بعد مجيء المماليك انتشرت قصور الأمراء و«البكوات» في منطقة القلعة وما جاورها، واستمرّ تطوُّر النسق العمراني في عصر «محمد علي باشا»

مرت مدينة القاهرة منذ نشأتها بالعديد من التحولات العمرانية، فبدأت كحصنٍ ملكيّ أنشأه الخليفة الفاطميّ «المعز لدين الله» عام 969، وعزله بالأسوار عن باقي طبقات المجتمع في الفسطاط، وتوسط ذلك الحصن قصور الخلفاء الفاطميين، ولكن في عصر الأيوبيين تكاملت القاهرة بقصورها مع باقي مناطق المدينة.

وبعد مجيء المماليك انتشرت قصور الأمراء و«البكوات» في منطقة القلعة وما جاورها، واستمرّ تطوُّر النسق العمراني في عصر «محمد علي باشا»، وظهر ذلك في تصاميم القصور التي امتلكها، بالإضافة إلى قصور أبنائه وأحفاده، وأيضًا قصور النخب السياسية الجديدة من باشوات تلك المرحلة.

والسائر في شوارع القاهرة اليوم ستجذب انتباهه مباني العديد من القصور الأثرية، والتي تعتبر جزءًا من تاريخ العمارة المصرية، وتحكي قصص الشخصيات الهامة التي سكنت بها، والذين كانوا معظمهم من الأمراء والباشوات، مما انعكس على فخامة طرازها المعماري، ومظاهر البذخ والثراء الظاهرة الواضحة في المقتنيات الأثرية الموجودة بداخلها، وفي هذا التقرير سنأخذكم في جولة سياحية للتعرف على أهم هذه القصور.

1- «قصر الزعفران» كان مسرحًا لأحداث هامة في التاريخ المصري

في عهد «الخديوي إسماعيل» بني هذا القصر على أنقاض «قصر الحصوة»، الذي بناه «محمد علي باشا»، وكان يتألف من خمس بنايات، وقد سمي بالحصوة نسبة إلى منطقة «العباسية»، والتي كانت تعرف قديمًا بهذا الاسم، حتى أصدر «عباس باشا الأول» أمرًا في عام 1851 بإلغاء «الحصوة»، وتعمير المنطقة ليصبح اسمها «العباسية» نسبةً إليه.

وفي عام 1864 اشترى الخديوي إسماعيل القصر ليعيد بناءه، وأسند إلى وكيل وزارة الأوقاف آنذاك المهندس «مغربي بك سعد» مهمة تصميم القصر الجديد، وسبب اختيار هذا المهندس بالتحديد؛ لأنه كان ضمن البعثة الهندسية التي أوفدها الخديوي إلى فرنسا، وكان الخديوي يريد أن يكون قصره على غرار قصر «فرساي»، والذي يعتبر من أهم القصور الملكية في فرنسا.

وظل القصر مكانًا لإقامة «الخديوي إسماعيل» إلى أن أهداه لوالدته المريضة «خوشيار هانم» في عام 1872، عندما مرضت ونصحها الأطباء بالإقامة في مكان به هواء نقي، ولم يكن هناك أفضل من هذا القصر المبني وسط حديقة مزروعة بنبات الزعفران، والمعروف برائحته العطرية الجذابة.

وكانت المرة الأولى التي يدخل فيها «قصر الزعفران» تاريخ الأحداث المصرية عام 1882، بعد هزيمة عرابي، ووصول طلائع الجيش الإنجليزي إلى القاهرة، حيث طلب «الخديوي توفيق» من جدته «خوشيار هانم» إخلاء القصر لإقامة الضباط الانجليز، ولكنهم قاموا بالاستيلاء عليه، وطردوا من يعمل به من الخدم، وبدلًا من أن يقيموا عدة أشهر كما كان مقررًا لهم، امتدت مدة إقامتهم لتصل إلى خمس سنوات، وعند رحيلهم كانت حالة القصر في غاية السوء، ولذلك طلب الأمير «حسين كامل» سلطان مصر من القائد الإنجليزي أن يدفع تعويضًا عن مدة إقامتهم بالقصر خمسون جنيهًا عن كل شهر، ولكن لا توجد وثائق تؤكد أن الانجليز دفعوا ذلك التعويض.

ومن الأحداث التاريخية الهامة الأخرى التي شهدها القصر توقيع «المعاهدة المصرية البريطانية» عام 1936، والتي جرت مفاوضاتها بين رئيس وزراء مصر آنذاك «مصطفى النحاس»، مع المندوب السامي البريطاني «مايزلامبسون لورد كيلرن» داخل القصر، وما زالت المنضدة التي وقعت عليها المعاهدة موجودة حتى اليوم بصالون القاعة الرئيسية، وتعرف هذه المعاهدة في المراجع والوثائق الإنجليزية باسم معاهدة «الزعفران» نسبة إلى القصر.

وفي عام 1950 أصبح «قصر الزعفران» مقرًا لجامعة «إبراهيم باشا»، والتي تغير اسمها في عام 1954 مرتين، لتعرف باسم جامعة «هليوبوليس»، ثم جامعة «عين شمس»، واتخذت كلية الحقوق بالجامعة من الطابق الأول مقرًا لها، وشغلت إدارة الجامعة الطابقين الثاني والثالث.

ويتميز القصر بجمعه بين الطرازين «القوطي»، و«الباروكي»، وهما من أهم الطرز المعمارية التي كانت تستعمل بكثرة في قصور القرن التاسع عشر، ونشاهد في داخله مجموعة من العناصر الزخرفية النادرة، ومما يلفت انتباهنا سلم البهو الكبير المصنوع من النحاس المطلي بطبقة من الذهب الفرنسي، والذي حين يقف الزائر على درجاته ناظرًا إلى الأعلى، سيرى سقف القصر مصنوعًا من الزجاج البلوري المعشق بألوان زاهية، يغلب عليها اللون الأزرق.


2- «قصر عابدين» على غير المعتاد: «السلاملك» و«الحرملك» في طابق واحد

أطلق على هذا القصر لقب «جوهرة القصور الملكية»؛ لتميزه بالتراث الكلاسيكي، ومنافسته في معماره للقصور الأوروبية، ويرجع اسم القصر إلى «عابدين بك»، أحد القادة العسكريين في عهد «محمد علي باشا»، والذي كان يمتلك قصرًا صغيرًا مكان القصر الحالي، فاشتراه «الخديوي إسماعيل» من أرملته وهدمه وضم إليه عدة ممتلكات حوله، واستمر الخديوي في شراء الأملاك المجاورة، وفي خلال 10 سنوات وصلت المساحة المخصصة لبناء القصر إلى 24 فدانًا.

وصاحب التصميم المعماري الفريد للقصر هو المهندس الفرنسي «دي كوريل ديل روسو»، وبدأت عمليات البناء في عام 1863، واستغرق إتمامها 10 سنوات، ليُفتتح القصر في عام 1874، ووصلت تكلفة بنائه إلى 100 ألف جنيه ذهب.

ويبلغ عدد غرف قصر «عابدين» 500 غرفة، تتوزع على طابقين، ويضم الطابق الأرضي مقر الحرس الخديوية، والمخازن، ومكان إقامة الخدم، وأما الطابق العلوي فيشتمل على «السلاملك» وهو المكان المخصص لاستقبال الضيوف من الرجال، و«الحرملك» والمخصص لإقامة الخديوي وأسرته، وكان هذا يُعد مخالفًا للتقاليد المعمول بها في مصر وإسطنبول آنذاك.

ومن أهم الأجنحة التي يتضمنها القصر «الجناح البلجيكي»، والذي كان مخصصًا لإقامة ضيوف مصر في زياراتهم الرسمية، وسُمي بذلك الاسم لأن ملك بلجيكا هو أول من أقام فيه، ويضم هذا الجناح سريرًا يعتبر من التحف النادرة، حيث حفرت عليه زخارف بديعة، ورسومات يدوية مُتقنة.

وتوجد حاليًا في القصر 5 متاحف هي: متحف الأسلحة، ومتحف الأوسمة والنياشين، ومتحف الفضيات، ومتحف هدايا رئاسة الجمهورية، ومتحف الوثائق التاريخية، وهناك خط زيارة واحد يربط هذه المتاحف ببعضها البعض، ويمر من خلاله الزائر بحدائق القصر.


3- «قصر السكاكيني» يعكس فخامة الطراز الإيطالي ويوجد في حديقته 300 تمثال

يعود تاريخ بناء «قصر السكاكيني» إلى عام 1897، ولاحقًا عُرف محيط القصر بحي «السكاكيني»، والواقع في منطقة «الظاهر» المزدحمة بوسط القاهرة، ويمكن أن يمر الزائر بهذه المنطقة اليوم دون أن يلحظ وجود القصر؛ لاختفائه وسط مجموعة كبيرة من الأبنية المتهالكة، ومعاناته من الإهمال الشديد.

وصاحب القصر يُدعى «حبيب باشا السكاكيني»، وهو من أصل سوري، وقد عمل في البداية موظفًا بشركة حفر قناة السويس، وبعدها اتجه إلى القاهرة للعمل في مجال المقاولات، وذاع صيته ووصل للخديوي إسماعيل، والذي أعجب بقدراته فأمره أن يعمل في بناء الأوبرا الخديوية، تحت قيادة المعماري الإيطالي «بيترو أفوسكاني»، واقترح «السكاكيني» على الخديوي أن يتم العمل بنظام 3 فترات في اليوم، ومدة كل فترة 8 ساعات، مما ساعد في افتتاح الأوبرا في موعدها المحدد يوم 19 نوفمبر 1869، وأصبح «السكاكيني» بعد تحقيق هذا الإنجاز من الأثرياء وامتلك العديد من العقارات، وكان من المقربين إلى الخديوي والسلطان العثماني.

وكانت الأرض التي بني عليها القصر يوجد بها بركة تسمى «بركة قراجا التركماني»، وهو أحد أمراء مماليك السلطان «الناصر محمد بن قلاوون»، وحصل عليها السكاكيني عن طريق المزاد، ويعتقد أنه كانت هناك بعض التسهيلات له من الخديوي، وقام بعد شراء الأرض بتجفيف البركة، ورصف الشوارع المحيطة بها، ليبدأ في بناء قصره.

ويظهر على القصر من الخارج ملامح الطراز الإيطالي، والسر وراء ذلك أن «السكاكيني» كلف شركة إيطالية ببنائه، واشترط عليها أن يكون قصره نسخة مطابقة لقصرٍ شاهده في إيطاليًا، ويتكوَّن القصر من خمسة طوابق، ويحتوي على 50 غرفة، ويحيط به سور حديدي، وحديقة صغيرة بها حوالي 300 تمثال، وأهمهم تمثال نصفي لحبيب باشا السكاكيني بأعلى المدخل الرئيسي للقصر.


4- «قصر البارون» القصر الذي لا تغيب عنه الشمس!

شيَّد هذا القصر المليونير البلجيكي «ادوارد إمبان»، عام 1906، وأتى «إمبان» من الهند إلى مصر في نهاية القرن التاسع عشر، وكان ملك فرنسا قد منحه لقب «بارون» تقديرًا لمجهوداته في إنشاء مترو باريس، حيث كان «إمبان» مهندسًا متميزًا، بالإضافة إلى امتلاكه عقلية اقتصادية فذة، مكنته من إقامة العديد من المشروعات التي جلبت له الكثير من الأموال، ومن أهمها بنك «بروكسل» في بلجيكا، وكانت أهم هواياته السفر والترحال، ولذلك سافر إلى الكثير من الدول وانتهى به المقام في القاهرة، والتي عشقها لدرجة أن وصى أن يدفن في ترابها حتى لو توفي خارجها.

وبعد إقامته في القاهرة عرض «البارون إمبان» على الحكومة المصرية فكرة إنشاء حي في صحراء شرق القاهرة اختار له اسم «هليوبوليس»، وتعني هذه الكلمة «مدينة الشمس»، وكانت هذه المنطقة تفتقر إلى المواصلات والخدمات، وحتى يستطيع جذب الناس إلى ضاحيته الجديدة قام بإنشاء ترام «مصر الجديدة»، والذي كان لا يزال يعمل حتى وقت قريب.

وفي نفس المنطقة التي قرر أن يعمرها، قرر أن يقيم القصر الذي سيسكن فيه على مساحة 12.5 ألف متر، واستلهم تصميمه المعماري الفرنسي «ألكساندر مارسيل»، من معبد «أنغكور وات» في كمبوديا، ومعابد «أوريسا» الهندوسية في الهند، ويظهر التأثير المعماري لهذه المعابد في شرفات القصر الخارجية المحمولة على تماثيل الفيلة الهندية، والعاج المنتشر في الداخل والخارج.

ومن روائع اللمسات المعمارية في القصر أنه صُمم بطريقة تجعل الشمس لا تغيب عن حجراته وردهاته طوال النهار، واسُتخدم في بنائه المرمر والرخام الإيطالي، والزجاج البلجيكي البلوري، وبداخله برج يدور على قاعدة متحركة دورة كاملة كل ساعة، وكان الطابق الأخير هو المكان المفضل للبارون لتناول الشاي في وقت الغروب، حيث كان يجلس ويتأمل الحديقة المحيطة بالقصر الممتلئة بالزهور والنباتات النادرة.

ويتكون القصر من طابقين، ويحتوي على 7 حجرات فقط، رسم على بعض جدرانها لوحاتٍ عالمية من أعمال «دافنشي»، و«مايكل آنجلو»، و«رامبرانت»، وصُنعت أرضياتها من الرخام الإيطالي، أو البلجيكي، وتتزين حوائط دورات المياه بالفسيفساء الملونة الجذابة، ومن مقتنيات القصر الأثرية، ساعة قديمة من الذهب والبلاتين يُقال إنه لا يوجد مثلها إلا في قصر «باكنجهام» الملكي بلندن، وتتميز بتوضيح تغييرات أوجه القمر، ودرجات الحرارة.


5- «قصر الأمير محمد علي» تجتمع فيه الفنون المعمارية الإسلامية

يتميز قصر الأمير «محمد علي» بن «الخديوي توفيق» بمنطقة «المنيل»، عن بقية قصور القاهرة بأنه يضم كل طُرز الفنون المعمارية الإسلامية، من مملوكي، وعثماني، وأندلسي، وتم إنشاؤه في الفترة من عام 1901 حتى عام 1923، وقام الأمير محمد بوضع التصميمات الهندسية والزخرفية للقصر بنفسه، وأشرف على كل الخطوات التنفيذية.

وتبلغ مساحة القصر الكلية حوالي 61711 مترًا مربعًا، متوزعة كالآتي: خمسة آلاف متر للمباني، و34 ألف متر للحدائق، و22711 متر للطرق الداخلية، وتظهر في سرايا القصر الفنون والزخارف المعمارية الرائعة للطرز الإسلامية المختلفة، كما تضم غرفه العديد من التحف النادرة.

ويبدأ زائر القصر من عند مدخل القصر وواجهته المتأثرة بالفن الإيراني، ليدخل من البوابة ويمر أولًا على «سرايا الاستقبال»، والتي تزين جدرانها صور 30 سلطانًا من سلاطين الدولة العثمانية، ثم يذهب إلى «برج الساعة» وهو بناء مصمم على الطراز الأندلسي، كتب عليه بالخط الكوفي، ويحتوي على ساعة بعقارب على هيئة أفاعي.

وبجوار مبنى الساعة يوجد المسجد الخاص بالأمير محمد علي، والذي شيده على الطراز العثماني، ومن المباني التي سيشاهدها الزائر أيضًا: «سرايا الإقامة» والتي خصص الأمير الطابق الأرضي منها لصالات الاستقبال والطعام والمكتبة، وأما الطابق العلوي فكان للنوم، ويليها «سرايا العرش» والتي تضم مجموعة من حجرات الاستقبال الفخمة.

وتحتوي حديقة القصر على مجموعة من الأشجار، جمعها الأمير محمد علي من شتى أنحاء العالم، ومن أبرزها: أشجار التين الهندي، والجوز، والبن، والمانجو، والجوافة، بالإضافة لأنواع متميزة من النخيل مثل النخيل الملكي ذي الجذوع البيضاء.

وفي عام 2005 أغلق القصر للقيام بأعمال الترميمات، والتي شملت جميع بنايات القصر، بالإضافة إلى إعادة تركيب السقف الأثري بسراي العرش، والذي سقط نتيجة عوامل الزمن، واستغرقت عملية الترميم عشر سنوات، ليعاد افتتاحه للزوار في مارس (آذار) 2015.

عرض التعليقات
s