دائمًا ما تُشجَّع الأمهات على الاعتماد على الرضاعة الطبيعية، وينتشر انطباعٌ بأن الأمهات اللواتي لا يرضعن أطفالهن طبيعيًّا أمهات سيئات. وعليه؛ ارتفعت معدلات الإرضاع الطبيعي في أمريكا من 24% إلى 79% بين عامي (1971-2011)، لكن ما لا يُعرف حقًّا هو أن هناك بيزنس للرضاعة الطبيعية، وهناك أموال طائلة تُنفق على مستلزماتها.

خيار أخلاقي يدعمه المجتمع

طالما اعتُبرت الرضاعة الطبيعية خيارًا أخلاقيًّا أفضل، وظلَّ خيار الرضاعة الصناعية يثير استياء البعض، ثم لم يلبث أن أصبح الإرضاع الطبيعي عملية ميكانيكية، باستخدام مضخات الثدي، وأصبح حليب الثدي الطبيعيِّ سلعة قابلة للبيع.

فهناك حماس أخلاقي يحيط الرضاعة الطبيعية، وحملات مناصرة وتثقيف، ومبادرات للمستشفيات، وضغط اجتماعي من أجل نشر وتعميم عملية الإرضاع الطبيعي، كما أن لوائح أماكن العمل والتأمين مصممة لزيادة أعداد الأمهات اللواتي يرضعن أطفالهن طبيعيًّا.

Embed from Getty Images

على جانبٍ آخر، يُنظر إلى خيار الإرضاع الصناعي على أنه خيار لا أخلاقي. فهناك مثلًا المدونة الدولية لتسويق بدائل لبن الأم، وهي إطار دولي للسياسة الصحية لتعزيز الرضاعة الطبيعية، تبنته جمعية الصحة العالمية، التي هي جزء من منظمة الصحة العالمية، وتعتمد وتنفذ سياسات تحظر الترويج للمنتجات البديلة للألبان.

هل فوائد الرضاعة الطبيعية تستحق كل هذا العناء؟

في كتاب «النشاط الإرضاعي»، تتحدث الكاتبة كورتي يونج عن تحوُّل الإرضاع الطبيعي لمجال تجاري كبير، وتحوَّلت الرضاعة إلى ساحة معركة حقيقية، فالإرضاع الطبيعي أو عدمه أصبح سؤالًا له تداعيات بعيدة المدى، تشمل الطب والسياسة والدين والنسوية والتجارة والعرق والطبقة الاجتماعية.

وتتساءل يونج في هذا الكتاب هل فعلًا الإرضاع الطبيعي أفضل؟ ورغم الافتراض بأن الرضاعة الطبيعية هي الخيار الأكثر صحة، تشير الدلائل المتزايدة أن فوائدها مبالغ فيها لحدٍ كبير، ويضغط الأطباء، ومسؤولو الصحة والأصدقاء على الأمهات الجدد؛ ليمتنعن عن استخدام الحليب الصناعي، ولو على حساب راحة الأم.

هل الرضاعة الطبيعية إكسير سحري؟

تتحمل الأمهات، والأطفال أنفسهم تكلفة كبيرة للرضاعة الطبيعية، لكن مناصروها يعتقدون أنها بمثابة إكسير سحري، بينما وجدت دراسة بريطانية  أنه ليس لها تأثير على مستوى الذكاء منذ الطفولة وحتى المراهقة. وما يثير الريبة هو أن بعض الأبحاث التي تدعم فوائد حليب الأم للرضع مُولت من قبل شركات مثل «Medela»، التي تصنع مضخات الثدي، و «Prolecta bioscience» وهي شركة مكملات غذائية للأمهات المرضعات.

المرأة

منذ سنتين
المنفعة متبادلة.. ما لا يقال للأم عادةً عن الرضاعة الطبيعية

وتقول الكاتبة يونج إنها ضد القراءة الانتقائية للأدب الطبي لتبرير قضية الصحة العامة، وتقول إنها ضد استخدام قضية الصحة العامة لإجبار النساء على الإرضاع الطبيعي ومعاقبة من لا يفعل ذلك.

أثر الرضاعة الصناعية في البلاد النامية يدفع الأمريكيات للإرضاع الطبيعي

في سبعينيات القرن الماضي اتُهمت شركة «نستله» أنها تسببت في تعلُّق أمهات العالم الثالث بالحليب الصناعي عبر حملات ترويج مضللة، ما أدى إلى نتائج كارثية؛ إذ لم يكن بمقدور الأمهات تحمُّل تكلفة الأشياء التي قيل لهن أنهن بحاجة إليها.

وفي الأماكن التي تفتقر فيها العائلات إلى المياه النظيفة، يسهل تلوث اللبن الصناعي، كما أنه كان مكلِّفًا للغاية بالنسبة للفقراء الذين كانوا يعتمدون عليه في بعض الأحيان فلجؤوا إلى تخفيفه ليدوم لوقتٍ أكثر، ما جعله بلا فائدة تقريبًا، فأصبح هناك عدد لا يحصى من الأطفال، يموتون بسبب سوء التغذية والإسهال، بسبب تخفيف التركيبة أو تلوثها خلال تحضير زجاجة الإرضاع.

على الجانب الآخر فإن وعي الأمريكيين بما أحدثته دعاية «نستله» للحليب الصناعي في البلاد النامية، جعلهم يلجؤون إلى الرضاعة الطبيعية بشكل عام.

سوق مضخات الثدي..«بيزنس» الرضاعة الطبيعية ينتعش

في العديد من دول العالم تواجه النساء اللواتي يعتمدن الإرضاع الطبيعي، صعوبة عند العودة إلى العمل، فيلجأن إلى شفط الحليب من أثدائهن وتركه لمقدمي الرعاية لأطفالهن في أثناء ساعات غيابهن.

تستخدم الأمهات في شفط الحليب مضخات الثدي، وهي يدوية وكهربائية، وتستخدمها بعض النساء، كي تدر الحليب بشكل مناسب ولتزيد كمية اللبن، وتجميده للاستخدام وقت الحاجة أو خارج المنزل، وهناك أيضًا من يشفطون الحليب للتبرع به للأطفال الذين لا ترضعهم أمهاتهم.

هذه المضخات سوق كامل قائمٌ بذاته، فقد بلغت قيمة حجم سوق مضخة الثدي في عام 2018 أكثر من مليار دولار أمريكي، وقُدِّر حجم سوق مضخة الثدي العالمية، بنحو 2.1 مليار دولار أمريكي عام 2020. ومن المتوقع أن يصل السوق العالمي لمضخات الثدي أكثر من 10.5% معدلًا للنمو السنوي حتى عام 2028. وتوجد مبادرات حكومية داعمة في بلد مثل الولايات المتحدة الامريكية، فتقوم شركات التأمين بتغطية المعدات والأدوات والخدمات التي تعزز الرضاعة الطبيعية (مضخات الثدي واستشارات الرضاعة الطبيعية لدى الأطباء المتخصصين).

Embed from Getty Images

تشجيع على الرضاعة أم على استخدام مضخات الثدي؟

أوصت الأكاديمية الأمريكية لطب الأطفال في عام 2012 بمنح الأطفال لبن الأم، وأشارت إلى وجود تأثيرات مفيدة قصيرة وطويلة الأمد للرضاعة الطبيعية، بما في ذلك معدلات أقل من التهاب الأمعاء.

ونصحت أن يجري ضخ/شفط اللبن من الأمهات، في حال عدم تمكن الأمهات من إرضاع أطفالهن مباشرةً لأسباب طبية أو اجتماعية. وقد وجدت إحدى الدراسات التي أُجريت على النساء الأمريكيات أن مايقرب من 85% من أولئك اللائي يرضعن رضاعة طبيعية كانوا يستخدمون مضخات شفط اللبن.

سوق الرضاعة الطبيعية

هل تعتقد أن الرضاعة الطبيعية خيار رخيص الثمن؟ إذن أنت بحاجة إلى أن تتعرف إلى سوق الرضاعة الطبيعية.

يقف وراء حملات الترويج والتشجيع على الرضاعة الطبيعية وجعلها خيارًا أخلاقيًّا، شركات تصنع مضخات الثدي، وهي ليست رخيصة الثمن، فمتوسط سعرها 250 دولار ويُنصح بعدم شرائها مستعملةً منعًا للتلوث.

هناك شركات تصنع مكملات غذائية من أجل زيادة إدرار حليب الأم، وشركات أخرى تبيع مستلزمات الرضاعة الطبيعية، علاوةً على سوق مستقل يُسمى سوق ملحقات الرضاعة الطبيعية. يبيع زجاجات حليب الثدي، وأكياس تخزين لبن الأم، وكريم حلمات الثدي، ووسادات الرضاعة، ودروع الحلمة، وأغطية الثدي، ومنتجات التنظيف.

المرأة

منذ 9 شهور
ثورة على «إكليشيهات» سرطان الثدي.. هل أفاد الشريط الوردي المريضات حقًّا؟

أما العوامل الرئيسة التي تساهم في نمو هذا السوق فتنحصر في عاملين أساسين، الأول: زيادة عدد النساء العاملات، فوفقًا لمنظمة الصحة العالمية ارتفعت نسبة النساء العاملات من 21% في عام 1960 إلى 41% في عام 2009.

والثاني: زيادة حملات التوعية والدعاية بأهمية الرضاعة الطبيعية، والتقدم التقني في ملحقات الرضاعة الطبيعية، فعلى سبيل المثال قدمت شركة «Lansinoh» في عام 2016 مضخة الثدي التي تعمل بتقنية «Smartpump» وبلوتوث لمساعدة النساء في معالجة جلسات الضخ.

لذا، تنصح مجموعات الدعم والتوعية، الأمهات بعدم الشعور بالذنب في حال عدم قدرتهن على الإرضاع الطبيعي، وألا يخضعن لكل حملات التوعية – التي على قدرٍ معقول من المصداقية – لأن وارءها تجارة تُقدَّر بالمليارات.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد