مقاهي القاهرة عالم فريد متشابك العناصر، يحوي الملامح الإنسانية العامة وله أيضًا سماته الخاصة جدًا، ففيها يجلس الناس حول المناضد متواجهين يتبادلون النجوى، والأحاديث والأشواق الإنسانية، وكذلك المصالح المادية وقضاء الحاجات وعقد الصفقات، وثمة من تلفه الوحدة يجلس محملقًا في الفراغ، وقد يحاول قهر وحدته بحديثه إلى جار لا يعرفه، وربما بدأت بينهما علاقة قوية قد تستمر عمرًا، وربما لم تعش أكثر من حدود اللقاء.

أجاد الأديب المصري «جمال الغيطاني» في كتابه «ملامح القاهرة في ألف سنة» عندما وصف مقاهي القاهرة بالكلمات المنمقة السابقة، فدور هذه المقاهي يتجاوز كونها مجرد أماكن للتجمع وقضاء أوقات الفراغ وتناول المشروبات، فقد نجح المقهى بوصفه مركزًا للتجمعات التي تتلاقى فيها مختلف طبقات الشعب المصري فكريًا واجتماعيًا أن يصبح شاهدًا على التحولات التاريخية والأحداث المؤثرة في التاريخ المصري.

ويتعلق معظم المصريين بالمقهى بشكل ملحوظ؛ فلكل منهم مقهاه المفضل الذي يكون موقعه في العادة قرب سكنه أو مقر عمله، المقهى بالنسبة له المكان الذي يسع ما لا تسعه البيوت من ضجيج وصخب، وأيضًا هو مكان قضاء الصفقات وإدارة الأعمال للكثير من العاملين في المهن الحرة، وفي هذا التقرير سنرتحل عبر التاريخ لاستكشاف مقاهي القاهرة والتعرف عليها عن قرب.

من تحريم مشروب القهوة إلى اتخاذ المقهى مركزًا للفنون.. تحكي لنا الكتب

عند بحثنا عن الشرارة الأولى لنشأة فكرة المقهى كمكان، لا نجد مرجعًا تاريخيًا يحسم هذه المسألة، لكن من المؤكد أن المقهى في القاهرة كان موجودًا منذ اتساع الحياة في المدينة، ولكن بشكل مختلف عما يظهر عليه اليوم وباسم آخر أيضًا، فالقهوة التي استمد منها المكان الاسم لم تدخل الأراضي المصرية إلا في القرن السادس عشر الميلادي.

يعد الشيخ الصوفي «أبو بكر بن عبد الله» الشهير بـ«العيدروس» أول من نقل مشروب القهوة إلى مصر، فقد كان خلال رحلاته يمر على شجرة البن فيأكل من ثمرها، واكتشف بالتجربة أنه يساعد على السهر ويعينه على العبادة، فداوم على أكله وشربه بل وأرشد أتباعه إليه، وعندما جاء إلى مصر عام 905 هـ، جلب معه هذا المشروب ليثير حالة من التساؤل والجدل حول هل هو حرام أم حلال؟

فقد حرم بعض العلماء القهوة؛ لما رأوا فيها من الضرر، وخالفهم آخرون من أبرزهم المتصوفة، وفي سنة 1037 هـ، زار الرحالة المغربي «أبو بكر العياشي» القاهرة، ووصف مجالس شرب القهوة في البيوت والأماكن المخصصة لذلك.

في مطلع القرن العاشر الهجري حُسمت مسألة تحريم القهوة، لتنتشر بذلك في الأماكن التي تقدمها، وأطلق عليها اسم «المقاهي»، لكن من الواضح أن هذه الأماكن كانت موجودة قبل ذلك لكن لم يُطلق عليها اسم المقاهي لأن القهوة نفسها لم يعرفها المصريون قبل ذلك، وكانت هذه الأماكن مُعدة لتناول المشروبات الساخنة الشائعة كالحلبة والكركديه، والقرفة والزنجبيل.

لم يكن الدخان أو «الشيشة» من ضمن ما يُقدم في القهوة، فلم يُعرف هو الآخر حتى القرن الحادي عشر الهجري، ويؤكد لنا المؤرخ «الإسحاقي» أن الدخان ظهر عام 1012هـ، إلا أن مشكلته كانت أكثر تعقيدًا من القهوة؛ لتمسك كثير من فقهاء المسلمين بتحريمه، وكثيرًا ما كان يُطارد مدخنوه، فيذكر لنا «الجبرتي» في تاريخه، وتحديدًا في حوادث سنة 1156 هـ أن الوالي العثماني أصدر أمرًا بمنع تعاطي الدخان في الشوارع وعلى أبواب البيوت، ونزل بصحبة الأغا وشدد بالإنكار والعقاب على من يفعل ذلك.

حدث بعض التطور بعد قدوم الحملة الفرنسية للقاهرة، فقد عرف الناس المقاهي الإفرنجية التي نشأت على يد الجنود الفرنسيين حينما افتتحوا ملهى «كيغولي» بالأزبكية، وكانت تلك المقاهي أماكن مغلقة اشتهرت بالرقص، ويقف على بابها شخص يسمح بدخول الزبائن يُدعى بـ«الخلبوص»، وعاب «الجبرتي» على بعض علماء الأزهر ذهابهم لها، ووصف ذلك بأنه رجس من عمل الشيطان.

عندما نبحث عن وصف دقيق يمكن أن يجعلنا نتصور شكل المقهى المصري، نطالع ما كتبه المستشرق الإنجليزي «إدوارد وليم لين» الذي زار القاهرة وعاش بها في مطلع القرن التاسع عشر، ودوَّن ما رآه في كتابه «عادات المصريين المحدثين وتقاليدهم»، فيروي لنا قائلًا: «إن القاهرة كان بها أكثر من ألف مقهى، والمقهى غرفة صغيرة ذات واجهة خشبية على شكل عقود، ويقوم على طول الواجهة ما عدا المدخل مصطبة من الحجر تُفرش بالحُصر، وفي داخل المقهى مقاعد متشابهة على جانبين أو ثلاثة، ويرتاده  أفراد الطبقة السفلى والتجار، وتزدحم بهم عصرًا ومساء، ويفضلون الجلوس على المصطبة الخارجية».

من الجوانب الهامة التي يذكرها المؤرخ الإنجليزي في كتابه غناء النساء في المقاهي، وكان يُطلق عليهن «العوالم»، إذ يقول عنهن: «وقد سمعت أشهر عوالم القاهرة، فأطربتني أغانيهن، بل وأستطيع أن أضيف بحق: ومن أي موسيقى أخرى تمتعت بها، ويخطئ من يخلط بين العوالم والغوازي اللاتي ينتسبن إلى بعض القبائل التي احترفت نساؤهن الرقص، وكن يدرن في الموالد، وتستضيفهن بعض المقاهي بالأزبكية».

في رحلة البحث عما ذكرته كتب التاريخ عن مقاهي القاهرة نجد في كتاب «وصف مصر» الذي أعده علماء الحملة الفرنسية حديثًا عن المقاهي في زمن الحملة تضمن معلومات إحصائية بذكره أن: «مدينة القاهرة تضم حوالي 1200 مقهى بخلاف مقاهي مصر القديمة وبولاق، إذ تضم مصر القديمة 50 مقهى، أما بولاق فيبلغ تعداد مقاهيها المائة، وليست لهذه المباني أية علاقة بالمباني التي تحمل نفس الاسم في فرنسا إلا من حيث استهلاك البن، على الرغم من أن هذا المشروب يعد ويشُرب بطريقة مختلفة، فليس في هذه المباني أثاثات على الإطلاق، وليس ثمة مرايا أو ديكورات داخلية أو خارجية، فقط ثمة منصات خشبية تشكل نوعًا من المقاعد الدائرية بطول جدران المبنى، وكذلك بعض الحُصر من سعف النخيل، أو أبسطة خشنة الذوق في المقاهي الأكثر فخامة».

من الوصف السابق نتوصل إلى معلومة أخرى وهي أن المقاهي قديمًا كانت تشبه إلى حد كبير بعض المقاهي الصغيرة التي لا تزال موجودة حتى اليوم في قرى الصعيد، فلم يكن الجلوس على الكراسي والمناضد متبعًا، ومن الأرجح أنه لم ينتشر إلا بعد إنشاء البارات المخصصة لتقديم الخمور، ولم تحدث هذه النقلة بشكل مباشر إنما سبقها نظام الجلوس باستخدام الدكك الخشبية العريضة، إذ لا يزال مقهى الفيشاوي العريق بالقاهرة، وبعض مقاهي القاهرة الفاطمية تحتفظ بدكك خشبية عريضة تتسع الواحدة منها لجلوس خمسة أو ستة أشخاص متجاورين، وتحمل الدكة الموجودة في مقهى الفيشاوي تاريخ صناعتها الذي يعود لعام 1910 م.

شهدت مقاهي القاهرة انطلاقة العديد من المغنين فقد بدأ منها بعض شيوخ الغناء العربي، ومن أشهرهم «عبده الحمولي» الذي كان يُغني في مقهى «عثمان» بحي الأزبكية، ولم يقتصر الأمر على الغناء فقط، فقد كان هناك فن «القافية» الذي يرتكز على تبادل الكلام بين شخصين يبدأ أولهما الحوار، والآخر يسأله قائلًا «إشمعنى؟»، كما يوجد فن «الأدباتية» ويظهر في شكل مونولوج بصوت فنان يبدأ كل سطر بقوله: «أنا الأديب الأدباتي».

«النصبة» مركز التحركات في المقهى

عند زيارتك لأي مقهى في القاهرة ستجد في الواجهة رفًا عريضًا فوق «النصبة»: المكان الذي تُعد فيه المشروبات، ويتضمن هذا الرف عددًا من النرجيلات، التي لم يتغير شكلها الأساسي منذ 200 عام، فقد كانت النرجيلة تتكون من عدة أجزاء، أولها الجوزة الهندية والتي حل محلها اليوم البرطمان الزجاجي الذي يوضع فيه الماء، ثم القلب النحاسي الذي يحمل الحجر المصنوع من الفخار، ويعلوه التبغ وعليه جمرات الفحم.

تميزت صناعة النرجيلة في بداية القرن التاسع عشر بأنها كانت صناعة دقيقة، وحتى اليوم هناك نماذج عديدة في دكاكين التحف القديمة بخان الخليلي تشهد بذلك، فتظهر كالتحفة الفنية بعضها صنع من الفضة والنحاس، والزجاج الثمين.

شهدت أدوات المقهى القاهري تطورًا على مر الزمان، ففي بداية القرن التاسع عشر كانت القهوة تقدم في «بكرج» أي غلاية القهوة الموضوعة على جمر في وعاء من الفضة أو النحاس يسمى «عازقي»، ويعلق هذا الوعاء في ثلاث سلاسل، ويُقدم الخادم القهوة ممسكًا أسفل الطرف بين الإبهام والسبابة، وعندما يتناول الفنجان والطرف يستعمل كلتا يديه واضعًا شماله تحت يمينه، وكانت القهوة يُضاف إليها أحيانًا الحبهان أو المستكة أو العنبر للأغنياء، أما اليوم فالقهوة تقدم في كنكة من النحاس، ثم تُصب في فناجين أو كاسات صغيرة.

تتوزع المهام في المقهى فهناك «الجرار» الذي يُرحب بالزبائن ويسألهم عن طلباتهم ويحاسبهم في نهاية الجلسة على ما شربوه، كما يتسلم الطلبات من «النصبة» بعد تجهيز «النصبجي» لها، ويُطلق على الجرار أيضًا اسمٌ آخر وهو «الماركجي»؛ لأنه يحمل قطعًا بلاستيكية متعددة الألوان «ماركات»، تعادل قيمة المشروب الذي يستلمه من «النصبة» حتى يحسب إيراده في نهاية ورديته، وتعمل معظم مقاهي القاهرة طوال الساعات الأربع والعشرين بتقسيم اليوم على ورديتين.

حتى لا تستغرب مما تسمع.. تعرف على مصطلحات المقهى القاهري

عند جلوسك على المقاهي الشعبية في القاهرة ستجد هناك مصطلحات غريبة متداولة، وربما يذهب ذهنك بعيدًا لتظن أنها كلمات مشفرة للممنوعات، لكن الأمر أبسط من ذلك بكثير، فهذه الكلمات ليست سوى مصطلحات مُتعارف عليها للمشروبات المختلفة، وحتى نُسهل عليك الزيارة القادمة سنعرفك عليها جميعًا في هذه القائمة.

أنواع الشاي في مصر أكثر مما تعتقد

بنور: وهو الشاي العادي المقدم في كوب زجاجي.

بوستة: شاي غير مخلوط بالسكر، ويقدم السكر في طبق معدني صغير، ويُطلق عليه أحيانًا «شاي سكر برا».

كشري: يُحضر بوضع أوراق الشاي الجافة في مياه مغلية مع السكر.

فريسكا: الشاي المخلوط بمقدار عالٍ من السكر، ويكون مقدار الشاي قليلًا أو «مظبوطًا».

على مية بيضا: يتطلب إعداد هذا النوع من الشاي حرفية عالية، فالكوب يأتي إليك شفافًا بلون المياه بالضبط، لكن عند تقليبه يتحول لونه للأحمر، وطريقة إعداده هي وضع الشاي أولًا وفوقه كمية كبيرة من السكر، ثم يُصب الماء على مهل.

خمسينة: يُقدم في أكواب زجاجية صغيرة وغالبًا ما يكون لون الشاي داكنًا.

صعيدي حبر: من اسمه يظهر أن مصدره صعيد مصر، ويُحضر بوضع كمية كبيرة من الشاي تجعل لون الماء يتحول إلى الأسود القريب من الحبر، وغالبًا ما يكون مغليًا مع كمية كبيرة من السكر.

لون: الشاي الخفيف جدًا ويكون لونه أحمر فاتحًا، وإذا كان مقدار السكر قليلًا يُطلق عليه «حلواني».

ميِزة: عبارة عن كوب من الحليب الصافي، مضاف إليه الشاي والسكر دون إضافة الماء.

منه فيه: شاي بحليب، لكن نصف الكوب الأول يكون عبارة عن شاي صافٍ، والنصف الآخر حليبًا.

نوبي: يُطلق عليه ذلك الاسم في حالة ما إذا كانت كمية الشاي والماء أكبر من كمية الحليب، ويوضعان على النار حتى يغليا معًا.

أنواع القهوة

إسكتو: القهوة التي تُحضر من البُن فقط من غير إضافة السكر.

على الريحة: تعد أقل درجات إضافة السكر، إذ تكون كمية السكر كما يُقال «على طرف الملعقة».

مظبوط: تكون كمية السكر فيها متوسطة.

المانو: تتوسط هذه القهوة بين السكر «المظبوط» والزيادة.

زيادة/ سرياقوسي/ كراميل: ثلاث كلمات لمشروب واحد، وهي القهوة التي تكون نسبة السكر فيها عالية.

العثمانلي: تُقدم في كوب زجاجي صغير.

البناتي: تُقدم في فناجين صغيرة.

المشروبات الأخرى

سكلانس: عبارة عن خليط بين البن والشاي ويُقدم غالبًا في أكواب كبيرة، ويُنصح بشربه لمن يعانون من الإرهاق؛ كي يساعدهم على البقاء متيقظين.

مية نار: هذا المشروب مُعد خصيصى لمن يعانون من نزلات البرد غالبًا، فهو مكون من خليط من القرفة والزنجبيل المعروفين بفوائدهما الصحية.

الحصى المغلي: يقصد به مشروب الحلبة المغلية مع الماء.

الحلبسة: هذا المشروب عبارة عن حمص مسلوق مع الماء وقليل من الطماطم، ويقدم معه شطة وليمون، ويكثر شربه في الشتاء؛ بغرض إمداد الجسم بالدفء.

مقاهٍ قديمة يفوح منها عبق التاريخ

تنتشر في شوارع القاهرة الكثير من المقاهي التي تتباين في مستوياتها الاجتماعية والثقافية، ولعب بعضها دورًا هامًا في التحولات الهامة التي عاشها المصريون؛ فقد كانت مركزًا لحركة المعارضة السياسية، إلى جانب أن منها ما كان مركزًا للأنشطة الفنية وملتقى للفنانين، ونستعرض سويًا أقدم المقاهي في القاهرة:

1- مقهى الفيشاوي

يعد هذا المقهى من أقدم مقاهي القاهرة، فتاريخ إنشائه يعود إلى عام 1797 م، وقد أسسه الحاج «فهمي الفيشاوي» الذي كان يجلس معظم الوقت عند مدخله فوق دكة خشبية عريضة تمكنه من النوم متمددًا إذا غفا، وفي يقظته يتكئ إلى مجموعة من الوسائد، ولم تكن النرجيلة تفارق يده معظم الوقت، ودائمًا ما يقف إلى يمينه جواده العربي الأصيل، الذي كان يبذل جهده للعناية به فكثيرًا ما شوهد وهو يغسله بيده، ويظهر بصحبته في الصور المعلقة على جدران المقهى حتى اليوم.

يضم مقهى الفيشاوي ثلاث حجرات الأولى تُدعى بـ«الباسفور» وهي عبارة عن حجرة مخصصة لكبار الزوار، الذين كان أشهرهم الملك «فاروق» آخر ملوك أسرة محمد علي، بالإضافة إلى كبار الضيوف من العرب والأجانب، ومقاعد هذه الغرفة من الكنب العربي المكسو بالجلد، وتُقدم المشروبات في أدوات من الفضة والكريستال.

أما الغرفة الثانية فيُطلق عليها «التحفة»؛ لأنها تتزين بالصدف والخشب المزركش والعاج والأرابيسك، بالإضافة إلى الجلد الأخضر، وبها مرآة ثلاثية مميزة وساعة حائط كبيرة ترجع إلى العصر التركي، وأشهر من جلسوا بها المغني المصري الراحل «عبد الحليم حافظ»، وأمين عام جامعة الدول العربية السابق «عمرو موسى».

يتبقى لدينا الحجرة الأخيرة وهي «القافية»، وسر تسميتها يرجع إلى أن الأحياء الشعبية في النصف الأول من القرن العشرين كان أفرادها يتنافسون فيما بينهم كل خميس من شهر رمضان في فن القافية، بوجود شخص يُمثل حيًّا من أحيائها بشرط أن يتميز بخفة الظل وسرعة البديهة وطلاقة اللسان، فكان ينطلق في الحديث ثم يرد عليه شخص يمثل حيًا آخر، وتستمر المناظرة الكلامية حتى ينجح أحدهما في إسكات الآخر، وكانت هذه الحجرة مقرًا لهذا الفن.

من أشهر رواد «الفيشاوي» الأديب المصري الراحل «نجيب محفوظ»، فعلى الرغم من تواجد مقهى بخان الخليلي يحمل اسمه إلا أنه لم ينل شهرة مقهى «الفيشاوي»، الذي توجد به كنبة يُطلق عليها كنبة «الأستاذ» كان دائمًا ما يجلس عليها بشكل يومي، وقد أكد كثير من المثقفين أن الشخصيات التي كتب عنها «محفوظ» في رواياته مصدرها جلوسه على هذا المقهى ومعايشته لما يحدث فيه.

2- مقهى ريش

عاصر هذا المقهى الذي يعود تاريخ بنائه إلى عام 1863 م، الكثير من التغيرات السياسية والثقافية والفنية، وكانت ملكيته تعود في البداية لمستشرق فرنسي، وانتقلت فيما بعد لعدد من الأجانب، حتى وصلت إلى أيدي المصريين الذين كانوا يعلمون قيمة المكان وتاريخه.

ترجع أولى الأدوار السياسية التي شارك بها المقهى إلى عام 1916 م، فكان مكان الاجتماع السري للنشطاء السياسيين قبل ثورة 1919 م، وكُتبت بداخله منشورات الثورة وتؤكد على ذلك المطبعة السرية التي عثر عليها بداخله، وشهد مقهى «ريش» طوال القرن العشرين تغيرات متعددة، من عهد الملكية إلى الحراك الثوري، وصولًا للفترة الناصرية وما بعدها.

عُقدت بمقهى «ريش» العديد من الفعاليات الهامة ففي الثلاثينيات كان منتدى الخطاب الثوري الذي كان معظم رواده من الطبقات المثقفة المتوسطة، وشهد هذا المنتدى حوارات ثورية معنية بالقضايا الوطنية المعاصرة، وكانت تُعقد في المقهى أيضًا جلسات «نجيب محفوظ» الأدبية الأسبوعية منذ عام 1962 م، وظلت تُقام كل أسبوع حتى عام 1977 م، عندما انتقل «محفوظ» لمقهى «عرابي» الكائن في «ميدان الجيش»، كما شهد المقهى إقامة ندوات الأديب «عباس العقاد»، ومن بعدها ندوات الأديب «توفيق الحكيم».

من الأمور المثيرة للاهتمام أن مقهى «ريش» منه كانت بداية عدة قصص حب تكللت بالزواج، مثل الشاعر «أمل دنقل» والصحافية «عبلة الرويني»، والشاعر «أحمد فؤاد نجم» والكاتبة «صافيناز كاظم»، بالإضافة إلى الفنان «محمد عبد القدوس» والفنانة «روز اليوسف».

كذلك مما تميز به مقهى «ريش» ارتباطه بالكثير من الأحداث الفنية الهامة، وأبرزها إنشاء أول نقابة للموسيقيين في مصر والعالم العربي في أربعينيات القرن العشرين، بالإضافة إلى تقديم فرقة الممثل المصري «عزيز عيد» مجموعة من مسرحياتهم في بهو المقهى.

3- مقهى عرابي

يقع هذا المقهى بميدان «الجيش» في وسط القاهرة والمقصود باسمه ليس الزعيم «أحمد عرابي» ولكنه «عرابي» صاحب المقهى، الذي كان من أشهر الفتوات المشهورين في أوائل القرن العشرين، فقد بلغ من سطوته أن مأمور قسم «الظاهر» كان يلجأ إليه لطلب حمايته؛ لأن أحد الأجانب هدده، وذلك خلال فترة الاحتلال البريطاني لمصر، فالأجانب حينها كانوا يحاكمون أمام محكمة خاصة.

من أشهر رواد مقهى «عرابي» الأديب الراحل «نجيب محفوظ» فقد اتخذه مركزًا لجلساته الأدبية بعد تركه مقهى «ريش» عام 1977 م، وكان يلتقي بأصدقائه القدامى وزملاء طفولته فيه كل خميس؛ ليستعيد معهم ذكرياته وقصص شبابه، إلا أنه لم يستمر في الجلوس عليه حتى وفاته؛ فقد أعاقته أزمة المواصلات عن سهولة الذهاب من بيته في حي «العجوزة» إلى المقهى في ميدان «الجيش».

4- مقهى الندوة الثقافية

ووظيفة هذا المقهى لها علاقة مباشرة باسمه فقد كان منتدى وملتقى التجمعات الفكرية لمجموعة كبيرة من الكتاب والفنانين منذ إنشائه عام 1962 م، على يد ثلاثة أشقاء عرفوا بالجودة العالية للمشروبات التي يقدمونها في مقهاهم، والذي نظرًا لهدوئه فكثيرًا ما كان يجلس عليه مشاهير الأدباء لإنجاز أعمالهم أو مقابلة أصدقائهم مثل: الروائي «جمال الغيطاني»، والناقد «فاروق عبد القادر»، والمصور السينمائي الشهير «وحيد فريد».

يتكون المقهى الواقع في شارع «الفلكي» بمنطقة «باب اللوق» بوسط البلد من قاعتين، ونظرًا لموقعه بالقرب من المقر الرئيس للحركة الاشتراكية، فإن أعضاءها كثيرًا ما كانوا يترددون عليه للنقاش في مختلف المجالات التي تهمهم وأبرزها الأيديولوجيات الاشتراكية وتطبيقها في مصر، واستمر ذلك حتى اختفاء الحركة الاشتراكية في السبعينيات.

5- مقهى الحرية

تقف وراء هذا المقهى قصة فريدة تتمثل في إنشائه على يد «يوسف أفندي» الذي كان موظفًا في شركة تقسيم الأراضي بالمعادي، بمشاركة قريبه «مرقص ميخائيل» الذي كان يعمل محاسبًا في شركة بيع أقمشة بالجملة، وكان الهدف من ذلك مساعدة قريب لهما يُدعى «نيقول» كان عاطلًا عن العمل فقررا مساعدته بإقامة مشروع تجاري يديره لهما، وبلغ رأس المال 350 جنيهًا.

اُفتُتِح المقهى عام 1936 م، وكانت منطقة «باب اللوق» الموجود فيها لا يوجد في محيطها سوى بعض الجنود الإنجليز ومساكن صغيرة للجالية الأجنبية في مصر آنذاك، مما جعل المقهى يخسر كثيرًا منذ نشأته ولستة أعوام متتالية، لكن في عام 1942م ازداد وجود القوات الإنجليزية في مصر؛ لظروف الحرب العالمية الثانية، فتردد عليه الإنجليز لجودة مشروباته وعدم غلو أسعاره، فصار مكانًا معروفًا يقضون فيه أوقات فراغهم، ومن بعدهم مختلف طبقات المجتمع المصري.

ينقسم المقهى لقسمين الأول «برلين» والذي لا تُقدم فيه الكحوليات، والآخر «باريس» ويُسمح فيه بتناول المشروب الكحولي الوحيد وهو البيرة، وكان مقهى الحرية ملتقى لتجمع الكثير من النشطاء السياسيين في فترة ما قبل ثورة 25 يناير (كانون الثاني) 2011 م، حتى إن مقولة شهيرة شاعت حول وضع الحرية في مصر خلال عهد الرئيس السابق «حسني مبارك» تقول إن: «الحرية في مصر قهوة»، لكن مع اشتعال شرارة الثورة أغلق مقهى «الحرية» أبوابه بداية من يوم جمعة الغضب 28 يناير (كانون الثاني)، ثم عاد للعمل بعد انتهاء الأحداث.