بدأت العلاقة القوية التي تربط عالم المال بدوائر الحكم والسلطة في الجزائر، بالبروز سريعًا خلال العام الجاري، ولعل الصراع الذي أثارته وسائل الإعلام المحلية خلال فترات متباينة بين أرباب المال، والاصطفاف الذي يعني الموالاة لجهة داخل السلطة هو إحدى الأدوات التي تستعمل في التمكين لعصبة حاكمة ضد أخرى.

ولكي نسلط الضوء أكثر على هذا الانتقال السياسي في بنية الحكم السياسي ومصادر تأثيره، نحدد مجموعة من الشخصيات ذات الوزن المالي عام 2016، والتي انخرطت في الصراع السياسي والأيديولوجي من أجل التمدد داخل السلطة، وصياغة قانون المالية السنوي، وهو القانون الذي يعتبر إحدى المحطات الأساسية في التأثير على القرار السياسي والاقتصادي والاجتماعي للبلاد.

وبرز خلال هذا العام الملياردير الجزائري الأول يسعد ربراب في أحداث أقرب إلى السياسة منها إلى الاقتصاد، في حين سعى علي حداد رئيس منتدى رؤساء المؤسسات «المقرب من الحكومة» إلى توسيع قوته ونفوذه، وعلي حداد هو ابن نفس المنطقة التي ينحدر منها الأول؛ ولاية تيزي وزو.

ويرجع بعض المتابعين والسياسيين في الجزائر، رغبة دوائر في السلطة بالجزائر التمكين لرجال المال والأعمال، في محاولة منهم لتخليص الحكم من مؤسسة الجيش والعسكر التي هيمنت حسبهم على الحكم منذ الاستقلال، وهي الفرصة التي انتهزها الكثير من هذه الفئة في محاولة نقل النظام السياسي من طبيعته الاجتماعية إلى نظام رأسمالي متغول مثلما تقول المعارضة.

الخليفة والتجربة المأساوية مع السلطة

وعند الحديث عن رجال المال والأعمال والعلاقة مع السلطة في الجزائر، يعود بنا الحديث إلى ملف عبد المؤمن الخليفة الذي يعتبره الرأي العام الفتى الذهبي في زمانه، الفتى الذي تقرب إلى السلطة أكثر من اللازم، وهو ابن مالك صيدلية تاجر في قطاع البنوك والنقل الجوي والإعلام والهاتف وتحول إلى ملياردير في سنوات قليلة.

سقوط عبد المؤمن الخليفة كان مدويًا وسريعًا، وخسرت خزينة الجزائر أكثر من 7.5 مليار دولار، بالإضافة إلى خسارة عدد كبير من المؤسسات والمواطنين لأموالهم التي تم ادخارها في بنك الخليفة المفلس، وتعود قضية الخليفة إلى إرادة رئيس البلاد عبد العزيز بوتفليقة في إسقاط الفتى لأسباب سياسية لها علاقة بمواقفه وتأييده للغريم علي بن فليس في انتخابات الرئاسة عام 2004.

الخليفة قصة سوداء للبنوك والمؤسسات الخاصة، وهي المعاناة التي ما زال يتجرعها الجزائريون بسبب هذه القصة المؤلمة، فالمعاملات البنكية متخلفة مقارنة بالدول المجاورة، وقانون الاستثمار لا يشجع قيام بنوك خاصة، بالإضافة إلى أن الخليفة حكم عليه بالسجن ثماني سنوات مؤخرًا بعد تسليمه من الحكومة البريطانية إلى الجزائر.

ربراب والاستثمار في الخارج بعيدًا عن التهديد

يسعد ربراب المولود عام 1944، هو أحد المستثمرين ورجال الأعمال الأقوياء في الجزائر، ويُعَدّ الملياردير الأول في البلاد وضمن العشرة الأوائل في أفريقيا حسب تقرير فوربس الشرق الأوسط وأفريقيا لعام 2016، هو مؤسس ورئيس مجمع سوفيتال لصناعة الصلب والمواد الغذائية واسعة الاستهلاك والزراعة والإلكترونيات.

ربراب رجل مال وسياسة، يستثمر أمواله في وسائل إعلامية وشركات إنتاج فني، حاول الرجل الذي انتقد بشدة محاولة الضغط عليه ومحاصرة أعماله، شراء مجمع الخبر (وهي مؤسسة إعلامية لها مجموعة جرائد وقناة إخبارية KBC) إلا أن الحكومة عن طريق وزارة الاتصال أبطلت الصفقة، وهددت بغلق المجمع الإعلامي العريق في الصحافة الجزائرية.

وعمل ربراب منذ قرابة السنوات الثلاث الأخيرة على تحويل أمواله للخارج، والاستثمار في خارج القارة الأفريقية، وأصبحت لديه الآن استثمارات في سريلانكا وسنغافورة، بالإضافة إلى تسيير شركات وميناء في البرازيل، وقام الملياردير بشراء شركة الشركة الفرنسية الإسبانية «فاغور-براند» بقيمة 25 مليون يورو، وهي قيمة جعلته أحد المستثمرين الذين يحظون بمعاملة خاصة من وسائل الإعلام الأوروبية.

ويعرف عن ربراب صمته إزاء القضايا السياسية وابتعاده عن الأحداث في السنوات الأخيرة، بالرغم من وجود كيانات إعلامية وسياسية قريبة من الرجل مثل جريدة ليبرتي وأحزاب معروفة بالعلمانية تنشط بنفس المنطقة التي ينحدر منها، وحين خرج عن صمته خلال هذا العام، ذكر في تصريح مثير جدًا أن جهات في السلطة تحاربه لأنه «قبائلي العرق»!

سقوط وشيك للرجل المقرب إلى السلطة حداد

أشارت صحف محلية أن نهاية علي حداد رئيس منتدى رؤساء المؤسسات (التجمع الاقتصادي الأول في البلاد) أصبحت وشيكة بعد الصراع الذي ظهر للعلن هذه الأيام، وكان منتدى الاستثمار الأفريقي أحد وجوه هذا الصراع الذي انسحبت فيه حكومة بكافة وزرائها بعد كلمة افتتاح الوزير الأول عبد المالك سلال، وهي إشارة واضحة بوجود صراع قوي وإرادة لإسقاط علي حداد.

وتقول مصادر من داخل المنتدى إن المؤتمر الأفريقي للاستثمار كلف الخزينة حوالي 7.5 مليون دولار، وتسبب الخلاف بين منتدى المؤسسات والحكومة في دفع رئاسة الجمهورية إلى إصدار قرار بمنع البنوك والمؤسسات العمومية (الحكومية) من تقديم العون المادي للمنتدى، وتشير نفس المصادر أن علي حداد تعرض لخطة الإطاحة هذه رفقة سفير الجزائر في فرنسا (أقيل من منصبه قبل أسبوع للسبب ذاته).

قناة البلاد تبث مقطع فضيحة المنتدى الأفريقي للاستثمار

https://youtu.be/y_S0mMzdots

وتحول علي حداد منذ انتخابه رئيسًا لمنتدى رؤساء المؤسسات عام 2015 إلى أحد الوجوه البارزة في المشهد السياسي الحكومي، وكان دائم المرافقة للوفود الحكومية والرئاسية في كثير من الدول الصناعية الكبرى، ووصل به الأمر إلى رئاسة اجتماعات لقطاعات حكومية بحضور الوزراء أنفسهم، بل وأقيل عدد من الوزراء في تعديل وزاري سابق بسبب رفضهم التعامل معه.

ويختلف علي حداد عن يسعد ربراب، أن الأول يعتبر مقربًا من السلطة ويلتقي وزراء الحكومة وسفراء الدول المعتمدة في البلاد من خلال منتدى المؤسسات، في حين يُنظر للأول على أنه رجل مزعج وغير مرغوب فيه لدى دوائر في السلطة، بالرغم من أن تقارير كثيرة تشير إلى ارتباط ربراب بالدولة العميقة في الجزائر، وهي مصادر لم تتأكد بعد لدى الرأي العام بشكل واضح.

هل يعود رجال المال مع انتخابات2017 ؟

وتشير مصادر عديدة إلى أن منتدى رجال الأعمال الذي يقوده علي حداد، بدأ في تحضيراته لتشريعيات عام 2017 للمشاركة بقوة والحصول على كتلة مرجحة للقرارات والقوانين في الهيئة التشريعية، كما أن وجود كتلة ضمن الموالاة للسلطة في البرلمان الجزائري تساهم في مشاركة الموالين للمنتدى في الحكومة المنبثقة عن هذه الاستحقاقات الانتخابية.

ورغم الانتكاسة التي تعرض لها المنتدى في مؤتمر الاستثمار الأفريقي، إلا أن وسائل الإعلام المحلية تؤكد وجود تحركات جادة نحو إعادة وصال الود مع المؤسسات الحكومية، وإذابة الجليد الذي تسبب في تصدع المنتدى مع السلطة، بعد أن كان رئيس المنتدى حداد يستقبل الوزراء والسفراء بداية هذا العام.

ويعمل رؤساء منتديات الأعمال والمال والغرف التجارية والصناعية في الجزائر على حيازة كراسي في البرلمان، لما يوفره هذا المجلس من حصانة ضد المتابعات القانونية، وباعتباره فضاء لبناء علاقات مميزة مع الحكومة والاطلاع عن قرب على مشاريع الحكومة والاستفادة من هذه الصفقات، ويعتبر السياسيون زواج المال بالسلطة إحدى الفترات الخطيرة التي يمكنها أن تساهم في تغول السلطة أكثر في حياة المواطنين.

عرض التعليقات
تحميل المزيد