كل حاكم مؤسس لنظام جديد كان له جامع شهير، فوجدنا جامع عمرو بن العاص بعد الفتح الإسلامي لمصر، وجامع أحمد بن طولون حينما انفصلت مصر عن تبعيتها للدولة العباسية، ثم الجامع الأزهر أهم ما أنشأه الفاطميون.

وخرجنا من حديثنا عن مساجد الولاة في الجزء الأول من السلسلة ومساجد الفاطميين في ثانيها بأهمية الجامع وما يمنحه من شرعية للحكام.

وكانت كثرة جوامع المماليك تأكيدًا على تلك الفكرة لا العكس. فمع أكثر فترة تولى فيها حكام، ومع حكام كانوا في الأصل عبيدًا، فاقدين للثقة بأنفسهم، وجدنا في زمن المماليك عددًا من الجوامع الفخمة لم يحدث أن بُني مثلها في تاريخ الدولة المصرية منذ الفتح الإسلامي لها.

وهذه بعض من أبرز مساجد فترة المماليك.

1) جامع المؤيد شيخ


بني ذلك الجامع على سجن الشمائل، ذلك السجن الذي سجن فيه صلاح الدين أغلب حكام الفاطميين، وهو نفسه السجن الذي قبض فيه السلطان المؤيد شيخ باني ذاك الجامع. وهو من أكثر الجوامع التي تحمل معنى تأكيد الشرعية، فقد بناه المؤيد شيخ بعد خلعه للخليفة العباسي وتعيين نفسه سلطانًا للبلاد.

الجامع يقع على باب زويلة أشهر أبواب القاهرة، ومئذنتاه كانتا في الأصل منارتي باب زويلة. ويحكي المقريزي أن المؤيد شيخ بدأ في بناء جامعه سنة 1415م. كما قيل أن باب الجامع هو باب جامع السلطان حسن وقد استولى عليه المؤيد شيخ لجامعه.

وقد هدم جزء من الجامع حينما احتمى به بعض الثائرين أثناء الحكم العثماني فضربهم الوالي أحمد باشا، حتى رمم مؤخرًا.

2) جامع السلطان حسن


درة مساجد القاهرة وعصر المماليك، صممه المهندس محمد بيليك المحسني ليكون واحدًا من أجمل وأفخم مساجد العالم. عندما صمم الجامع كان ذا أربع مآذن، إلا أن واحدة لم تُبنَ بالأساس وأخرى وقعت سنة 762هـ.

بدأ بناء الجامع سنة 1356م في حضور بانيه السلطان حسن ابن السلطان الناصر محمد بن السلطان قلاوون. وقد تكون شهرة الجامع خير دليل لما عاناه السلطان حسن، فقد تولى الحكم وعمره 13 عامًا إلا أنه نظرًا لصغر سنه أناب عنه الأمير بيغاوس في حكم البلاد، وعندما بلغ وقرر اعتقال بيغاوس انقلب عليه ونصب أخاه الصالح صالح بدلًا منه.

إلا أنه فر من معتقله واستطاع بتأييد شعبي الرجوع لحكم البلاد، لكن هذا لم يدُم طويلًا فبعد 7 سنوات فقط انقلب عليه الأمير يلبغا الخاصكي وسجنه. ويُحكى عن السلطان حسن أنه كان حازمًا وشجاعًا ومنزهًا عن نقائص المماليك.

وقد بلغت الأراضي التي أوقفها السلطان حسن لبناء هذا الجامع ما يزيد عن ال10 آلاف فدان.

وكان هناك بيمارستان (مستشفى) ملحق بالجامع يعمل فيه طبيبان، أحدهما باطني والآخر للعيون، وكان يشترى للجامع يوميًا 40 رطلًا من الشمع الأبيض.

ولأنه يقع في مواجهة القلعة فسرعان ما كان يتخذه المماليك ملجأً لهم حال المواجهة، حيث يصعدون لسطحه بمدافعهم ويتناوبون الضرب من القلعة ومنه. ورغم أنه كان هدفًا للفرنسيين أثناء ثورة القاهرة الأولى والثانية فقد ظل صامدًا.

3) جامع البنات


تقول الحكاية الشعبية أنه في وقت ما من زمن المماليك زهد الشباب في الزواج وانتشرت العنوسة لأسباب غير معلومة، فلجأت البنات في البداية لنصائح الكبار والوصيفات، ثم أقدموا على تزينهم ليستطيعوا لفت الانتباه، لكن كل ذلك لم يغير من الأمر شيئًا، حتى ظهر أحد دروايش القاهرة لهم بالحل.

وهي نصيحة مفادها “أنه إذا دخلت البنت من الباب الأمامي لجامع الأمير فخر الدين عبد الغني أثناء صلاة الجمعة سترزق بالزواج”. وهو ما سبب التدافع من البنات وقت صلاة الجمعة من كل أسبوع في ذلك الجامع، وكان سبب تسميته بجامع البنات.

وباني الجامع هو الأمير فخر الدين بن عبد الغني، واحد من أشهر وزراء الحكم المملوكي اللذين اشتهروا بالطغيان والتجبر على المصريين، فنهب وظلم خلال وزارته ما جعل السلطان يأمر بعزله، لكنه طلب الوساطة، وعاد وزيرًا من جديد بعد أن تعلم الدرس، فكان ينهب لكن يعطي جزءًا مما يسرقه ويستولي عليه للسلطان، وبذلك ضمن عدم إيذائه.

المصادر

كتاب القاهرة جوامع وحكايات حمدي أبو جليل
عرض التعليقات
تحميل المزيد