أغلَقتْ باب الحانة الساعة الثالثة صباحًا كعادتها وأخذت في السير نحو منزلها. شابة تبلغ 28 عامًا تسير في ظلام الليل عائدةً إلى منزلها، تتلمس الأمان في وجود المنازل حولها وبعض المارة من حينٍ لآخر. لكن في يومٍ لم تدرك أنه سيكون يومها الأخير في الحياة، كان هناك شخص آخر في انتظار كيتي جينوفيز.

سفَّاح يهوى جِماع الموتى، لكن يجب أن يكنَّ شابات لا عجائز، لذا كان عليه الخروج واصطياد ضحاياه بنفسه، لا أن ينتظر هدايا الموت له كل فترة. تتبَّع وينستون موزلي كيتي جينوفيز التي لاحظت أنه يتبعها فأسرعت خطاها، جرى وراءها فهرولت نحو عمارتها، اقترب منها، فصرخت تستغيث.

جنسانية

منذ سنة واحدة
مترجم: ماذا تقول وكيف؟ دليلك لمساعدة شريك أو صديق تعرض للاعتداء الجنسي

بدأت الأنوار تشق صمت النوافذ المظلمة، كلما زاد الصراخ زادت الأضواء، وحين ارتفع الصراخ أكثر انفتحت بعض النوافذ، تصرخ في موزلي وتطالبه بالتوقف عن إزعاج السيدة. كان موزلي قد تجاوز الإزعاج إلى حدِّ طعنها مرتين في الظهر، ما تسبب في صراخها الحاد الذي أيقظ الجيران.

بسبب صراخ الجار، ارتبك موزلي فهربت كيتي إلى شارع جانبي مظلم؛ إذ كانت أضعف من الجري لمسافة أبعد. موزلي هو الآخر لم يبتعد كثيرًا، يقول في شهادته إنه راقب الرجل حتى أغلق النافذة، مضيفًا أن الرجل ربما قد عاد إلى النوم مرةً أخرى، فقد شعر بأنَّه قد أدى ما عليه، على حد تعبيره.

عاودت كيتي الصراخ، لكن صرخاتها هذه المرة جذبت الموت لا النجدة، ذهب إليها موزلي وطعنها 10 طعنات إضافية حتى تلاشت قواها. وبينما هي على آخر حدود الحياة اغتصبها موزلي، ثم غادر.

نهاية القصة، كي لا تنشغل بالأحداث عن الهدف من روايتها، أنه بعد سنواتٍ طويلة أُلقي القبض على موزلي بتهمة السطو، واعترف هو بجرائمه السابقة، والتي من بينها قصة كيتي. وحُكم عليه بالإعدام بالكرسي الكهربائي، لكن ولاية نيويورك كانت قد ألغت عقوبة الإعدام، فحُكم عليه بالسجن مدى الحياة، وانتهت حياته قبل أربع سنوات فقط، عام 2016، عن عمر ناهز 81 عامًا.

37 شخصًا شاهدوا الجريمة ولم يفعلوا شيئًا

حادثة بشعة، أليس كذلك؟ بالتأكيد تشعر بالغضب تجاه هذا الجار الذي ترك فتاةً جريحةً وعاد لنومه! لكن إذا تخيَّلت أنَّك الآن تقف في مسرح الجريمة، فأنت لن تكون الوحيد، ولا الثاني بعد الجار، بل ستكون الفرد رقم 38، وأن 37 فردًا قبلك شاهدوا الحادثة، أو جزءًا منها في أثناء مرورهم، ولم يتدخلوا جسديًّا لمنع المُعتدي  – الذي لم يكونوا يعرفون أنه قاتل أو سفاح وقتها – أو حتى الاتصال بالشرطة.

أحد الشهود قال إنه ظنَّ أنهما صديقان سكارى يترنحون بعد منتصف الليل، اثنان فقط من الشهود هم من اتصلا بالشرطة بعد انتهاء الحادثة بالكامل، من بينهم امرأة تبلغ 70 عامًا ظلت تحتضن كيتي حتى أتت الشرطة وسيارات الإسعاف وأخذوا جسد كيتي، الذي أصبح جثمانًا في طريقه إلى المستشفى.

هكذا أُغلقت قضية كيتي جنائيًّا، قاتل وقتيل واعتراف وعقوبة. لكنها لم تنتهِ نفسيًّا، ليس على مستوى المعتدي، الذي أثبت الأطباء النفسيون أنه مريض بـ«اشتهاء مجامعة الموتى»، لكن على مستوى الشهود الذين لم يحركوا ساكنًا وهم يشاهدون تلك الجريمة.

Embed from Getty Images

إذا أزلنا الأسماء والتفاصيل المتغيِّرة، سواء كانت جريمة قتل، أو تحرشًا، أو اغتصابًا، أو سرقة حقيبة امرأة، أو إلقاء شابيْن من قطار لأنهما لم يدفعا ثمن التذكرة ولا يريدان الوقوع في يد الشرطة؛ يتبقى شيء واحد ثابت في كل السيناريوهات السابقة، الشهود. أشخاص رأوا ما حدث، وكان بإمكانهم التدخل بعدة صور تضمن إنقاذ الضحية وعدم تعريض سلامتهم الشخصية للخطر في الوقت ذاته، لكنهم في نهاية الأمر، لم يتدخلوا.

ومن هنا خرج علماء النفس بمصطلح «تأثير المتفرج» أو «متلازمة جينوفيز» نسبةً إلى الضحية كيتي، تلك الحالة النفسية التي تُعرف أيضًا في أوساط أخرى بـ«لامبالاة المتفرج».

الكثرة لا تغلب الشجاعة بل تزرع الخوف

عالمان اثنان هما من حملا لواء هذا المصطلح، صكًّا وتعريفًا، بيب لاتان، وجون دارلي. نشر الاثنان عدة أوراق بحثية منذ عام 1969، أي بعد قتل كيتي بأربعة أعوام، ليفسِّرا سر تصرُّف الشهود على حادثتها بهذه اللامبالاة. وتوصل الاثنان لاستنتاج يتلخص في أنَّه «إذا وُجد فرد واحد فقط أمام حادثة فاحتمالية أن يتقدم للمساعدة أكبر من وجود عدة أفراد أمام الحادثة نفسها».

التجربة الأولى كانت بإحضار مجموعة أفراد لملء استبيان وهمي في غرفة مغلقة، وأثناء ملء الاستبيان يبدأ الدخان في التصاعد من أحد أركان الغرفة. وقسَّموا التجربة إلى ثلاث مجموعات، الأولى يملأ فيها فرد واحد الاستبيان في الغرفة، والثانية يوجد فيها ثلاثة أفراد سويًّا جميعهم لا يعرف أنه في تجربة علمية، والثالثة يوجد فيها ثلاثة أفراد لكن اثنين منهما يعلمان بما سيحدث، وسيتخذون رد فعل معين بناءً على توجيهات العالميْن.

المفاجأة أن 75% من الأفراد الذي شاهدوا الدخان أثناء وجودهم منفردين في الغرفة، غادروا الغرفة وذهبوا لإبلاغ الأمن عن وجود الدخان. و38% فقط من المجموعة الثانية، التي يملأ فيها الاستبيان ثلاثة أفراد، هم من تحركوا للإبلاغ. أما المجموعة الثالثة فقد اتخذ الفردان التابعان للتجربة قرارًا بتجاهل الدخان؛ ما جعل الفرد الثالث يتجاهله في 90% من الحالات، و10% فقط هم من اتخذوا قرارًا بالخروج والإبلاغ.

من تلك التجربة استنتج العالمان أن وجود أشخاص آخرين حول الشاهد يجعل شعوره بالخطر أقل، بالتالي فاحتمالية إبلاغه أو اتخاذه أي رد فعل تكون أقل كذلك. بعض المشاركين في التجربة قالوا إنهم لم يتخذوا رد فعل لأن ثبات الآخرين جعلهم يظنون أن الأمر ليس خطرًا حقيقيًّا بالفعل، لكن هناك آخرين قالوا إنهم أدركوا وجود خطر لكنهم لم يتحركوا إحراجًا من إظهار خوفهم أمام الآخرين الهادئين.

3 مراحل لاتخاذ فعل.. احذر من التباطؤ في أي واحدة

الإحراج يولد من وجودك بين غرباء عنك، فماذا إذا كنت بين الأصدقاء؟

في تجربة أخرى أحضر العالمان فردًا بمفرده، وفردًا مع صديقٍ له، وفردًا مع شخص غريب عنه، لكن هذا الغريب تابع للعالميْن، ثم وضعوهم تباعًا في غرفة تقسمها ستارة من المنتصف، يجلس على يمينها الشخص قيد التجربة، وعلى يسارها مُسجل صوتي يُصدر صوتًا مسجلًا لشخص يئن كأنه انزلق على الأرض وانكسرت قدمه.

اتخذ 70% من الأفراد الذين كانوا بمفردهم، رد فعل يتمثل بالهرولة لمساعدة مصدر الصوت. وكالمعتاد فإن 7% فقط من الأفراد الذين وُجدوا مع غريبٍ قرر التجاهل بناءً على طلب العالمين؛ هم من قرروا المساعدة. أما المفاجأة الثانية فكانت في أن 70% من الأفراد الذين وُجدوا مع أصدقائهم اتخذوا رد فعل، تمامًا مثل الأفراد المنفردين.

Embed from Getty Images

وينستون موزلي

بنى لاتان ودارلي بسلسلة من التجارب المشابهة نموذجًا نظريًّا لمراحل اتخاذ القرار عند المتفرج، أي المراحل التي يمر المتفرج عبرها كي يقرر في نهايتها هل يتدخل في حالة طارئة أم لا.

المرحلة الأولى: أن يدرك المتفرج بدايةً أن ما يشاهده حالة طارئة بالفعل وليس فعلًا عاديًّا.

المرحلة الثانية: أن يتفهم المتفرج أن تلك الحالة الطارئة تستدعي تدخلًا منه.

المرحلة الثالثة: أن يتدخل المتفرج فعليًّا.

وأكد العالمان أن هذه المراحل تترتب بعضها على بعض، أي إنه إذا وصل الشخص لمرحلة منهم دون أن يتخذ حيالها موقفًا واضحًا فإنه في الغالب لن ينتقل للخطوة التي تليها. وأنه كلما استغرق وقتًا أطول في معالجة كل مرحلة، فإن احتمالية اتخاذه رد فعل تقل مع طول الوقت.

4 عوامل تقيِّدك.. لا تخضع لها

إذا كان لاتان ودارلي قد فسَّرا مراحل اتخاذ رد فعل عند المتفرج، فمن البديهي أن نسأل، وما الذي يؤثر في هذه المراحل، ما الذي يجعل البعض يتدخل في حادثة ما، ولا يتدخل في أخرى؟ أو بصيغة أخرى نتساءل حول تفسير استنتاج الاثنين لماذا إذا وُجد فرد واحد فقط أمام حادثة فاحتمالية أن يتقدم للمساعدة أكبر من وجود عدة أفراد أمام الحادثة نفسها؟ هناك أربعة عوامل تؤثر في تلك النقطة:

أولًا: الإدراك الذاتي

المقصود به أنه في حالة وجود أفراد كثيرة حول الحادثة يشاهدونها، فهم بالتبعيَّة سوف يشاهدونك وأنت تقوم برد الفعل، فربما يمنعك ذلك مخافة ألا تعرف كيف تتصرف، أو أن تصبح أنت الآخر ضحيةً فتبدو ضعيفًا وغبيًّا أمام الناس. والأهم أنك قد تظن أنه ربما ليس الأمر بالخطورة التي تظنها، لذا سوف تبدو بمنظرٍ سيئ أمام الناس إذا كان رد فعلك مُبالَغًا فيه.

ثانيًا: الإشارات الاجتماعية

من منَّا لم يسمع وهو يمشي في الشارع صرخةً لفتت نظره، أو صوتًا مرتفعًا يشبه صوت مشاجرة، لكن في الحالتين تلتفت فلا تجد شيئًا. لذا فغالبًا ما تكون الإشارات الاجتماعية سببًا في عدم إدراكنا لحقيقة إذا كانت الصرخة هذه المرة حقيقة أم مجرد حوار بين اثنين بصوت مرتفع كما اعتدنا في شوارعنا.

الأمر هنا يشبه القصة التي نرويها لصغارنا عن الراعي الذي صرخ مرةً أن الذئب سيأكل الغنم، فذهب إليه الناس، فوجدوه يضحك لأنه خدعهم. ثم صرخ ثانيةً، فذهبوا إليه ليجدوا الأمر نفسه. لكن في الثالثة، حيث كان الذئب يأكل الغنم حقيقةً، لم يذهب إليه أحد، لأن نداء الاستغاثة فقد دلالاته ومصداقيته.  وعلى النسق نفسه قصة الفتى الذي ظل يصيح أنه يغرق ليخدع الناس، وفي المرة الحقيقية لم ينقذوه لأنهم تجاهلوا الإشارة التي باتت محل تندُّر من الفتى.

لتعرف تأثير الإشارات الاجتماعية لاحظ أنَّه في حالة سماع صرخة في الشارع فغالبًا ما ينظر الناس بعضهم إلى بعض، راغبين في الاستعانة ببعضهم بعضًا في فهم حقيقة ما يحدث. وربما أنت حين ترى أناسًا يجرون خلف رجل ويصيحون «لصّ، لصّ»، فربما تهرول معهم لتساعدهم، رغم أنك أيضًا هنا لا تعرف حقيقة ما يجري، لكن الإشارة الاجتماعية جرفتك في طريقها.

ثالثًا: الطريق المسدود

بالتأكيد قابلت شجارًا في الشارع، أو حالة إغماء لرجل سقط في وسط الطريق، في تلك الحالات أنت تستطيع المساعدة، وتريد المساعدة، لكن الزحام حول مركز الحدث كبير، والتكتل أكبر من قدرتك على المرور من خلاله، فلم تستطع المساعدة لوجود حاجز حقيقي وفيزيائي أمامك، لا مجرد حاجز نفسي أو إدراكي.

رابعًا: توزيع المسئولية

في حالة وجود الكثير من الأفراد حول حدث معين فإن المسئولية تتوزع فيما بينهم، هذا التوزيع ليس بمعناه الجيد كتوزيع الأدوار، لكن بمصطلح آخر يمكنك القول إن المسئولية تتفرق دماؤها بين القبائل، لا أحد يتدخل لأنه لا أحد يشعر بأنه من الواجب عليه هو تحديدًا دون باقي المشاهدين أن يتدخل.

على النقيض من وجود فرد واحد كشاهد على الحادثة، فإنه يدرك بدون شك أنَّه الوحيد الذي يجب عليه أن يتصرف وأن يتدخل.

لا تكن بطلًا.. فقط حاول أن تبقى إنسانًا

في الفيلم الأجنبي «سُولي – Sully» يهبط البطل، توم هانكس، بطائرة بها 155 راكبًا في منتصف نهرٍ هدسون في قلب نيويورك. يحكي ذلك الفيلم قصةً حقيقيةً للكابتن شيسلي سولينبيرج الذي فقد محركَي طائرته إثر اصطدام مجموعة من الطيور بالمحركات.

يقرر الكابتن أن يهبط بالطائرة في النهر، سابقة تاريخيَّة لم تحدث من قبل، وزاد من كونها معجزةً أن نجا جميع من كان على متن الطائرة. لكن هيئة الطيران الأمريكية لم تتلق الخبر بالسرور المتوقع، لأن المحاكاة الحاسوبية للرحلة أثبتت أن الكابتن كان بإمكانه الهبوط بسلام في مطارين قريبين، دون أن يعرِّض حياة الركاب لمجازفة الهبوط في نهر، ودون أن يُكبِّد الشركة خسارة طائرة.

طوال الفيلم يتعرض سولي للمحاكمات المدعومة بأدلة من المحاكاة الحاسوبية، إلى أن طلب منهم شيئًا بسيطًا، وَضْعَ العامل البشري في الحسبان. تُجرى المحاكاة بناءً على المعطيات التي تقدمها أبراج الطيران، لكن ماذا عن الصدمة الأولى حين اكتشف أنه في الجو بلا محركات، فمنحوه 35 ثانيةً فحسب، كفرصة لاتخاذ رد فعل مناسب. المفاجأة أنه بعد إضافة تلك الثواني باءت المحاكاة الحاسوبية بالفشل، وأثبتت أن الهبوط في النهر كان الحل الوحيد الصحيح.

الهدف من سرد قصة الفيلم الواقعية، وبالحديث عن العوامل السابقة، ليس أن نعرف فقط لماذا يمكن ألا يتصرف من يشاهدون جريمةً تحدث أمامهم، بل لتعرف أيضًا حجم الضغط الواقع عليهم، ولتدرك كذلك «أنك لو كنت مكانهم، فليس شرطًا أن تفعل ما لم يفعلوه».

لذا فحين تتعرض لموقف مشابه، فلا تفكر في أن تتصرف ببطولة، فقط عليك ألا تفكر في الضغوط الواقعة عليك. فخطوتك الأولى ليست الهرولة لتلقي الرصاصة عن الآخر، أو دفع القاتل عن ضحيته، بل أن تُحرر نفسك من شبكة اللامبالاة التي ستقيِّدك، وأن تتدرب على أن يكون هذا التحرر سريعًا وفي وقتٍ يتناقص مع كل موقف تتعرض له.

علوم

منذ سنتين
«متلازمة ستوكهولم».. كيف يفسر علم النفس تعاطف الضحية مع الجاني؟

وإذا كنت أنت من يتعرض للاعتداء، فبالتأكيد سيبدو من السذاجة تقديم النصيحة لك، لكن على الأقل يمكنك أن تتوجه بعينيك لشخص محدد، انظر في عينيه قدر استطاعتك، واطلب منه المساعدة، فإضفاء الصبغة الشخصية على الطلب يساعد في حصولك على استجابة ورد فعل مناسب من الآخرين.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد