تعتبر علاقة الإنسان بالطعام من أهم المؤشرات المعبرة عن حالته النفسية، فالكثير من الناس يقومون عند شعورهم بالاكتئاب أو بالتوتر بالامتناع عن الأكل، أو الإفراط فيه، ولكن عندما يصاب الشخص بمرض «البوليميا» والذي يعرف أيضًا باسم «الشرَه العصبي»، يصبح تناول الطعام بالنسبة إليه فعل يقوم به مكرهًا بلا أي قدرة على الموازنة بين وجبات الطعام، فمريض «البوليميا» من الممكن أن يتناول في ساعة واحدة وجبةً تحتوي على 3400 سعر حراري، ويعاود الأكل بعد فترة قصيرة.

ويمكن تفسير ما يحدث بأن الشخص في البداية يشعر بحاجة شديدة لتناول الطعام بشراهة، ولكن بعد التهامه كميات كبيرة من الطعام، يسيطر عليه الخوف من الزيادة الكبيرة في الوزن، ولذلك يقوم فورًا بممارسات سلوكية ضارة للتخلص مما أكل، مثل أن يتعمد التقيؤ، أو يتناول أدوية مسهلة.

وتنتشر «البوليميا» بين النساء بنسبة أكبر من الرجال؛ لحرصهن الزائد على رشاقة أجسامهن، ويخجل معظم المصابين بها من الذهاب إلى الطبيب وطلب المساعدة حتى وقت متأخر، ولذلك تؤثر في حالتهم الصحية تأثيرًا خطيرًا، فيصاب الكثير منهم بتضرر مينا الأسنان نتيجة القيء المتكرر، وفقدان الجسم للسوائل، ويمكن أن يصل الأمر في بعض الأحيان إلى الوفاة نتيجة عدم انتظام ضربات القلب.

حتى اليوم لم يتأكد الأطباء من المسببات الحقيقية

لا يمكن أن نحدد سببًا واحدًا مؤكدًا للإصابة بـ«البوليميا»، فهي كباقي اضطرابات الأكل تصنف كمشاكل معقدة، ولا يعرف الأطباء بشكل أكيد المسببات الحقيقية لها، ولكن من الممكن أن تحدث الإصابة نتيجة عدة عوامل متداخلة، منها عوامل شخصية، وعائلية، واجتماعية، ولتوضيح الصورة أكثر سنورد أهم هذه الأسباب:

1- القلق المستمر تجاه شكل الجسم: وهذا يفسر زيادة نسبة الإصابة بالمرض بين النساء، فالمريضة تكون في سعي دائم إلى تطبيق مقاييس الجمال عليها، والتي يكون مصدرها التصور الذي تنشره وسائل الإعلام لمعايير الجمال المثالي غير الواقعية.

2- انخفاض تقدير الذات: ينظر الأشخاص المصابون بالمرض إلى أنفسهم على أنهم عديمو الفائدة، ويفتقدون عوامل الجاذبية اللازمة للظهور بشكل لائق بين المجتمع، وهذا السبب له صلة وثيقة بالأسرة التي ينشأ فيها الفرد، والدور الذي تبذله في تعزيز ثقته بنفسه.

3- تغييرات محورية في الحياة الشخصية: في المرحلة السابقة للإصابة بالمرض يكون الشخص غالبًا قد تعرض لتغييرات مهمة في حياته، مثل: التغييرات الجسمانية في سن البلوغ، أو تفكك الأسرة، أو حدوث الطلاق.

المريض يحاول إخفاء الأعراض قدر الإمكان

البوليميا

في العادة لا يخبر مريض «البوليميا» الأشخاص المقربين منه بمرضه، أو حتى يسمح لأعراضه بالظهور أمامهم، وفي سبيل ذلك يقوم بالعديد من السلوكيات مثل: الذهاب إلى المطبخ ليلًا، وإخفاء أوعية الطعام الفارغة في القمامة، أو في مخابئ سرية في المطبخ، وأيضًا يقوم بتشغيل المياه في الحمام لإخفاء أصوات التقيؤ، ويحاول إخفاء رائحة الفم بعد القيء بمزيلات الرائحة.

ونظرًا لأن نوبات الإفراط في الأكل تكون متكررة، ويلتهم فيها المريض كمية كبيرة من الطعام خلال فترة زمنية قصيرة، تظهر عليه العديد من الأعراض الأخرى الواضحة، والتي يمكن ملاحظتها والتحقق من إصابته، وتنقسم هذه الأعراض إلى:

أعراض جسدية

1- مؤشرات على تكرار التقيؤ، ومن أبرزها ظهور ورم حول الفك، وتلف الأسنان، ورائحة النفس الكريهة.

2- الإحساس الدائم بالانتفاخ أو الإمساك، وعدم القدرة على تحمل وجود الطعام في المعدة.

3- تقلبات غير منطقية في الوزن.

4- غياب الدورة الشهرية عند النساء.

5- الإغماء المتكرر، والدوار.

6- الإحساس بالتعب، وعدم النوم جيدًا.

أعراض نفسية

1- الانشغال الدائم بشكل الجسم، ويكون ذلك بقياس الوزن على فترات متقاربة، والنظر إلى المرآة بشكل مفرط، بالإضافة إلى الرد بعنف على أي تعليق مرتبط بوزنه، أو جسمه.

2- الشعور بالخجل، والذنب بعد تناول الطعام.

3- تقلب المزاج بصورة مستمرة، وتفضيل العزلة معظم الوقت.

4- تعمد إيذاء الذات، والإفراط في استعمال الأدوية، ويصل الأمر أحيانًا إلى محاولة الانتحار.

خطورة المرض تصل إلى احتمالية الوفاة!

البوليميا

أسنان مريض «البوليميا»


قد لا يدرك مرضى «البوليميا» الخطورة المترتبة على إخفاء مرضهم، والاستمرار في السلوكيات المضرة التي يقومون بها، ومن أبرزها لجوء بعضهم إلى استخدام أدوية تساعد على التقيؤ بعد تناول الطعام، فالاستخدام المستمر لهذه الأدوية يؤدي إلى تراكم مكوناتها في الجسم، ثم حدوث سكتة قلبية مفاجئة، ولا يتوقف الأمر على تأثر القلب، بل يمتد إلى:

1- الجهاز الهضمي: يؤدي التقيؤ المتعمد إلى التسبب في مجموعة من الأضرار، والتي تبدأ من الفم، حيث يحتوي القيء على أحماض عالية تلحق الضرر بالأسنان؛ مما يؤدي لتآكل المينا، والإصابة بحساسية الأسنان، وأمراض اللثة، بالإضافة إلى انتفاخ الخدين أو الفكين، وتورم الغدد اللعابية.

والجزء الآخر الذي يتضرر من الجهاز الهضمي هو المريء، فيلتهب، أو يتمزق أحيانًا، ومن العلامات على تمزق المريء، وجود دم في القيء، كما تصبح المعدة في حالة تهيج دائمة، وتصاب بالحموضة المعوية الشائعة.

2- الدورة الدموية: يعد الجفاف نتيجة طبيعية للقيء المتكرر، والذي يؤدي بدوره إلى نتائج أخرى من أهمها جفاف الجلد، وضعف العضلات، والتعب الشديد، وفي كثير من الأحيان يحدث انخفاض في مستويات البوتاسيوم، والمغنيسيوم، والصوديوم، وهذا يجعل ضربات القلب غير منتظمة، ويضعف عضلة القلب، ويؤدي إلى فشل عملها، بالإضافة لحدوث تأثيرات أخرى، مثل انخفاض ضغط الدم، وضعف النبض.

ومن أخطر المضاعفات المتوقعة حدوث ارتفاع في مستوى الحمض الكتيوني؛ بسبب أن الجسم أصبح يحرق الدهون بدلًا من السكر والكربوهيدرات، مما يؤدي لحدوث غيبوبة مفاجئة، يليها وفاة المريض.

ما العلاقة بين «البوليميا» وبقية الأمراض النفسية؟

يصنف مرض «البوليميا» كاضطراب نفسي، ويكون لدى الأشخاص المصابين به خصائص نفسية تساهم في ظهور وتطور المرض، مثل شعورهم الدائم باحتقار الذات، أو صراعهم لإثبات الكمالية، بالإضافة لمعاناتهم من صعوبات في السيطرة على سلوكياتهم المتهورة، وإدارة المزاجية المتقلبة، أو التعبير عن الغضب.

وغالبًا ما تكون العائلة مشاركة في تضرر الحالة النفسية للمريض، بوجود الكثير من الصراعات في داخلها، وارتفاع معدلات إدمان الكحول عند الأب أو الأم، إلى جانب توجيه الانتقاد الدائم للأبناء، وإشعارهم بالتفاهة، وكراهية الذات.

ومن أهم سلوكيات المرض المتصلة بالأمراض النفسية، قيام المريض بالمراقبة المستمرة لوزنه، وبذله المزيد من الجهد لإخفاء آثار الطعام الذي تناوله، والأدوية المسهلة، وهذا يجعله في دوامة من التوتر والقلق، وتسيطر عليه مشاعر الخجل معظم الوقت.

وكثيرًا ما وجد الأطباء عند المصابين بـ«البوليميا» تاريخًا سابقًا من المرض النفسي، يتمثل في إصابتهم باضطرابات القلق، واضطرابات ما بعد الصدمة، والوسواس القهري، بالإضافة إلى قيامهم بمحاولات لإيذاء أنفسهم، وفي النهاية يكون معظمهم عرضة بنسبة كبيرة للوقوع في تعاطي المخدرات، أو أن يكونوا من ضحايا الانتحار.

العلاج يبدأ من الجذور

البوليميا

كلما بدأ المريض في العلاج مبكرًا كان ذلك أفضل بكثير، حيث سيسهل على نفسه عملية الشفاء، ويمنع تطور المشاكل الصحية الخطيرة التي أشرنا إليها، ويكون الدور الرئيسي في علاجه على الطبيب النفسي، والذي يستخدم معه أسلوب العلاج السلوكي.

ويحاول الطبيب أثناء الجلسات النفسية إرشاد المريض إلى كيفية تغيير شعوره ونظرته تجاه نفسه، وقد تظهر أثناء العلاج أمراض نفسية أخرى ساهمت في الإصابة بـ«البوليميا» مثل الاكتئاب، أو الوسواس القهري، وهنا يجب أن يتطور التعامل مع المرض ليكون أكثر شمولية.

ومن الإرشادات الضرورية أن يركز المريض خلال فترة العلاج على الخروج من الحلقة المفرغة التي يدور فيها، واستعادة النمط الطبيعي للأكل، بالابتعاد عن المواقف الصعبة التي يلجأ للتنفيس عن مشاعره السلبية تجاهها بالأكل الزائد، وأن يتعلم كيفية التعامل مع التوتر بطريقة صحية، بالإضافة إلى تجنب الربط بين تقدير الذات، وشكل الجسم.

عرض التعليقات
تحميل المزيد