يقول الشاعر الجزائري صلاح باديس في ديوان «ضجر البواخر» واصفًا الحب الإلكتروني والمواعدة عبر الإنترنت: «حب يقتات على قوة الإرسال (الذي يروح ويرجع) ويعيش بقدر ما تعيش بطاريات هواتفنا».

هل تتذكر أين قابلت شريك حياتك؟ 33% من الشركاء عثروا بعضهم على بعض عن طريق مواقع المواعدة الإلكترونية، ويُعتقد أن النسبة قد تصل في 2040 إلى 70%، ولا عجب أن بيزنس صناعة الحب الإلكتروني، قد بلغ في عام 2018 بالولايات المتحدة 3 مليار دولار. كما أن هناك حوالي 15% من الأمريكيين البالغين – حوالي 50 مليون شخص- يقولون إنهم يستخدمون تطبيقات المواعدة بحثًا عن الرومانسية، وهناك تنبؤات بأن هذا الرقم سيقفز إلى 25% بحلول العام 2020. فإلى أي مدى تجد هذه المواقع ملائمة بالنسبة لك؟

المواعدة الإلكترونية.. دعاية لحب بلا معاناة

عندما تُرتِب موعدًا عن طريق تلك المواقع، فأنت تختار شخصًا له معايير بعينها. فإذا كنت شخصًا يحب أن يواعد شخصًا يوافقه من الناحية الإيمانية؛ فموقع مثل «JDate»  يتيح لك اختيار مواعدة شخص من ديانتك نفسها. أما موقع «Ok Cubid» فيدعي أنه لا يقيمك بدقة، لكن يدعي أنه سيجد من يوافق متطلباتك التي تدعيها بدقة. وفي هذا السياق يُذكر أن 81% من مستخدمي مواقع المواعدة الإلكترونية يكذبون بشأن أعمارهم، وأطوالهم، وأوزانهم.

«لا مجال كبير للمخاطرة»، وهو ما يشتبك معه الفيلسوف الفرنسي آلان باديو. فقد رأى على موقع «ميتيك» إعلانات دعائية تقول «احصل على الحب من دون أن تنتظر الصدفة». ويعتقد باديو أن مواقع المواعدة الإلكترونية تنكر أهمية الحب الذي يرى أنه «التوقف عن الحياة برؤية شخص واحد، والعيش بوجهة نظر اثنين»، ويرى باديو أن الباحثين عن شركاء على مواقع المواعدة الإلكترونية يتفادون أي شاعرية وجودية، تحت مسمى غياب المخاطر.

Embed from Getty Images

ثم ذهب باديو أبعد من ذلك وقال إن مواقع المواعدة الإلكترونية تهدد الحب بأن تنكر أهميته تمامًا. فمشكلة هذه المواقع  في رأي باديو هي تلخيص الحب في تجربة اللذة، إذ يقول في كتاب «مدح الحب»: «لا يُمكن اختصار الحب باللقاء الأول، وذلك لأنه بناء، والأُحجية في التفكير بالحب تكمن في المُدة الزمنية الضرورية له ليُزهر. في الحقيقة، ليست نشوة البدايات تلك هي المُميزة، ولكن ما يتبعها، هو ما يُعطي شعورًا بالنشوة حقًا».

ضغطات الحب تدر الملايين!

لكن ما الذي يُشعل شرارة الانجذاب الإلكتروني؟ من خلال التطبيق سيترتب لقاء مع شخص تعرف عنه في الغالب معظم الأشياء؛ طوله، ووزنه، وأفلامه المفضلة، إذا كان يحب الحيوانات الأليفة أم لا؟ لا مجال للارتجال. وتبدو مواقع المواعدة الإلكترونية سهلة، وبعضها مجاني، والأهم أنها لن تعرضك لمخاطر الحب ومآسيه.

العِرِق والطبقة الاجتماعية، من عوامل جذب المتواعدين إلكترونيًّا أيضًا. ربما لم يعرف باديو أن مواقع المواعدة صناعة تدر الملايين، فمثلًا يحصل موقع «تندر» على 1.6 مليار ضغطة يوميًّا، و20 مليار توافق يومي بين شخصين. كما أنه متاح بحوالي 30 لغة. وقد استخدم 40 مليون شخص أمريكي مواقع المواعدة الإلكترونية، ويعتقد 87% من البشر أنهم سيجدون شريكهم في موقع مواعدة.

أحدث طرق الثراء في العالم العربي.. أدخل الناس غرفة نومك بتطبيقات البث الحي!

حب يعولّ على الخوارزميات

 تقول الإحصائيات إن الرجال يطالعون مواقع المواعدة ثلات مرات أكثر من النساء، كذلك يبدأون هم الحديث مع النساء بنسبة 40%. أما ما وراء الحب الإلكتروني فهناك شركة «ماتش جروب»، التي تستحوذ على 25% من حصص السوق، ويجيء المنافس الثاني وهو «eHarmony» بنسبة 12%، ثم أخذ «تندر» نصيب الأسد من السوق؛ إذ يستخدم موقع «فيسبوك» في التسجيل، ما يمنحه قدرًا من المصداقية.

وقد تضاعف عدد مستخدمي مواقع المواعدة الذين تبلغ أعمارهم من 18 إلى 24 عامًا، ثلاث أضعاف من عام 2013 إلى عام 2015. وهذه المواقع ليست حكرًا على الشباب، فيستخدمها أيضًا كبار السن في الفئة العمرية من 50 إلى 66 عامًا. وتقول الأبحاث إن هناك 50 مليون شخص نشط على موقع «تندر» وحده، يطالعونه يوميًّا أكثر من 11 مرة، ويستغرقون يوميًّا حوالي 90 دقيقة في تصفحه، وهذا الموقع متاح في 196 دولة، ويتلقى مئات التوافقات كل ثانية.

مواقع المواعدة.. متى بدأ الحب الإلكتروني؟

في الحقيقة إن استخدام التكنولوجيا للبحث عن الحب ليس جديدًا، فإذا رجعنا إلى الثمانينيات سنجد أن نظام لوحة البيانات أتاح للناس الدردشة مع الغرباء عن طريق الإنترنت بسرعة 300 بايت في الثانية، ولم تمنع هذه السرعة البطيئة بالنسبة لنا الآن، الناس من التحدث معًا والبحث عن الحب.

ثم صدر أول موقع حديث للحب الإلكتروني في عام 1994 وهو «kiss.com»، وبعد عام صدر موقع «match.com»، ثم توالى إصدار مواقع المواعدة؛ حتى بلغت 16 موقعًا بحلول عام 1996. وفي عام 1998 أعطى توم هانكس وميج رايان شرعية لهذه المواقع بعد إصدار فيلم «you have got mail»، وبعده جاءت مواقع التواصل الاجتماعي التي أتاحت لكل الناس التحدث مع الغرباء، مثل موقع «frienster»، و«myspace»، ثم «فيسبوك».

عما يبحث الناس على مواقع المواعدة؟

«هناك الكثير من الأسماك»؛ طبقًا لما يقوله موقع «palenty of fish». ويمتلك كل موقع مميزات معينة وتنافسية؛ فالشباب تحب المنافسة والعلاقات الجنسية العابرة. وهناك بالطبع تنافس آخر بين المواقع ذاتها؛ فهناك مواقع تتيح لك الاشتراك مجانًا أول شهر.

يقول جويل سمخاي الذي أسس  موقع «Grinder» لمواعدة المثليين في عام 2009 إن سبب تأسيسه للموقع حينها هو صعوبة المواعدة الإلكترونية، فالاختيارات محدودة، وقد لاقى الموقع نجاحًا بالفعل، ففي عام 2014 قُدر عدد المستخدمين بـ 5 مليون شخص شهريًّا، ويرى مؤسس «جريندر» أن هذه التكنولوجيا تسهّل الحياة، مثلها مثل «أوبر». 

هل مواقع المواعدة آمنة؟

بينما يرى آلان باديو أن هذه التوافقية تهديد للحب، فهذا «الحب الذي تعثر عليه عن طريق مواقع المواعدة خاليًا من المخاطرة، بلا أي تهديد، كحرب بلا قتلى. لا مجال فيه للاكتشاف والصدف». فأن تواعد شخصًا تعرف عنه معظم ما يحب ويكره، لهو أمر في رأيه يشبه الزواج المرتب. كذلك في هذا النوع من الحرب، لا يلتزم شريك بالتزام نحو شريكه المستقبلي بأي شيء، تمامًا كما تغسل الرأسمالية يديها من أي التزام تجاه العامل، فنجاتَه من أخطار العمل مسئوليته وحده، على حد تعبيره.

لكن هناك أخطارًا أخرى في هذه التطبيقات، مثل تعقب الشرطة في بعض البلاد العربية للمثليين عن طريق تقمصهم صورة شخص يبحث عن شريك، وفي عام 2016 تلقى سكوتلاند يارد 50 بلاغًا عن جرائم جنسية متعقلة بموقعيّ «تندر» و«جريندر». وينصح أحد خبراء العلاقات بتوخي الحذر عند مطالعة مواقع المواعدة، وعدم إعطاء معلومات شخصية للغاية، وعدم الاستجابة لطلبات تحويل أموال أو ما شابه. بالتأكيد لا يوجد موقع يضمن الأمان التام للمستخدمين، سيحمل الأمر دائمًا شيئًا من المخاطرة، أما من يريد الأمان الكامل فربما لن يجده سوى في الوحدة.

تطبيقات المواعدة.. هل جعلت التكنولوجيا حياتنا العاطفية أسهل؟

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد