تصدَّر رجل الأعمال التونسي شفيق جراية واجهة السياسة من جديدة، ليُعيد رسم صورة رجل المال الذي يستخدم ثرواته لتشكيل قوة ضغط سياسي له داخل دوائر السلطة، والتي توارت بعد ثورة الياسمين. تزامن توسع إمبراطورية جراية المالية، مع زيادة حجم الجدل الذي يرافق هذا الرجل الذي تُثار الشبهات حول صلاته بالرئيس المخلوع «زين العابدين بن علي»، وقيادات حزبية من أحزاب متنافسة.

«نداء تونس»: الباب الخلفي لدخول جراية إلى السياسة

سعى شفيق جراية، رجل الأعمال التونسي لإعادة رسم دور «رجل المال» في دوائر السلطة، من خلال الانضواء تحت راية حزب نداء تونس، الذي رحَّب بعضويته، وقد تعهد هو بتبرعاتٍ سخية، وتغطية فعالياته السياسية خلال فترة الانتخابات. انضواء جراية تحت راية «نداء تونس»، وملاصقته لنجل الرئيس التونسي الباجي قائد السبسي، لم يحل بينه وبين مد أواصر صلاته مع قيادات من حزب النهضة التونسي، الغريم التقليدي للحزب العلماني.

حافظ السبسي

لم يكن هذا الانضواء مرتبطًا بقناعة أيديولوجية بالحزب، ولم تكن صلاته بقيادات غريمه التقليدي «النهضة التونسية» تحوُّلًا في هذه القناعات التي لم تكن موجودة من الأساس، لكن كان الأمر متعلقًا برغبة جامحة داخل جراية ببسط نفوذ سياسي يوازي نفوذه المالي، ويحميه من الاتهامات التي تطوله من كُل صوب وحدب، من الداخل والخارج.

«أنا انضممت للحزب أثناء الحملة الانتخابية الرئاسية لاقتناعي بأن مؤسسة رئاسة الجمهورية دُنست في عهد المرزوقي، ولم تعد لها هيبة». هكذا يُبرر رجل الأعمال التونسي انخراطه التنظيمي تحت مظلة حزب نداء تونس، الذي يضيف ضمن جُملة الأسباب التي دفعته لترك الحزب: «لكن فيه بعض الشرذمة وهم بقايا نخب تافهة لا تريد تطوير أفكارها».

وأطلقت مجموعات داخل الحزب على رأسها النائب التونسي وليد جلاد حملة جمعت توقيعات قضت برفض انخراط شفيق جراية في الحزب. وبرروا ذلك «بدعمه لعصابات تخريب حماية الثورة وشيطنة النداء عن طريق وسائل الإعلام المملوكة له».

«جراية» متباهيًا بسطوته في الإعلام: اشتريت كُل صحافيي تونس بالمال

كانت بوابة الإعلام هي المدخل الرئيسي لشفيق لتوسيع نفوذه، وتشكيل قوة ضغط رئيسية داخل دوائر السلطة التونسية، واستخدامها كوسائل لنيل الحظوة من الرئيس التونسي. إذ ساهم في تمويل عدد من القنوات التليفزيونية والصحف، تمثلت مهمتها الرئيسية في الدفاع عنه وعن مصالحه المالية، بجانب تسويقه كـ«رجل مال وطني»، يُمارس السياسة انطلاقًا من «حبه في بلاده»، والطعن في ذِمم معارضيه وشتمهم علانية في مقالات رأي وتحقيقاتٍ صحفية.

تتنوع وسائل الإعلام التي يمولها رجل الأعمال التونسي بين صحف مطبوعة كصحيفة «المساء» الأسبوعية المختصّة بشتم معارضيه، وصحيفة «عرابيا»، وكذلك تمويله لقنوات تلفزيونية من وراء الستار كقناة «نسمة» الفضائية، فضلًا عن صلاته ببعض الصحافيين كالصافي سعيد، الصحافي التونسي، المعروف بصلته القريبة من رجل الأعمال، وشريكه في الجريدة، بجانب وساطته مع السلطات الليبية لتمرير إحدى صفقات «جراية» التجارية.

«بعد ظهور شفيق الجراية.. هكة الصفاقسية وإلّا بلاش»، عنوان لتقريرٍ منشور بجريدة المساء، يكشف عن نوعية التقارير التي تنشرها وسائل الإعلام التابعة له، والتي تنطوي على تلميعه، وتسويقه داخل دوائر السلطة.

إطلالة رجل المال ذائع الصيت على شاشة تليفزيون «الحوار التونسي» السنة الماضية، كانت كاشفة عن الكيفية التي نجح من خلالها في تشكيل لوبي إعلامي يعمل لصالحه، إذ قال جراية مبتسمًا إنَّه «اشترى كلّ الصحافيين في تونس باستثناء واحد فقط يعمل في تليفزيون الحوار التونسي».

كانت هذه  التصريحات سببًا في موجة غضب رافقت قطاعات واسعة من صحافيي تونس حيال جراية، كما خاطب الصحافيون النقابة بقولهم: «أعلنتم سابقًا في تصريحات إعلامية أنّ رجليِ الأعمال شفيق الجراية وكمال اللطيّف يقفان وراء الفساد الحاصل في قطاع الصحافة. وقد تعهّدتم بالتشهير بهؤلاء المفسدين وملاحقتهم. ونحن إذ لا نشكّ لحظة في صدق نواياكم ومساعيكم الجادة لتنفيذ تعهداتكم فإنّنا نلفت نظركم إلى أنّ أحد الشخصين (المُفسديْن) المذكورين في تصريحكم (…) أعلن صراحة أنّه اشترى كل الصحافيين باستثناء نوفل الورتاني».

بدأت مساعي «جراية» لزيادة شعبيته بين القطاعات الشعبية التونسية في اتخاذ أطرٍ أخرى، عبر تقديم دعم مالي للنادي الصفاقسي التونسي، ذي الجماهيرية الكبيرة، مُحققًا من وراء هذا الدعم المالي للنادي الأكثر شعبية في تونس، قبولًا واسعًا بين جماهيره.

إمبراطورية جراية المالية: «مُحتكر».. وواجهة دول خليجية للاستثمار في تونس

لم يرث شفيق جراية أموالًا من والده تساعده على بناء إمبراطورية تجارية، إذ جعلته ظروف عائلته المادية الفقيرة يبدأ بائعًا متجولًا في الحديد والنحاس والخردة وغيرها من السلع على عربة في نهاية الثمانينيات، قبل أن تتوسَّع هذه التجارة ليصيرَ في غضونِ سنوات مُحتكرًا لسوق تصدير المواد الغذائية بين تونس وليبيا والدول المجاورة.

ويستأثر القطاع الفلاحي في تونس، الذي يخضع لاحتكار شفيق جراية، بـ12% من الناتج الداخلي الخام و11% من مجهود التصدير و16% من القوة العاملة الإجمالية. ويُحقق هذا القطاع أرباحًا طائلة، إذ استطاعت تونس منذ بداية موسم تصدير التمور فقط في شهر أكتوبر (تشرين الأول) الماضي جني عائدات تقدر بنحو 90 مليون دولار وفق إحصائيات صادرة من وزارة الفلاحة التونسية.

توسعت إمبراطورية «جراية» المالية عبر تأسيس شركة لإنجاز المشاريع العقارية بالبحيرة، تولَّت الشركة إنجاز بعض المشاريع كما تولَّت كذلك الاستيلاء على أراضٍ خاصَّة في المناطق الأثرية وبُني عليها سلسلة قصور.

تمتع «جراية» بعلاقة جيدة مع الحكومة القطرية ساهمت في تولِّي شركاته تنفيذ كافة الاستثمارات القطرية داخل تونس، إذ تلقَّى عام 2015 ، مبلغًا يُقدر بـ12 مليار دولار من فرع صندوق الاستثمار القطري في تونس باسم شركته مقابل مجموعات متنوعة من الاستثمارات.

«الجراية».. تُهم العمالة مع «الطرابلسي» لا تزال تلاحقه

نمت تجارة كبيرة بين الجراية مع «عماد الطرابلسي» قبيل ثورة الياسمين، أدت لتوسع حجم استثمارات الجراية الذي كان واجهة لأغلب استثمارات عائلة الطرابلسي. وعماد الطرابلسي هو ابن محمد الناصر شقيق ليلى الطرابلسي زوجة الرئيس التونسي المخلوع زين العابدين بن علي الثانية. والطرابلسي، الذي كان مُقربًا من زوجة «بن علي» ذاع صيته ونفوذه داخل تونس، وقدرته على تذليل أي عقبات أمام استثماراته، واحتكاراته.

الرئيس التونسي المخلوع زين العابدين بن علي

مساعي الأبواق الإعلامية الموالية لجراية تمحو أي صلة له بعائلة الطرابلسي، وتحايله هو نفسه على هذه الصلة الوثيقة بالزعم في أحاديثه التليفزيونية أنّها «كانت شراكة في بعض الاستثمارات الصغيرة»، لم تشفع عند خصومه السياسيين أو بعض الأصوات الإعلامية التونسية المستقلة، فقاموا بمحاكمته كحال أغلب أفراد عائلة «الطرابلسي»، وتوصيف اقتحامه السياسة بمحاولة إعادة «شبكات المال السياسي».

توسعت تجارة الطرابلسي في مجالاتٍ عديدة كالمواد الغذائية، التي دخل فيها شريكًا مع «جراية» فضلًا عن استثماراته في تهريب «المعسّل»، و«الخمور» إلى دول مجاورة لتونس كليبيا، فضلًا عن حيازته غير المشروعة لممتلكات وعقارات، والنقل غير المشروع للعملة إلى الخارج، والاتّجار في الآثار الوطنية.

نجح شفيق الجراية في تحجيم الحملات الإعلامية التي تتهمه بالفساد المالي وتدعو لمحاكمته نتيجة استثمارته مع الطرابلسي، لكنّ سلسلة التحركات المريبة لرجل المال، ومقامراته السياسية بين رجال السلطة قد تُنهي هذه الإمبراطورية دون سابق إنذار.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد