خلال الأسبوعين الماضيين، انتشر على موقع التواصل الاجتماعي «فيسبوك» مقطع فيديو مدتة حوالي 12 دقيقة، لشيخ كفيف البصر، يُقدّم أداءً صوتيًا أوبراليًا، بصحبة أوركسترا «كايرو ستيبس»، بقيادة «سباستشان مولر» في دار الأوبرا المصرية.

ألهب المبتهل والمنشد «إيهاب يونس» مشاعر آلاف من محبي الموسيقى، وفن الإنشاد الديني، على مواقع التواصل الاجتماعي، بعد أن فوجئ الكثيرون بأداء قوي لشيخ أزهري مُعمم، قد يُشاهده البعض لأوّل مرة، بالرغم من حفلاته المتواصلة التي يُقدمها في أوروبا، والشرق الأوسط.

وقف الشيخ إيهاب في خشوع لمدة ست دقائق، بقي فيها صامتًا على خشبة مسرح الأوبرا، في انتظار انتهاء المقدمة الموسيقية لأوركسترا «كايرو ستيبس»، والعزف المنفرد الذي قدمه كل من عازف العود ومؤسس الأوركسترا، «باسم درويش»، وعازف الساكس، «سباستشان بوركوسكي»، وعازف آلة الفلوت الأرمينية المسماة بالدودوك، «راجيد ويليام»، والذين قدموا فيها مع الأوركسترا المكونة من 15 عازف، تنويعة موسيقية جديدة للحن قديم كتبه منذ أكثر من 100 عام، عازف البيانو والموسيقار الفرنسي «إيريك ساتي»، تحت عنوان «Gnossienne No 1».

ويُسمى عازف العود ومؤسس أوركسترا كايرو ستيبس، باسم درويش، في أوروبا بـ«سفير الموسيقى المصرية»، وقد اشتهر بألحانه التي جمع فيها ألوانًا موسيقية مختلفة، ما بين الإسلامية والنوبية والقبطية، مع إيقاعٍ من ذكر الموالد أحيانًا، وبإلهامٍ من شعر «ابن الفارض» أحيانًا أُخرى.

وكان درويش قد سافر إلى ألمانيا لدراسة علم المصريات وعلم الأعراق، ومن هناك بدأ في احتراف الموسيقى، مُؤسسًا فرقته التي نالت شهرة واسعة، بعد تعاونها مع الشاعر الحائز على نوبل، «جونتر جراس»، وقبلها كان قد تعاون درويش مع الشيخ «متقال»، والمطرب «محمد منيز»، والموسيقار الحائز على جائزة «جرامي»، «فتحي سلامة».

شيخ أزهري

كايرو ستيبس (المصدر: Virtualnights.com)


أصوات من السماء

بدأ الشيخ إيهاب في الإنشاد بإيقاع هادئ، لكنه راسخ، في البداية لقصيدة «يا مالكًا قدري» من التراث الصوفي، وبدأ مع عود باسم درويش، وإيقاعات «ماكس كلاس» و«هاني الصواف»، وبيانو «سباستشان مولر»؛ ليخلقوا مزيجًا من الرهبة والخشوع ساد الأجواء.

يعيد الشيخ إيهاب إنشاد أول بيتين من القصيدة مرة أخرى بصحبة دودوك «راجيد»، لكن بطبقة صوت أعلى، وبتنغيم مستطرد وانتقالات مختلفة بين طبقات صوتية متعددة، كـ«تينور» متمكن (والتينور أعلى الأصوات الرجولية في المجال الوسطي)، بقدرة لا تقل عما كانت لدى الإيطالي أندريا بوتشيلي، الذي تتلمذ على يد من يُعتبر أسطورة في الأوبرا، الإيطالي أيضًا، لوتشانو بافاروتي.

شيخ أزهري

أندريا بوتشيلي (المصدر: Culturalweekly.com)


يا مالكًا قدري..وقدرك لا يدركه سواك

إن جئتُ بابك عاجزًا..أنا لست أملك إلا ذاك

يا خالقي حبي لذاتك..ليس يعلم سواك

وإذا احتجبت جلالة..فبعين حبي أراك

فارحم من الأشواق قلبًا كم يحن إلى لقاك

على أوتار الشوق

وعلى مقام مختلف، تتقدم آلة القانون مع العازف «راجي كمال»؛ لتصاحب الشيخ في البيتين الثالث والرابع، مستثيرة أشواق المستمعين. يبدأ الشيخ في الاهتزاز طربًا، ويعلو صوته، وتنفتح عيناه، وهو يأخذ الشطر الأخير من البيت الرابع «فبعين حبي أراك» إلى أبعد مدى في الشعور.

ويختم يونس بالشطر الأخير، مستطردًا في تنغيم جملة «كم يحن إلى لقاك»؛ ليضع المستمعين في ذروة المتعة، التي جعلت الجميع ينهض في دار الأوبرا مستقبلًا الشيخ والفرقة بعاصفة طويلة من التصفيق، شاركهم فيها العازفين الأوربيين والعرب الذين بدت على وجوههم ابتسامة تقدير، في عيونهم لمعة دموع الانبهار والتأثر.

شيخ أزهري

(المصدر: Cairo Steps)

مال الشيخ ناحية الجمهور بجسده، منصتًا للتحية، وعلى وجهه تبدو ابتسامة رائقة، وعلى ما يبدو لم يُطرب الشيخ «إيهاب يونس» فقط لتحية الجمهور له، وإنما شعر بالسعادة لتقدير الجمهور للفن الذي يُقدّمه، والذي أخذ على عاتقه إحياءه، وأنشأ لذلك مدرسة كاملة لتعليم فن الإنشاد الديني، الذي يعتقد هو أنه كان على وشك الانقراض، بعد رحيل آخر منشدي الجيل الذهبي، الشيخ «محمد عمران»، بداية التسعينات.

ويُعد حفل «كايرو ستيبس» واحدًا من أهم الأحداث الموسيقية التي تُقدّم في العالم العربي في العقد الأخير، مع المزيج بين الثقافات الغربية والشرقية، على يد مجموعة محترفة من الموسيقيين.

عرض التعليقات
تحميل المزيد