقتصادية، وسترفع غالبًا هذه المليارات إيرادات المملكة خلال 2018، وبالرغم من ذلك لا يظهر أثرها بشكل واضح في الموازنة.

وأشار القصبي إلى أن وزارة المالية فتحت حسابًا خاصًا لتلقي أموال تسويات حملة محاربة الفساد التي يقدّر مكتب النائب العام أن تصل في نهاية المطاف إلى ما بين 50 مليارًا و100 مليار دولار، قائلًا :«هذه الأموال ستستخدم بالتأكيد في الإسكان، وتلبية احتياجات المواطنين؛ لأنه مال الشعب، ولن تستخدم في أي أمور أخرى، إلا مشروعات التنمية».

خطط الخصخصة

تعد الخصخصة إحدى مصادر الدخل الجديدة في السعودية، ففي 28 أبريل (نيسان) الماضي، قال محمد التويجري نائب وزير الاقتصاد والتخطيط السعودي، خلال مقابلة له مع وكالة «رويترز»: «إن الحكومة السعودية تتوقع جمع نحو 200 مليار دولار في السنوات المقبلة عبر بيع أصول في مؤسساتٍ حكومية»، مشيرًا إلى أن هذا المبلغ لا يشمل عشرات المليارات من الدولارات المنتظرة من طرح 5% من شركة «أرامكو» النفطية العملاقة، وهو الطرح المقرر له أن يتم خلال 2018.

اقرأ أيضًا: الخصخصة في السعودية .. كل ما تريد معرفته عن ثورة محمد بن سلمان الجديدة

وتتوزع خطط السعودية للخصخصة بين 16 قطاعًا؛ سواء بشكل جزئيّ أو كليّ بحلول عام 2020؛ وهو الأمر الذي يكشف أيضًا عن مصدر كبير سيساهم في زيادة إيرادات المملكة خلال العام المقبل، وبالنظر إلى كل المعطيات السابقة: يمكن القول إن قيمة الإيرادات المتوقّعة تبقى منخفضة مقارنة بالمصادر المذكورة من خطط خصخصة، وحرب على الفساد، وزيادات أسعار النفط، ورفع الضرائب، والتحكم في الديون.

لماذا تنفق السعودية كل هذه المليارات على القطاع الخاص؟

إذا كان هناك عنوان رئيس لموازنة السعودية 2018، فقد يكون «القطاع الخاص هو الحل». بمعنى أن السعودية لم يكن لديها حل، سوى اللجوء إلى القطاع الخاص؛ لإنقاذ الاقتصاد من دوامة الركود والانكماش. فعندما نقول: لماذا تنفق السعودية كل هذه المليارات على القطاع الخاص؟ فالإجابة ببساطة، هي: الخوف من الركود؛ لأنها أخطر ظاهرة اقتصادية يمكن أن يواجهها أي اقتصاد، لذلك، فمن الطبيعي أن نجد مليارات المملكة تنهال على القطاع الخاص؛ لتحقيق معدل نمو 2.7% خلال 2018، من -(0.5%) انكماشًا في 2017.

تتعامل المملكة الآن مع القطاع الخاص على أنه قاطرة النمو الاقتصادي في البلاد، وبحسب ما قال وزير المالية السعودي متحدثًا عن مدى قدرة القطاع الخاص على قيادة النمو الاقتصادي: «تم الإعلان عن عدد من البرامج التي وافق على أحدها خادم الحرمين الشريفين، تتضمن الحزمة الثانية من ميزانية تحفيز القطاع الخاص بمبلغ يصل إلى 72 مليار ريال (19.2 مليار دولار) خلال أربع سنوات، وستتبعها الحزمة الثالثة قريبًا».

ويأتي الاهتمام السعودي بعد دعوة صندوق النقد الدولي للمملكة بدعم القطاع الخاص، وهو ما أكد عليه وزير المالية قائلًا: إنه «انطلاقًا من رأي الصندوق الذي كان أفضل التقارير التي أصدرها النقد الدولي في تاريخه عن المملكة، فإن الحكومة مهتمة بالقطاع الخاص، وهو عنصر أساسي وشريك في التنمية في البلاد».

اقرأ أيضًا:

يشار إلى أن السعودية قد أطلقت قبل أيام حزمة مبادرات جديدة تستهدف تحفيز القطاع الخاص؛ إذ أصدر الملك سلمان أمرًا بالموافقة على خطة لتحفيز القطاع الخاص، واعتماد مبلغ إجمالي قدره 72 مليار ريال (حوالي 20 مليار دولار)؛ لتنفيذ أكثر من 13 مبادرة تهدف لتعزيز القدرات التنافسية لعدد من شرائح الاقتصاد الوطني، وتعزيز الدور التنموي للقطاع الخاص في الاقتصاد الوطني وفقًا لرؤية السعودية 2030.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد