الفرنسية لغة العشق أم التعذيب؟

في ساعات معدودة، بين يومي 14 و 15 من شهر يوليو (تموز) 2016، وقعت في مدينة نيس الفرنسية عملية إرهابية، حيث دعس سائق شاحنة مجموعة من الناس، كانوا يسيرون في شارع «متنزه الإنجليز»، وقتل وجرح العشرات. وعلى الجانب الشرقي من قارة أوروبا، كانت تركيا هي الأخرى على موعد مع محاولة انقلاب فاشلة، ضد حكومتها المنتخبة.

كلا البلدين استقبل حدثه، باعتباره تهديدًا لأسسه وقيمه العميقة؛ حيث استقبلت فرنسا الحدث باعتباره تهديدًا إرهابيًا لدولتها العلمانية، التي تحارب ما يسمى بـ«الإرهاب» في العالم، وكذلك استقبلت تركيا محاولة الانقلاب، باعتبارها تهديدًا لتجربتها الديمقراطية، وكلا البلدين ارتأى أن يواجه تلك التهديدات بكل حسم، وبالفعل اتخذت كل دولة إجراءات استثنائية من أجل ذلك؛ كان على رأسها إعلان حالة الطوارئ في تركيا، وتمديدها في فرنسا؛ حيث كان معمولًا بها من قبل.

استقبل العالم الغربي قرارات تركيا بالتوجس الكبير، وبتصدير الانتقادات والمخاوف، وبدأت الصحف تتحدث، عن أن تركيا سترتد عن نور القيم العلمانية الأوروبية، وتعود إلى ماضيها الاستبدادي الإسلامي الشرقي، في ظل ما يسميه «أردوغان» بإجراءات حماية الديمقراطية، ومنع تغول المؤسسة العسكرية مرة أخرى في السياسة، وعلى الناحية الأخرى كان الصمت يخيم على العالم الغربي، إزاء إجراءات فرنسا الاستثنائية، ولم تبدأ الصحافة الغربية في الانتقاد، إلا مع ظهور صورة لرجال من الشرطة الفرنسية في «نيس»، وهم يحررون غرامة على امرأة ترتدي «البوركيني»؛ لأنها «لم تكن ترتدي زيًا يحترم الأخلاقيات الحسنة والعلمانية»، بحسب نص إيصال الغرامة، أثناء جلوسها على الشاطئ.

الشرطة تحرر غرامة ضد مسلمة بسبب ملابسها، مصدر الصورة: «فيسبوك»

ربما يعود هذا الاختلاف في التعاطي بالأساس، إلى اللغة التي صدر بها الإعلان عن القرارات الاستثنائية في كلا البلدين.

لعلك تتعجب من ذلك، لكن هذه المقاربة ذات قدرة تفسيرية عالية. في الواقع ظلت اللغة الفرنسية، بالنسبة للغربيين، هي اللغة الأكثر تحضرًا، والأكثر قدرة على التعبير عن العشق والحب، والأفضل استخدامًا عند ممارسة الجنس، بالتالي فإن وقع استخدام تلك اللغة في إعلان قرارات استثنائية، قد تتعارض مع الديمقراطية والليبرالية، سيكون مقبولًا للسماع عند الغربيين، أكثر بكثير من أن تعلن مثل تلك القرارات، على ألسنة تركية، وبلغة محفورة في الذهن، باعتبارها لغة أعداء القرون الوسطى؛ لغة تنتمي للعالم الإسلامي المخيف و«الهمجي»، كما تَمثل بشكل نمطي في الذهن الغربي.

جدير بالذكر هنا، أن اللغة الفرنسية لم ترتبط في الأذهان بآسيا وإفريقيا، حيث المستعمرات الفرنسية بالقرن العشرين، بالعشق والجنس والتحضر، بقدر ما ارتبطت بالتعذيب الوحشي. في الهند الصينية، كان المستعمرون الفرنسيون يستعملون لغتهم الفرنسية، أثناء ممارسة أقسى وأعنف عمليات التعذيب، مثل استخدام الكهرباء، والضرب بالعصا على باطن القدم، وتثبيت الكماشات على جانبي الجمجمة لإخراج العيون من أماكنها، وملء الجروح بالقطن، ومن ثم إشعال النار في القطن، والشنق النصفي، ودق المسامير تحت الأظافر، وفي الجزائر قامت القوات الفرنسية في القرن التاسع عشر بحرق الثوار الجزائريين في الكهوف، وباغتصاب نسائهم، وفي مدغشقر كانت الطائرات الفرنسية، تلقي بالثوار في وسط البحر، وهو ما بينه بالتفصيل أستاذ السياسة والفكر العربي الحديث في جامعة كولومبيا، «جوزيف مسعد»، في ورقة له بعنوان «دمج مسلمي فرنسا».

وعلى الجانب الآخر، كانت تلك اللغة الفرنسية تستخدم في المدارس بمستعمرات فرنسا في إفريقيا وآسيا، لفصل الأفارقة والآسيويين عن أصولهم، وإعادة تأهيلهم مرة أخرى حسب المنظور الاستعماري، بتعليمهم أن أجدادهم كانوا من «الغال»، والغال هم الشعب الأصلي للفرنسيين.

في الواقع، وبالرغم من أن البوركيني لا يتناسب فقط مع استخدام بعض النساء المسلمات، وإنما يتناسب أيضًا مع المصابات بسرطان الجلد، والأمهات الجدد اللواتي لا يردن ارتداء «البكيني»، لكن البلديات الفرنسية اعتبرت في هذا اللباس رمزًا للإرهاب، عليها أن تحاربه؛ لتحمي تحضر وعلمانية فرنسا، وهو ما عبر عنه المسؤولون الفرنسيون في العديد من التصريحات، حتى إنه بعد قرار مجلس الدولة – أعلى سلطة قضائية في فرنسا – بعدم قانونية الحظر الذي فرضته تلك البلديات على ارتداء النسوة للـبوركيني، بدا أن العديد من تلك البلديات تنوي تحدي قرار المحكمة، كما أن الاتجاه يميل بين اليمينيين في فرنسا، إلى التقدم بمشروع قانون لحظر البوركيني.

بالرغم من أن المسؤولين الفرنسيين، يعلمون كون منفذي العمليات الإرهابية ببلادهم طوال السنوات الماضية، هم من الأصوليين الذين يعتقدون على الأرجح أن البوركيني حرام شرعًا، وأنه لا يجوز للمرأة أن تسبح أمام الرجال بأي زي، بالتالي فإن محاربة هذا الزي لا تمثل خطوة واقعية في محاربة الإرهاب، وبالرغم من أنهم يعلمون جيدًا أنه لو تم حرق كل المظاهر والرموز التي ترتبط بالمسلمين في فرنسا، لن يحمي هذا البلاد من الإرهاب، وإنما قد يؤججه أكثر وأكثر، لكن النخبة اليمينية الفرنسية، والمسؤولين الفرنسيين، قد اعتبروا في البوركيني عدوًا ينبغي محاربته؛ لاستعادة روح فرنسا العلمانية الوطنية النابضة بالحياة والعشق.

بعد نشر صور تعرض الشرطة للنساء المسلمات على الشواطئ في فرنسا، بدأت الصحافة الغربية بالقول، في الأيام الأخيرة، إن القرارات الفرنسية، تبتعد تمامًا عن روح الحرية والعلمانية وحقوق المرأة والأقليات. لكن يبقى السؤال، ماذا لو أن تركيا قد منعت في أعقاب محاولة الانقلاب العسكري بها، البكيني من شواطئها، أو أجبرت النساء على ارتداء الحجاب الإسلامي في الأماكن العامة، تحت ذريعة استعادة الماضي التركي، ومحاربة القيم العلمانية التي تفرضها المؤسسات العميقة، المهددة لتجربة الانتخاب الحر في البلاد؟

فرنسا تتعرف على ذاتها من خلال البوركيني!

يرى اليمينيون في فرنسا، وعلى رأسهم الرئيس الفرنسي السابق، الذي أعرب عن نيته في الترشح لانتخابات الرئاسة عام 2017، «نيكولا ساركوزي»، أن ارتداء البوركيني عمل سياسي، يدعم التطرف. ربما يندهش البعض حين يسمع ذلك، ويرى كيف تقف دولة عظمى مثل فرنسا، لتحارب لباس بحر، وتعتبره مهددًا لهويتها.

في الواقع ليس غريبًا أن ترى دولة مثل فرنسا، في رمز يرتبط بالطائفة المسلمة في بلادها، شبحًا يطارد هويتها، بل أداة جيدة أيضًا، للتعرف على ذاتها الأوروبية من جديد.

صورة لامرأة ترتدي البوركيني وتستمتع بالبحر، مصدر الصورة : express.co.uk))

في كتابه الإسلام وخلق الهوية الأوروبية، شرح «توماش ماستناك»، كيف أن الإسلام كان أساسيًا بالنسبة لتشكيل الهوية الأوروبية، وأنه ما يزال كذلك بالنسبة للحفاظ عليها، وأن تشكيل أوروبا كجماعة سياسية، لم يحدث إلا مع الحروب الصليبية ضد المسلمين، باعتبارها تجربة تكوينية حاسمة لما سوف يصبح أوروبا، وأن هذه الحروب الصليبية، كان لها عظيم الأثر على الأفكار والمؤسسات الغربية.

يذهب توماش إلى أن الحروب الصليبية، مثلت الاتحاد الغربي الأول، وأن الحرب ضد المسلمين، كانت مخرجًا للعنف، الذي كان من شأنه، لولا ذلك أن يجتاح الجماعة المسيحية وأوروبا، ومن ثم فقد جرى تصور السلم الأوروبي، على أنه غير ممكن، إلا بالارتباط بحرب ضد أعداء الصليب من المسلمين آنذاك.

بهذا يُفهم لحدود بعيدة، كيف تكون الحرب على رداء، ارتبط في ظروف معينة بالمسلمين، حتى لو كان لباس بحر، مثل البوركيني، هي مفيدة لإعادة تعرف فرنسا وعلمانيتها على نفسها؛ تلك العلمانية التي يرى العديد من المفكرين أنها علمانية مسيحية، حيث تتوافق التشريعات العلمانية الفرنسية مع قانون الزواج الأحادي الكاثوليكي الأصل، وتفرضه كنمط أوحد للزواج، وتمنع تمامًا تلك التشريعات «العلمانية» تعدد الزوجات اليهودي والإسلامي. وتأتي تلك الحرب لإعادة التعرف على الذات، في ظل إصرار ـ يراه المراقبون ـ على عدم التمييز بين الإسلام والإسلام «الراديكالي»، لا على المستوى الشعبي ولا على مستوى النخبة في البلاد.

بحسب الموقع الرسمي للدبلوماسية الفرنسية، تعرف فرنسا مبادئها العلمانية على النحو التالي: «تنبع العلمانية من فصل الدين عن الدولة، أي أن الدولة حياديّة إزاء الدين، ويُحظر عليها أي تدخل في شؤون الأديان المختلفة الموجودة في فرنسا. وعملًا بالمثل لا يجوز للانتماء الديني الخاص بالموظفين أو المواطنين المنتفعين بالخدمات العامّة، أن يؤثّر في سير الخدمات العامة. ومع ذلك، لا تعني العلمانية إنكار الديانات؛ فالعلمانية ليست خيارًا روحانيًا خاصًا، بل هي الشرط لوجود جميع الخيارات بحد ذاته. العلمانية إذن هي مبدأ من مبادئ الحرية، وهي تتيح احترام الخيارات الشخصية في أعمق القضايا، في مجتمع منفتح. تتمتع جميع الديانات بحرية التعبير. ولا تفضّل الدولة دينًا على آخر. وتنطوي العلمانية على إبداء السلطات العامة القدر نفسه من العناية إزاء مختلف الديانات».

وبالرغم ما تقوله فرنسا عن علمانيتها رسميًا، من أنها تتيح احترام الخيارات الشخصية في أعمق القضايا، في مجتمع منفتح، تتمتع جميع الديانات فيه بحرية التعبير، ولا تفضّل الدولة دينًا على آخر، لكنها الآن تقف لتحارب شبحًا، اسمه البوركيني، ارتبط بالمسلمات، ترى أنه المهدد لقيمها العلمانية وروحها الوطنية.

في الواقع، تبلورت العلمانية في فرنسا، يدًا بيد مع تبلور المعاداة للملكية المطلقة والأرستقراطية الإقطاعية، ففي البداية كانت العلمانية الفرنسية، ذات مضمون اجتماعي اقتصادي، يصب في مصلحة طبقات أضعف وأوسع نطاقًا، وكان الفيلسوف الفرنسي المادي «ديدرو»، يدعو بوضوح إلى «خنق آخر ملك بأحشاء آخر قسيس»، وكانت فرنسا هي الدولة الأولى في أوروبا التي صرحت بطبيعتها العلمانية في دستورها، بينما يشير القانون الأساسي في ألمانيا إلى الرب، والدستور الأيرلندي إلى الثالوث المقدس، وقد وجدت فرنسا منذ ثورتها، أن روح الدين تتناقض مع روح الحرية، بعكس النظرة التي سادت في أمريكا مثلًا؛ حيث ارتبطت الكنيسة بالمجتمع، ولم يكن ينظر إلى الدين باعتباره مهددًا للحرية، بالتالي كانت العلمانية الفرنسية في البداية، ثورة ذات مضمون اقتصادي اجتماعي.

لكن الأمر اختلف في الحرب على البوركيني هذه المرة؛ حيث لم يعد التأكيد على علمانية الدولة مرتبطًا بمضمون اقتصادي اجتماعي، فهو محاولة لاستنهاض الطبقات الشعبية، دون أي وعد اجتماعي أو اقتصادي، تحت راية استعادة روح فرنسا العلمانية، في مواجهة جيل ثان وثالث ورابع من المهاجرين المسلمين؛ أجيال عاشت نسبة كبيرة منها في مناطق محرومة داخل فرنسا، ولم تعهد غيرها، ويعتبر الحجاب، والرموز الإسلامية، والممارسات الأصولية، وسيلة لتعبير تلك الأجيال عن ذواتها، ولتأكيد هويتها المختلفة، بحسب تقرير قديم لـ«بي بي سي»، نُشر في عام 2003، قبل أن تتفجر كل الأزمات التي تفجرت بعد ذلك.

بحسب المفكر الجزائري الفرنسي «محمد أركون» فإن «العلمانوية والأصولية تتشاركان في المثلث الانثربولوجي (العنف، والتقديس، والحقيقة) بقوة، وأن هذا يؤدي إلى عملية توضع فيها الشعوب في مواجهة الشعوب، والحضارات والثقافات بإزاء بعضها البعض في الصدام والمواجهة، وستكون نهاية التاريخ لحضارات وأمم، لكنها غير متعينة وغير محددة، وهو ما يرشح عن هذا التطرف والجهل العلمانوي والأصولي».

«الكوميديا».. البوركيني هو المنتصر الوحيد

تقول المصممة الأسترالية، التي اخترعت البوركيني، «عايدة زناتي»، بأنها حين اخترعته في 2004، كان دافعها هو إعطاء المرأة حريتها، وليس تجريدها منها، وأن البوركيني لا يرمز للإسلام، بقدر ما يرمز للترفيه والسعادة والصحة والرياضة واللياقة.

صورة عايدة زناتي، مصممة البوركيني، مصدر الصورة: ( العربية).

ترى عاهدة أن هذا اللباس الذي صممته، ساهم في تحرير المرأة، وأنها تستعجب ممن يريدون حرمانها من تلك الحرية الآن، وتتساءل مستنكرة أيهما الأفضل إذن في هذه المعادلة: حركة طالبان أم السياسيون الفرنسيون؟

والواقع أن البوركيني منذ تم حظره على الشواطئ الفرنسية، زادت مبيعاته على الإنترنت بنسبة تعدت الـ200%، والأغرب من ذلك أن من تطلبن شرائه الكثير منهن غير مسلمات، وبهذا فإنه في إطار محاولة فرنسا لاستعادة روحها الوطنية، في ظل أزمة مالية تضرب أوروبا والعالم، وأزمة في النظام الاقتصادي العالمي، يتبعها زلازل اجتماعية عنيفة، كان البوركيني هو الرابح الأكبر.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد