اقترح فريق دولي من العلماء، مشروعًا دوليًا كبيرًا؛ لإنشاء لتصنيع «الجينوم» البشري، في خُطوة ـ ربما تكون ـ مُثيرةً للجدل، وتفتح أبواب تساؤلات أخلاقية وقانونية؛ حول مبدئها.

ومنذ سنوات عديدة، أنتجت «هوليوود» فيلمًا بعنوان الجزيرة (the island)، والذي دارت فكرته عن قيام علماء بإنتاج نسخة بشرية كاملة عند الطلب، بمعنى أنك تطلب إنتاج «نسخة كاملة منك»، يُحتفظ بها في موقع سري؛ بحيث يمكنك استخدامها كقطع غيار لأي جزء أو عضو من جسدك يصيبه التلف، والآن على ما يبدو، فإن المبدأ العلمي وراء هذه الفكرة الغريبة، التي عرضها الفيلم، أصبح تنفيذه في الواقع، مُحتملًا.

اجتماع سري في هارفارد

قبل نحو ثلاثة أسابيع، عقد 130 من علماء، ورجال الأعمال، وقادة سياسيين، اجتماعًا مُغلقًا، وبدعوات حضور محددة، في جامعة «هارفارد»؛ لمناقشة خطة طموحة لإنشاء الجينوم البشري الاصطناعي. الآن، وبعد موجة من الانتقادات؛ بسبب السرية التي أحيطت بهذا الاجتماع، نشر المشاركون فكرتهم؛ ليعلنوا أنهم بصدد طرح مشروع للتقليل كثيرًا من التكلفة الخاصة بتصنيع الجينوم البشري، ما يُعد تطورًا ثوريًا في مجال التكنولوجيا الحيوية. وقد تمكن العلماء من استنبات أعضاء بشرية تستخدم في عمليات نقل الأعضاء.

وأشار 25 من العلماء البارزين في مجال الجينوم والجينات البشرية، والذي حضروا هذا الاجتماع، عبر مقالة نشرت في «مجلة العلوم»، إلى أن مشروع الجينوم البشري الأصلي (يقصد به مشروع معرفة كامل المحتوى الجيني للإنسان)، قد اعتبر مثيرًا للجدل من قبل البعض في ذلك الوقت، لكن الآن أصبح هذا المشروع يوصف بأنه «واحد من أكبر الاستكشافات العلمية، والتي أحدثت ثورة في مجالي العلوم والطب».

وقال العلماء إنه «بعد إتمام مشروع الجينوم البشري الأصلي بنجاح، وقراءة جميع الجينات الموجودة في جسم الإنسان، فقد حان الوقت الآن لمشروع الجينوم البشري ككتابة»، أي تخليق جينوم كامل جديد، هذا المشروع سيكلف ـ بالطبع ـ مليارات الدولارات.

والجينوم البشري، هو كامل المادة الوراثية للإنسان، والمكونة للحمض النووي (DNA).
ويحتوي هذا الجينوم على ما بين 20 إلى 25 ألف جين. ومشروع الجينوم البشري، هو مشروع بحثي، بدأ رسميًا عام 1990، وأُعلن عن نتائجه عام 2000، ويتعلق بمعرفة كامل ترتيب الجينات البشرية كلها.

جينوم

الشيفرة الوراثية للإنسان بطريقة مبسطة


إشادة بالمشروع الجديد

أشاد علماء آخرون بهذا المشروع، الذي وصفوه بالطموح، مشيرين إلى أنه ينبغي أن يؤدي إلى ثورة في مجال الطب، مُؤكدين أن هذا المشروع، لا يعني أن هناك دعوة لإنتاج إنسان كامل. المشروع الجديد الذي يطلق عليه اسم «مشروع كتابة الجينوم البشري» أو (HGP-write)، سيكون الهدف منه إيجاد حلّ لبعض التحديات الصحية التي تواجه الإنسان.

وتشمل التطبيقات المحتملة، إنتاج واستنبات أعضاء بشرية قابلة لتعويض الأعضاء التالفة من جسم الإنسان، والمساعدة على هندسة مناعة الإنسان ضد «الفيروسات» على مستوى الخلايا، عن طريق إعادة «ترميز الجينوم» على نطاق واسع. أضف إلى هذه التطبيقات المساعدة على هندسة مقاومة السرطان لإنتاج وسائل علاجية جديدة، وتسريع الإنتاجية العالية، للقاحات الفعالة من حيث التكلفة، والمساعدة على تطوير مجال تصنيع الدواء.

مشاكل أخلاقية

وقد أطلقت فكرة إعادة الكتابة، والتعديل، على الجينوم البشري، العنان للكثير من الجدل؛ فالمشروع يحمل في طياته احتمال وجود علاج لأمراض وراثية، ولكنه أيضًا يثير المخاوف من احتمال محاولة التعديل الوراثي على الأطفال؛ لتغيير طريقة نظرهم لبعض الأمور، أو لجعلهم يمتلكون بعض السمات والصفات التي من المفترض أن تكون مفيدة.

وقد وافقت المقالة المنشورة في مجلة العلوم، على إمكانية وجود مُعوقات أخلاقية تتعلق بفكرة إنتاج الجينوم الصناعي، والتي يجب على العلماء تجنبها عند البدء في هذا المشروع. وجاء في المقالة ما نصه «بعض التطبيقات الخاصة بهذا المشروع ستكون مثيرة للجدل؛ ففكرة التغيير والتعديل على مستوى الجينات ـ على وجه الخصوص ـ أثار جدلًا أخلاقيًا مكثفًا بين العلماء».

جينوم

هل ينجح العلماء في تخليق جينوم بشري كامل؟

وكما يبدو أن فكرة تخليق جينات بشرية على مستوى كامل المحتوى الجيني للبشر، أصبحت تتحول إلى أمر يمكن تحقيقه على نحو متزايد، فإن جهدًا علميًا منسقًا بغرض فهم ومناقشة وتطبيق التقنيات الهندسية الخاصة بكامل المحتوى الجيني هو أمر نحتاجه بشدة الآن، قبل التفكير في البدء بالمشروع؛ ففي السابق كان العلماء يتعاملون مع إنتاج الجينات بشكل فردي، كل جين يمكن إعادة تخليقه بصورة فردية؛ لأغراض طبية معينة، لكنهم لم يسبق لهم محاولة إنتاج جميع الجينات كما توجد في جسم الإنسان، والتعديل عليها بالكيفية التي يرونها.

فكرة مشروع كتابة الجينوم البشري ستتطلب إشراك الجمهور في المناقشة، والنظر في الآثار الأخلاقية والقانونية والاجتماعية منذ البداية. وبالطبع فيجب توفير أعلى معايير السلامة الإحيائية لتقود المشروع من بدايته، بالإضافة إلى سلامة العاملين في المختبرات، والمشاركين في البحث.

وفي حديثه لصحيفة «الإندبندنت» البريطانية، قال «جون وارد»، أستاذ «البيولوجيا الاصطناعية» في جامعة «لندن»، إن «هذه الدعوة الجديدة لحمل السلاح، تهدف إلى تطوير الطرق اللازمة لبناء قطاعات أكبر وأكبر، من الحمض النووي، حتى نصل إلى مرحلة إنتاج (كروموسوم) كامل، ثم إلى إنتاج محتوى جيني بشري كامل. وذكر أن الهدف الأساسي للمشروع سيكون تخليق الجينوم البشري الكامل من الصفر».

ويرى وارد، أن فكرة هذا المشروع تعتبر جريئة جدًا بنفس جرأة مشروع الجينوم البشري الأصلي، وأشار إلى أن العلماء الخمسة والعشرين الذين اقترحوا هذا الأمر، أقروا ـ بالفعل ـ بأن المشروع الجديد سيواجه جدلًا واسعًا، مثل الذي واجهه مشروع الجينوم البشري الأصلي.

لكنه أضاف، أنه في الوقت الحالي، أصبح من المقبول جدًا أن مشروع الجينوم البشري الأصلي، فتح، وعلى نحو متزايد، إمكانية الوصول لعلاجات طبية جديدة في الأمراض الوراثية البشرية والسرطان بشكل واقعي، قائلًا «نحن سنجني فوائد من هذا لعقود قادمة». وذكر أن مشروع الجينوم البشري الأصلي، لم يكن أمرًا مثيرًا للجدل بشكل واسع، كما كان البعض يعتقد.

وأوضح وارد أهمية هذا المشروع، قائلًا إن «صنع قطع أكبر من الكروموسومات البشرية، ووضعها في الخلايا المضيفة في الأطباق المخصصة لنمو البكتيريا، سيمكننا من فهم أكثر عمقًا لطبيعة وظائف جميع الجينات وأجزاء الحمض النووي غير المرمزة»، يقصد بها وجود جينات معينة لا تحمل شيفرة تؤدي إلى إنتاج هرمون أو إنزيم ما، وبالتالي لا يعرف العلماء وظيفة مثل هذه الجينات بالضبط».

واختتم حديثه قائلًا «في الطريق إلى الهدف النهائي من هذه المبادرة الجديدة سيكون هناك عدد لا يحصى من العلاجات الجديدة لعلاج الحالات الطبية المختلفة، من الأمراض الوراثية، وحتى العدوى الفيروسية»، مُؤكدًا أنه ليس هناك دعوة لإنتاج إنسان كامل تمامًا، كما لا يوجد أي دفع للقيام بذلك مع الدراسات الحالية باستخدام الأجنة البشرية.

عرض التعليقات
تحميل المزيد