للمحاربين في التراث الياباني دورٌ فعّال في تكوين الهوية وتشكيل الحضارة، وعلى مرّ عصور وأزمان اليابان القديم التي اختلفت وتعددت فيها الأسر والأنظمة، كان لحملة السّيف تأثير كبير، وفي بعض الأحيان كانت لهم القيادة الأولى والسلطة الفاعلة.

وإن كانت اليابان اليوم تعني التقدم التكنولوجي، فقد كانت تعني قديمًا المُحاربين وفنون القتال القديمة، وكذا الالتزام الشديد الذي ساهمت طبقة المُحاربين على مرّ العصور في خطّ أُطره عبر المواثيق التي حكمت التزامهم ومنظومة أخلاقهم التي طبعت على الثقافة اليابانية.

وكانت من جُملة طبقات المُحاربين، ما عُرفت بطبقة الساموراي، آخر حملة السيوف في اليابان، وأقوى مُحاربيها وأكثرهم مُحافظةً والتزامًا، وأشدهم تأثيرًا.

مُختصر حكاية «السيف الياباني».. النينجا والساموراي نموذجًا

منذ أمد بعيد اعتمدت طبقة النُبلاء في اليابان (أو من كانوا يُعرفون بالأوصياء على الحكم لتركز السُلطة الفعلية في يدهم) على المُحاربين للحفاظ على استقرار قُوّتهم في مُقابل غيرهم، بسبب الصراعات الدائمة والمُستمرة على السلطة.

بمرور الوقت، باتت للمحاربين امتيازاتهم الخاصة التي عضدت من نفوذهم، وبحكم قوتهم المتمثلة في احتكارهم لأدوات العنف، أو السلاح، انتقلت السُلطة الفعلية من طبقة النُبلاء إلى ما بات يعرف بطبقة المحاربين أو العسكريين، وأصبح هُناك الحاكم العسكري لليابان الذي عادة ما كان ينتقل للعاصمة للحصول على المُباركة والدعم الشرفي من الإمبراطور، وهي الفترة التي عُرفت بحكم الشوجونات والممتدة تقريبًا من بدايات القرن 12 إلى بداية عصر اليابان الحديث أو نهايات القرن 19. وقد مثّل الشوجونات أيضًا الإقطاعيين الجدد، فضلًا عن كونهم النُبلاء العسكريين الحاكمين لليابان.

أوّل شوجون/ حاكم عسكري في اليابان


في خضم ذلك، ظهرت جماعات أُخرى من المُحاربين في مُقابل طبقة المُحاربين الرسمية؛ امتهنت تلك الجماعات القتال المأجور، طوّرت من أساليبها القتالية، فاستخدمت حروب العصابات وعمليات التجسس، وقتال الليل، والاغتيالات السرية، تلك الجماعات عُرفت لاحقًا بمقاتلي النينجا.

النينجا هُم مُقابل الساموراي، فالساموراي أنِفوا أساليب النينجا القتالية، وعلى رأسها الاستئجار للقتال أو السرقة وقطع الطرق، كان الساموراي يُقاتلون وفقًا لمبادئ وثيقة نظّمت نمط حياتهم كُله.

وكان المُتصارعون داخل الإمبراطورية اليابانية يعمدون إلى استخدام النينجا لتتمة المهام “غير المُشرفة”، على اعتبار العيب الاجتماعي الذي سينال من المُحارب الياباني التقليدي، والذي يمنعه الخوض في مثل هذه الأعمال.

وعلى الرّغم منذ لك، فقد ساهم النينجا في تأسيس فن قتالي مُستقل، ومتطور باستمرار، كما أنّ في فترات سيطرتهم على مناطق باليابان، ساهموا في التأثير الثقافي الممتد من نمط عملهم أو مهنتهم. كما أنّ بعض مُقاتلي النينجا وصل بالنفوذ إلى اعتلاء مناصب عُليا في مُؤسسة الحُكم العسكرية الرسمية.

في المُقابل، ثمّة قصة غير رسمية للنينجا، تجعلهم في مصاف الأبطال الذين خدموا الطبقات الأدنى من الشعب الياباني، وعبّروا عن رفضهم للسلطة المُطلقة في يد النُبلاء؛ أي أنّهم كانوا بمثابة رد الفعل على تسلط الحكام عليهم عبر الضرائب المُنهكة، أو التهميش. حكاية أُخرى تذهب إلى أنّ جماعات النينجا ليسوا إلا ساموراي مطرودين من الخدمة أو من “شرف” الساموراي، عمدوا إلى تنظيم أنفسهم في جماعات سرية مُقاتلة للحفاظ على وجودهم، وتوسعوا بمرور الوقت ليكوّنوا مجموعات بشرية كبيرة؛ منهم من خرج عن تقاليد النينجا و”أساء لها” بتأجير نفسه للأعمال “غير الشريفة”.

لوحة تُصوّر مُقاتل نينجا، من عام 1817


أمّا بالنسبة للساموراي، فقد تأخر ظهورهم على بداية عهد الشوجونات، أو طبقة الحُكام العسكريين. وبدأ ظهورهم تحديدًا مع القرن السابع عشر، كموظفي أمن داخلي يأتمرون لقادة عسكريين من الشوجونات الحُكام. ويُعد الساموراي الورثة الشرعيين للبوشي، وهم طبقة المُحاربين السابقين على الساموراي والذين كوّنوا حُكم الشوجونات.

بمرور الوقت، أصبح للساموراي دور أكبر داخل الإمبراطورية التي ماجت بالصراعات بين العشائر المُختلفة، التي انقسمت البلاد فيما بينها لنمط أقرب إلى الدويلات أو المناطق ذاتية الحُكم، تحكم محاربو الساموراي فيها على رأس عشائرهم التي انتصروا لها. تلك الفترة التي بدأت مع بداية القرن السابع عشر وحتى منتصف القرن التاسع عشر، عُرفت بفترة إيدو؛ تلك الفترة عرفت فيها اليابان نظام الطبقات الاجتماعية بشكل أكثر وضوحًا، كجزء من التطور الذي طال المجتمع الياباني على كافة المُستويات.

خلال تلك الفترة أيضًا امتاز الساموراي عن غيرهم باعتبارهم على رأس طبقات المجتمع الياباني، والمُحتكرين الوحيدين للعنف/ السلاح. لكنّها مع ذلك شهدت دخول نظام أخلاقي ومبادئي صارم حاكم لطبقة المُحاربين النبيلة التي مثلها الساموراي، الذين تركوا أثرًا بائنًا في اليابان حتى اليوم، مُتمثلًا كما في العُمران، في المنظومة الأخلاقية.

الحكيم كونفوشيوس.. فيلسوف الصين وضواحيها

بالجملة، يُعد كونفوشيوس حكيم آسيا الأوّل، لقدمه وأثره الممتد على مر قرونٍ طويلة. كونفوشيوس الذي وُلد بحسب التقديرات في منتصف القرن السادس قبل الميلاد، كان كفيلسوف أخلاقي التزمت أمم وشعوب كاملة بتعاليمه لقرون عديدة، رُغم المعارضة الشديدة التي لقيها في البداية.

لم يدعُ كونفوشيوس، الذي ولد في الصين، إلى دين جديد، ولم تتخذ أفكاره وحكمه منحى كهذا كما حدث مع بوذا مثلًا، لكنّه في المُقابل اقترب من العقل والعلم، وهما أمران ثبّتا تاريخه فبات معلومًا بلا كثير تحريف أو تخريف. كذلك ورُغم حديثه المُتكرر عن علاقة تربطه بالسماء، إلّا أنّه لم يُتخذ إلهًا أو نبيًا على مستوى واسع، فيما اتخذ في المُقابل مُعلّمًا ومُبشّرًا أخلاقيًّا. وُينوّه إلى أنّ حديثه المُرتبط بالسماء أو الإله، كان قريبًا من اعتباره نفسه –على خجل- كوليّ صالح بالتعبير الإسلامي. وعلى هذا مثلًا، نجد أنه قد قسّم الناس في طريق العرفان إلى أربعة أقسام، أعلاها من وُهبَ الإلهام الإلهي والمعرفة السماوية. ومع ذلك فلم يتطرّق في مسامراته مع مريديه وتلامذته إلى كونه نبيًا أو رسولاً بديانة ما أو كتاب سماويّ ما.

على الرغم من ذلك، وفي أزمنة مُتأخرة، وصل الاهتمام به من قبل الصينيين إلى حد تقديسه شخصيًا. ولم تخل جماعات مريديه أو المُؤمنين بتعاليمه في وقت مُتأخر، ممن جعله في مصاف الآلهة، على الأقل بالأساطير التي حيكت حوله، أو الطقوس التي جُعلت إحياءً لذكراه. لكن بالجُملة، يُمكن القول إنّها لم تتفحّل في الانتشار والتوسع.

التف الناس حول كونفوشيوس في حياته. كان مُنذ سنّ مبكرة يُعلم التاريخ والآداب والأخلاق الاجتماعية والسياسية. لكن التفاف النّاس لم يكن كما توقّع هو شخصيًا، فضلًا عن مُحاربة الحُكام له، والتي اشتدت بُعيد وفاته لفترة من الزمن، ألحقتها موجة لإحياء تُراثه، الذي قام على عدة مبادئ وأركان أساسية مثلت فلسفته في الحياة.

وتضمّنت فلسفته جانبًا مُتعلقًا بعلاقة الساسة بالشعب، إذ اعتبر أنّ دور الُحكام يتمثل في خدمة الشعب، وأنّ على الحكام أن يكونوا مثالًا للشعوب في الأخلاق والقيم والمُثل التي حدد هو بنفسه جُزءًا كبيرًا منها.

لوحة للحكيم كونفوشيوس


بالإضافة لذلك، اعتبر كونفوشيوس أنّ السياسة في حد ذاتها لا تتعلق فقط بالعلاقة بين الحاكم والمحكوم على مُستوى الملوك/ القادة والشعوب، ولكنّها “سياسة” الأمر بين كل فردين أو أكثر بينهما علاقة من الحُكم، كما بين الوالد وولده، والزوج وزوجه، وهكذا. على جانب آخر، اهتمّ كونفوشيوس بالتعليم والتثقيف على المُستوى الفردي. لقد كان مع قُرب أفكاره إلى الاجتماع، مُهتمّا بالفرد كنواة للمجتمع، مع صورةٍ مثالية لدوره الذي يبدأ من نفسه وينتهي للمُجتمع.

وعلى كُل حال، فإنّ جملة تعاليم وفلسفة كونفوشيوس، سادت الصين لفترة طويلة من الزّمن، وحتى الآن لا يزال له أثر عميق في الثقافة الصينية وتقاليد وعادات الشعب الصيني. وأيضًا امتدّ أثره إلى دول الجوار بالنسبة للصين، أو ما أسميناها بـ”ضواحيها”، والتي من بينها اليابان التي ساهم كونفوشيوس في تطويع سيفها!

«بوشيدو».. كيف ساهم كونفوشيوس في تطويع السيف الياباني؟

الترجمة الحرفية المُقابلة للفظة بوشيدو في العربية هي “طريق المُحارب”. وكنظام، فبوشيدو بمثابة ميثاق شرف للمحاربين اليابانيين، تصادف أنّ تدوينها تقاطع زمنيًا مع صعود الساموراي كطبقة النبلاء العسكريين الجديدة.

وشكّلت بوشيدو نظام حياة مُحارب الساموراي، فهي بمثابة أيديولوجية كاملة ودقيقة تعبر من نمط عمله إلى أسلوب حياته، لتجعله مزيجًا من قيم كالولاء والصدق والشجاعة والتضحية بالنفس، فضلًا عن مفهوم “شرف الموت” الذي حدا بالساموراي اتخاذ الانتحار كوسيلة لإنهاء الحياة حال الهزيمة الحربية بدلًا من أن يكون ضحيّة للعدو، أو الانتحار كوسيلة لتبرأة شرف المُحارب من أي فعل لوّثه وعلى رأس ذلك فقد ثقة الإمبراطور.

أمّا الأصول العملية لبوشيدو فتعود لزمن أقدم من زمن بروز الساموراي، تحديدًا الفترة التي شهدت اليابان فيها تعدد مراكز الحكم على شكل دويلات ذاتية الحُكم على رأسها عسكريون. فهذه الفترة كانت من أشد فترات اليابان التاريخية دمويةً، ما دفع القادة إلى مُحاولة ضبط وتنظيم المُحاربين عبر قانون أخلاقي كامل، كان يتم تناقله شفويًا، قبل أن يُدوّن أخيرًا في القرن السابع عشر على يد ساموراي يُدعى “ياماجا سوكو”.

لوحة تُصوّر الساموراي


وتستمد بوشيدو أُسسها بصورة أساسية من تعاليم كونفوشيوس، إذ إنّها صوّرت الرجل الفاضل أو الإنسان الكامل، وفقًا لتصور كونفوشيوس له، ثُم انطلقت للحث على أن يُصبح الساموراي مثال الإنسان الكامل، باتباعه التعاليم والقواعد التي يتحقق بها كماله.

ويُشار إلى أنّ دور بوشيدو تجاوز الفترة التي سيطر وحكم فيها الساموراي، إلى الفترة التي تنقلوا فيها لأعمال أُخرى، مع بدايات القرن العشرين وعمليات التحديث المُصاحبة لانفتاح اليابان على العالم. في تلك الفترة التي انتهى فيها التقسيم الطبقي للمجتمع، وانتهت فيها مكانة الساموراي كنُبلاء مُحاربين، كانت بوشيدو الداعم المعنوي الأوّل للساموراي، وكذلك اللجام الكابح لجماح الجماعة المُسلحة الأكبر والأكثر تنظيمًا في اليابان.

وعلى الجانب الآخر، كانت بوشيدو مُساهمة في انقراض الساموراي والانتهاء منهم تمامًا، إذ إنّ “أخلاق” الساموراي الممتدة منها، أبت الانخراط في عملية تحديث اليابان التي طالت العلاقات الاجتماعية، كما طالت السلاح، إذ بقي الساموراي مُنعزلين مُتمسكين بسيوفهم في مُقابل الأسلحة النارية. وبهذا، كان لكونفوشيوس الحكيم، دورٌ في تطويع السيف الياباني منذ البدايات وحتى النهايات.

اقرأ أيضًا: أين ذهب السُكّان الأصليون لليابان؟

اقرأ أيضًا: الصعيدي الذي كاد أن يتسبب في إسلام إمبراطور اليابان!

عرض التعليقات
تحميل المزيد