هل تصبح قرحة بورولي الوباء القادم الذي تشهده البشرية؟

امتد الاستعمار البريطاني في أفريقيا إلى دولة أوغندا عام 1894، وبعد ثلاث سنوات فقط؛ أي في عام 1897، اكتشف البريطانيون مرضًا جلديًّا غريبًا ينتشر في المجتمع الأوغندي يسبب قرحًا خطيرة وجروحًا شكلها لم يكن اعتياديًّا آنذاك، وكانت تلك الجروح تتخطى الجلد وتمتد إلى العظام في بعض الحالات مُسببة لشلل تام في الجزء المُصاب.

لم ينتبه المُستعمر البريطاني للظاهرة المرضية الغريبة، وعزي المرض الجلدي إلى حالة الفقر ونقص الرعاية الصحية التي كانت تعاني منها دولة أوغندا مثل أي دولة أفريقية أخرى في ذلك الوقت.

في أبريل( نيسان) عام 2020 الماضي، وفي الوقت الذي كانت جائحة كورونا تسيطر على المجال الصحي في العالم؛ ذهب أحد المواطنين الأستراليين إلى مستشفى في مدينة ميلبورن الأسترالية من أجل الحصول على فحص طبي لقرحة مؤلمة ظهرت على كاحله.

تعامل الأطباء مع الحالة على أنها نوع عادي من أنواع تهيج أو التهاب الجلد، وحصل المريض على علاج بناء على هذا التشخيص المبدئي؛ لكن حالته لم تتحسن وازدادت القرحة في التوسع العميق داخل الجلد، حتى شكلت فتحة عميقة بحجم «كرة تنس الطاولة»، حينها أدرك الأطباء أن التشخيص المُناسب هو مرض «قرحة بورولي»!

ماذا نعرف عن قرحة بورولي؟

قرحة بورولي، والتي يصنفها الأطباء بـ«القرحة العنيفة»؛ هي مرض مزمن يصيب الجلد وفي بعض الحالات تصل الإصابة للعظام، وفي حالة تطور المرض قد يؤدي إلى تشوه دائم في الجلد والعظام يتطلب تدخلًا جراحيًّا مُعقدًا. وفي بعض الحالات المتقدمة لا تنفع العلاجات ولا العمليات الجراحية، ويصاب المريض بشلل تام في الجزء المُصاب بالمرض.

شكل تقريبي لقرح بورولي

غالبًا ما تبدأ قرحة بورولي على شكل تورم غير مؤلم، أو تصلب جلدي كبير غير مؤلم على الطبقة السطحية من الجلد، وتنتشر  التورمات على الساقين أو الذراعين أو الوجه، وما يزيد الأمر سوءًا؛ هو أن التورمات تزداد في التوسع دون أن يشعر المريض بأي نوع من الآلام التي قد تنبه بحدوث مشكلة حتى تأكل التورمات والقرح مساحة كبيرة من الجلد إلى حد يصعب تجاهله، ولكن كل يوم يتطور فيه المرض؛ تقل فيه فرص نجاح العلاج.

دائمًا وأبدًا ما يرتبط المرض بمسبب له، أو ما يطلق عليه «مُمرض أو (Pathogen)»، الكائن المُسبب لقرحة بورولي هو بكتيريا من عائلة «البكتيريا المُتفطرة (Mycobacterium)» والتي تسبب أمراضًا جلدية أخرى للإنسان مثل الجُزام والسل، وتصيب الجلد عن طريق إفراز سموم كيميائية تسبب قرحًا تقترح الجلد وتصل إلى العظام؛ فضلًا على أنها تسبب تثبيطًا للجهاز المناعي، وهذا يفسر حالة انتشار قرحة بورولي دون مقاومة جسم الإنسان لها.

تنشيط البكتيريا المُتفطرة في درجات الحرارة العالية نسبيًّا التي تتراوح بين 29-39 درجة مئوية؛ ولهذا تنتشر حالات المرض في أستراليا وفي حوالي 33 منطقة إستوائية وغير استوائية في العالم تصل فيها درجة الحرارة إلى هذه الدرجة.

بالوصول لهذه النقطة؛ نجد أنفسنا أمام سؤال مهم؛ «كيف تنتقل البكتيريا المُتفطرة للإنسان؟»، في الحقيقة؛ لم يصل العلماء إلى إجابة حاسمة لهذا السؤال حتى الآن؛ ولكن النتيجة المبدئية للأبحاث العلمية تشير إلى فرضية غير مؤكدة (Hypnosis)؛ تفيد بأن  البكتيريا في الأساس تُصيب حيوان البوسوم (حيوان قارض) ثم تتكاثر تكاثرًا ضحمًا إلى حد يمكن وصفه بـ«النمو الآسي» الذي ينتج منه ملايين من البكتيريا المُتفطرة.

بعد ذلك تخرج البكتيريا إلى البيئة المُحيطة مع فضلات حيوان البوسوم، وهنا يظهر كائن آخر، وهو الناموس الذي يحمل البكتيريا بداخله التي تنمو بداخله أيضًا في شكل آسي، وعندما تقف الناموسة على جلد الإنسان، تتسلل إليه البكتيريا المُتفطرة مُحدثة الإصابة بالمرض.

Embed from Getty Images

حيوان البوسوم

ولكن هذه الفرضية ما تزال فقط فرضية لم تتحول إلى نظرية عملية مُثبتة، يدعمها دليل واحد فقط؛ هو وجود البكتيريا بشكل مُكثف في فضلات حيوان البوسوم. وبمتابعة قصة المريض الأسترالي؛ فقد أشارت التقارير إلى أنه قبل أن يصاب بالمرض ببضعة أيام، كان يقص مجموعة من الأشجار يسكنها عدد كبير من حيوان البوسوم؛ مما قد يجعل فرضية انتقال العدوى للإنسان من حيوان البوسوم، مقبولة إلى حد ما.

وبالحديث عن العلاج، لا يوجد لقاح لوقف انتشار العدوى أو علاج  للقضاء على المرض، بل كما هو الحال مع علاج فيروس كورونا المُستجد؛ فيستخدم الأطباء مجموعة من المضادات الحيوية المُثبطة للبكتيريا التي تُصيب الإنسان؛ وبالأخص بالبكتيريا المُتفطرة. والتركيبة السائدة في العالم حاليًا للقضاء على قرح بورولي؛ هي تناول خليط من عقار الريفامبيسين (10 مجم/كجم مرة واحدة يوميًّا)، وعقار كلاريثروميسين (7.5 مجم/كجم مرتين يوميًّا).

ما حجم مرض قرحة بورولي في العالم؟

يُصنف مرض قرحة بورولي من ضمن الأمراض الاستوائية المهملة التي لا تعيرها منظمات الصحة والطب العالمية الانتباه المطلوب لمواجهتها؛ لذلك نجد أن الحديث عن أسباب العدوى ما يزال مبنيًّا على فرضيات غير مثبتة علميًّا بشكل كافٍ.

ولكن هناك حقيقة علمية وبحثية مؤكدة عن المرض؛ ألا وهي أن المرض لم يظهر في القرن 19 في أوغندا ثم اختفى، وعاد للظهور مرة أخرى في أستراليا العام الماضي، بكل تأكيد لا؛ فكل عام يُصاب حوالي 3 آلاف شخص حول العالم بقرحة بورولي.

صحة

منذ 5 شهور
ظهر في أمريكا وتسببه قرصة ناموسة.. ما هو «التهاب الدماغ الخيلي الشرقي» المميت؟

وبالنظر إلى أرقام العقد الماضي؛ نجد أن العدد السنوي لحالات قرحة بورولي التي أُبلغ عنها عالميًّا حوالي 5 آلاف حالة حتى عام 2010 ثم أخذ تعداد الحالات منحنى منخفضًا حتى عام 2016؛ ووصل إلى أقل عدد حالات سجلت منذ عقود؛ قدرت بـ1961 حالة مؤكدة، ومنذ ذلك الحين، بدأ عدد الحالات في الارتفاع مرة أخرى كل عام، ليصل إلى 2713 حالة في عام 2018. ومن الجدير بالذكر أن أسباب الانخفاض والزيادة الأخيرة غير واضحة علميًّا حتى الآن.

في أستراليا  وتحديدًا في ولاية فيكتوريا التابعة لها مدينة ملبورن المعروفة بمناخها الاستوائي في فصل الصيف، في جميع أنحاء الولاية؛ ازدادت الحالات أكثر من ثلاثة أضعاف في السنوات الأخيرة؛ ففي عام 2014 أبلغ الأطباء عن 65 حالة؛ في عام 2019، كان هناك 299 حالة، بينما شهد العام الماضي 218 حالة، وكما أنهينا الحديث عن الكثير من حقائق هذا المرض، فيجب القول بأنه حتى الآن لا يوجد رأي علمي واضح عن انتشار سريع للمرض قد يصل إلى درجة الوباء في أستراليا ثم العالم، كما هو الوضع مع وباء فيروس كورونا المُستجد.

المصادر

تحميل المزيد