إسطنبول، أيوب سلطان، الثامنة مساءً

أقف أمام إحدى بوابات الجامع المهيب متأملًا في الزخرفة المنقوشة بدقة هندسية بالغة جارية على جزء من الحائط بآية (سلامٌ عليكم طبتم فادخلوها خالدين)، تنتشر الزخرفات في كل مكان، ما بين (إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابًا موقوتًا)، و (وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين)، لكن إحداهن أخذت مني وقتًا طويلًا لقراءتها، كنت أتتبعها كما لو كانت أعقد متاهة مرسومة رأيتها في حياتي، بعد خمس دقائق من التدقيق الطفولي لشخص ليس بمتخصص فهمت أنها (والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وإن الله لمع المحسنين)،  كانت لذة الاكتشاف جديرة بكل الجهد، وكانت الكتابة ممتعة كأجمل لوحة من الممكن أن يراها أحد.

(جامع أيوب سلطان، اسطنبول)

 

يعتبر الخط العربي أحد أهم مكونات الفن الإسلامي، ترف فني بالغ الجمال وصلت أنواعه إلى ثمانين نوعًا وهو ما لم يوجد في أي فن آخر أيًا كان نوعه، ساعد على ذلك اللغة العربية نفسها وتميزها بحروف متصلة في أكثر الكلمات والأحيان، اتصالٌ يعطي المجيدين لها إمكانية التلاعب ورسم الحروف بأشكال ورسومات عديدة، الأهم أن الحضارة العربية المزدهرة وكتداعٍ طبيعي لقوتها فرضت نوعًا من الاهتمام الشديد بلغتها الأساسية (العربية الفصحى) مما استدعى اهتمامًا بطريقة الكتابة التي تحولت إلى شبه مقطوعة موسيقية وتعطي إشباعًا نفسيًا وإمتاعًا للخطاط والرائي على سواء.

بدايته كانت بسيطة ومقصورة على أنواع قليلة حتى وقت الدولة الأموية التي كان لها تعليمات صارمة فيما يخص مكاتباتها الرسمية ولزوم كونها على ورق أو نسيج من قماش كما يشرح الدكتور بركات محمد مراد، مع اهتمام الدولة بها كان ازدهار فن الخط حينها شيئًا أساسيًا، بدأت الأشكال والزخارف المتنوعة في الظهور مع هامش ابتكار اتسع تدريجًا ليتحول إلى القلب الصلب للكتابة العربية مما ساهم في وسمها كفن مستقل بذاته.
كان الخط العربي في بدايته شيئًا موحدًا وبسيطًا، بالتدريج وبمرور الوقت تحول إلى أنواع وأشكال مختلفة بأقلام متنوعة، وأصبحت المدن ما يميز الخط اسميًا فوُجد الخط ( الكوفي / الشامي / المكي / المدني) وغيرهم، ثم تطورت الأمور أكثر إلى أنواع أخرى مع التغيير الذي حدث للقصبة (القلم) ونوعها وحجمها مع اختلاف المادة المكتوب عليها أيضًا، فصار هناك ( الثلث / خفيف الثلث / الطومار / الرقاع / المحقق / الديواني / الفارسي) وغيرها من الأنواع.

ربما ندر أن يحتوي فن على كل هذه التفاصيل، من أهميته المستمدة من لغة ذات ثقل ديني بالغ، ومن دمجه بين الهندسة (استعماله للدوائر والمثمنات والمنحنيات بمقاييس دقيقة) وبين الرسم (استعماله للأشكال النباتية من توريق وتضفير)، ومن استعماله بمختلف الأحجام بمرونة تامة سواء كنقوش عملاقة في المساجد والمباني الأثرية القيمة أو كفن من أشهر وأهم فنون المنمنمات التي برعت فيها الحضارة العربية بشكل خاص، ومن الإبداع في تتابع الأحرف العربية وكلماتها وإنشاء علاقات غاية في البهاء والابتكارية بينهم.

ككل فن وكل منتج حضاري يتعلق الأمر بازدهار أو اضمحلال هذه الحضارة، لذلك فقد مر الخط العربي – ومازال – بفترة ركود طويلة يساهم فيها بشدة تراجع الدور الحضاري للعرب مع التغريب الحادث للجميع بنسب مختلفة متوسطة على أقل التقديرات، فالفن الذي كان عنصرًا رئيسيًا في الحياة الإسلامية حيث نجد الخطوط والزخارف في القصور والبيوت والمساجد كأماكن تعبد ودراسة والحوانيت (المتاجر) وعلى الملابس وأدوات الطعام والأسلحة، هذا الفن الذي كان متوغلًا بشدة في روتين الحياة الإسلامية اليومية أضحى الآن هامشًا لا يلتفت إليه بما يليق به، مع تحولٍ هوياتي ضخم ناحية الحضارة الغربية في كل شيء تقريبًا.

منذ بضعة سنوات، أخذ مجموعة من الشباب – بحد تعبير أحدهم – على عاتقهم إثبات مرونة الخط العربي ومحاولة دمجه في تسارع التكنولوجيا الحالي واستخدامها لتطوير الخط وإرجاعه لمكانته اللائقة بما يوازي هويتنا الأساسية، نتج عن ذلك دمج الرسم وبرامج التصميم الحديثة وعدد لا متناهٍ من الألوان والأفكار غير المألوفة بالخط العربي، مازال حاتم متكلمًا وقائلًا إن هذا فعَّل صحوة وضخ دماءً جديدة ساهمت في لفت الانتباه مرة أخرى لأحد ركائز الحضارة العربية الأصيلة.

هذه قصة ثلاثة منهم، ثلاثة يجمع بينهم خيط متين ينتهي بهم جميعًا على اختلاف حيواتهم لعشق الخط العربي.

(1) المُهنـدس

(رب أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت عليّ وعلى والدي وأن أعمل صالحًا ترضاه وأدخلني برحمتك في عبادك الصالحين)

 

ربما كانت البداية لهاشم مع حصص الخط المدرسي في الابتدائية حيث مادة لا أهمية لها بأي شكل يعطيها معلم لا يجد أي تقدير من أي نوع بالتأكيد، يبدو هذا منطقيًا بشكلٍ كافٍ في نظام تعليم لا يهتم بالمواد الأساسية نفسها، لكن هاشم كان مفتونًا بالحروف بشكل جعل أستاذه المتوفي (عصام محمود) يظنه مختلفًا ويشجعه.

هاشم الحلبي، الذي اقترب من عقده الأول كمهندس لم يكن ليظن أن الشغف سيعود إليه ثانية، لكن البداية كانت من عند حاتم عرفة الذي سنعرف فيما بعد أنه عامل مشترك في كل تلك القصص.

(اللمة)، نشاط ثقافي مصري وصل أوجه في أوائل عام 2013 ليصبح النشاط الأول مصريًا حينها، كان يقام في ستة عشر محافظة وأربع دول عربية وفي واشنطن، ولمة القاهرة بمفردها والتي كانت تقام في مسجد السلطان حسن استقطبت أعدادًا من الشباب بلغت في بعض الأحيان الثلاثمائة، كان هدف اللمة الرئيسي هو جمع أكبر عدد ممكن من الشباب وإعطائهم المعلومات في موضوع معين في أي مجال بأسلوب مبسط يساعد في فتح آفاق جديدة أمامهم، يساعدهم في الحياة.


يحكى هاشم عن أن اللمة قررت في وقت ما استضافة حاتم لتقديم لمة للشباب عن الخط العربي، هاشم، الذي كان مازال متأثرًا بكلمات كتبها حاتم عن والده الخطاط على الفيسبوك، أصر على حضور اللمة، يبدو هنا تأثير الأنشطة الثقافية الشبابية واضحًا، تنتهي اللمة وهاشم متخذًا قراره بالعودة الكاملة لممارسة الخط مرة أخرى، مع طفولة مليئة بتقليد ونسخ خطوط القرآن الكريم وأغلفة روايات مصرية للجيب في الثمانينيات والتسعينات وممارسة الكتابة على أي شيء كان الشغف بداخل هاشم موجودًا، كل ما ينقصه دفعة بسيطة فقط.

بدأ يركز أكثر، وقرر الالتحاق بورشة عمل يقدمها الخطاط (حاتم عرفة) بشكل دوري منتظم، بحد وصف هاشم نفسه الحرفي فإن ورشة حاتم كانت بمثابة ماء منهمر على ورود قاربت على الذبول، فعرفة كانت لديه المهارة الكاملة لتقديم الجديد وإعادة الشغف حتى بالنسبة لشخص يتقن الخط العربي بشكل ما كهاشم.

(فنادى في الظلمات أن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين)

 

قرر هاشم ألا يكتفي بذلك، سجل في مدرسة الخط العربي التي تعاني كغيرها من إهمال وزارة التربية والتعليم المصرية “التي قاربت على إغلاقها في وقت ما رسميًا”، وبعدها بدأ دور التكنولوجيا واستخدام مواقع التواصل الاجتماعي للتواصل مع عدد أكبر من البشر وعرض أعماله عليهم، وهو ما يفعله حاليًا بانتظام على صفحته على الفيسبوك مساهمًا في نسف فكرة اقتصار الخط على تترات المسلسلات العربية القديمة ولافتات مواسم الانتخابات.
هاشم الحلبي (مهندس الصيانة الميكانيكية) قرر أن يبدأ في القريب تنظيم ورش خط عربي للأطفال، إنه يرى أن الخط ليس خطًا فقط، وإنما مجموعة من عادات أصيلة تساهم فيما بعد في تشكيل شخصيات سوية إن أحبته منذ صغرها، وهو شيء – بعد التأمل فيه – ليس بالمستغرب.

(2) سحر التصميم

ترسم على أي شيء يقابلها تقريبًا، باب حجرتها، شنطة يدها، غطاء هاتفها المحمول، وأوراقها المليئة بالسحر بالتأكيد، لم يبد تصميم (أحلام) ساحرًا فقط، بل كان معبرًا أكثر، بليغًا في ربط الصورة بالكلمة، إحساس تشابك الأحلام وتعقيدها الذي لم يخلق من لم يمر به على الإطلاق.
بدأت رحلة (دعاء عرابي) منذ طفولتها مع والدها الذي كانت تهوى تقليد خط يده الماهر بشدة، مع ممارسة سنوات وصلت لمرحلة حب الخط والشغف به، خريجة كلية التربية الفنية لجامعة حلوان والتي اتجهت للعمل كمصممة جرافيك لمدة تجاوزت السبع سنوات الآن، انتهجت طريقًا جديدًا تمامًا عن السائد وقررت دمج التصميم بالخط العربي بشكل بديع وغير مألوف.
وكالعادة بصمة (حاتم) نجدها هنا أيضًا!

تحكي دعاء عن حبها للخط ورغبتها الشديدة في حضور ورشة خط عربي في إحدى سنوات الكلية لكن ذلك لم يحدث، منذ أقل من عام سمعت عن ورشة الرسم بالكلمات لحاتم عرفة وقررت حضورها، كانت تذاكر حينها ما يقدمه حاتم كأن حياتها متوقفة عليه كما قالت، وتحاول بقدر الإمكان أن تحيي شغفها بالخط مرة أخرى.


بعد انتهاء الورشة كانت تبحث عن أسلوب جديد، يدها المعتادة تلقائيًا على الرسم بدأت في دمج التصميم بالكلمات، تخطط للكلمة ثم تعطيها تلك الكلمة فكرة الرسمة حولها، لذلك تبدو كل رسوماتها تقريبًا مترابطة بشدة بكلمات تلك التصميمات.
هذا الأسلوب ميزها تمامًا في أوساط الخطاطين التقليديين، أبدى خطها العربي تطورًا كبيرًا ربما فاجئها هي نفسها، بشكل ما، بدت الكلمات وكأنها تنطق على اللوحات.

تحلم دعاء بأن تكون مدرسة فنية قائمة بذاتها، بعملها الخارج من نطاق الخطاطين وفي نفس الوقت يشترك معه، المميز أن هذا الحلم لا يبدو صعبًا بعد إنجازاتها في شهور معدودة جدًا، من مؤسسة Reclaimed Good الفيتنامية التي أخذت منها إحدى تصاميمها لتطبعها على ملابس ثم تتبرع بها لمؤسسة خيرية في أفريقيا تدعى (Books For Africa)، أو الدعوة التي تلقتها للمشاركة بأعمالها في معرض (MIHL) الإسباني الفني المعروف، أو أحد طلاب جامعة في صربيا طلب منها إعادة نشر تصميم في إحدى المجلات هناك، أو طلبة كلية التربية الفنية الذين يستخدمون رسوماتها وخطها كمشاريع دراسية لهم.

بكل ذلك، لا تبدو دعاء بذلك البعد أبدًا.

(3) الأسـتاذ

لا يبدو على هذا الطفل أي نوع من أنواع التعاسة، السعادة الغامرة تشمله، عيناه المعلقتان على جزء من الحائط، ورقة صغيرة وضعها والده منذ فترة، خضراء مكتوب عليها (الحمد لله) بلون ذهبي يتألق في ظلام الليل إلا من مصباح أصفر بسيط منعكس ضوئه عليها.
والده الخطاط، والذي قرر أن يضع هذه الورقة لتخفي عداد الكهرباء ورائها، لم يكن يعلم أو يتصور أن شغف الطفل سيحركه للتعلق بالانعكاس الذهبي لرسم الأحرف ونقلها كل ليلة بلا ملل، التسلق لأعلى، جلب الورقة بحذر الأطفال المحبب، محاولة نسخ ما فيها ثم إعادتها لمكانها والهروب بالإنجاز الكبير.
بعدها تعلم ذلك الطفل ألا يضطر لجلب الورقة في كل مرة ونسخ ما فيها بدون لمسها، كان ذلك إيذانًا بتطوره الذي سنعرفه فيما بعد من سنين، أما بالنسبة له فكانت الراحة القصوى من تسلق كل ليلة، مع متابعته لتترات برنامج (العلم والإيمان) المكتوبة بالخط العربي، ومراقبته لنفس الوالد وهو يبسط سحره على الورق أمام عينيه.
طفلٌ اسمه (حاتم).

كم مرة تم ذكر اسم (حاتم عرفة) أعلاه في سطور التقرير؟!
يبدو أمرًا صعبًا أن يكون شاب في سن حاتم ملهمًا بهذا الشكل في مجال لا يحظى بأي اهتمام عام، وأن يكون عاملًا مشتركًا بين عدد كبير من الشباب المتقنين للخط العربي المجددين فيه الآن.

(حاتم عرفة)، السائر بسخريته دائمًا من كل شيء، شاب عشريني كان في كلية التجارة حتى العام الثالث، قرر بعد انتهاء عامه هذا أن يترك كل شيء، وأن يأتي لتركيا لمتابعة شغفه الأول والأخير بالخط العربي، ليدرسه هنا ويتعلمه ويتقنه، وكان حاتم قد بدأ ورش الرسم بالكلمات واستمر يقدمها في مصر لمدة عامين قبل أن يستقر بإسطنبول، كانت دروسه في أربع محافظات مصرية وخرج منها عشرات الشباب محبين للخط العربي مقدرين له وواضعين أقدامهم على بداية الطريق.
لحاتم ميل خاص للخط الديواني الذي استخدمه وطوعه لخدمة أسلوبه الجديد في (الرسم بالكلمات)، مع إيمانه الكامل بدور التكنولوجيا الحديثة في تسهيل عملية إرجاع الخط العربي لرونقه القديم ووضعه كفنّ شديد الأهمية، وبدأ يتجه الآن للتركيز على الخط الكوفي الهندسي في طبيعته والمتعلق أكثر بالزخارف دقيقة وحادة الخطوط في غالبها.

يمكن إرجاع جزء كبير من فضل إحياء رونق الخط العربي بين الشباب لحاتم، لا أبالغ لو قلت (وتعريفهم به أيضًا) فعدد كبير لا يعرف الخط العربي ولا أهميته، دمجه ما بين الرسم والخط والتصميم واستخدام منصات التواصل الاجتماعي بنجاح وتقديمه لورشه بأساليب جديدة غير معتادة كلها أمور ساهمت في تكوين تركيبة حب عدد لا يستهان به من ذوي الأعمار العشرينية للخط العربي واهتمامهم به، وهو عامل مشترك لدرجة أنني لم أسأل أحدًا مهتمًا بالخط العربي حاليًا من دائرة الأصدقاء إلا وأشار إلى حاتم بشكل ما.

يقضي حاتم وقتًا كبيرًا الآن بجانب ورشه في مكتبة إرسيكا التي تحتوي على عدد هائل من مصنفات الخط العربي الحديث منها والنادر، يطمح لبدء دراسته الأكاديمية على نهاية العام، ويريد بما استطاع أن ينقل شغفه بالخط بعد دراسته لأكبر عدد يستطيع أن يصل إليه.

الخط العربي ليس مجرد فن عابر أو تقليدي يمكننا التعامل معه بشكل روتيني، بل هو أحد علامات الهوية العربية الأصيلة المتغلغلة في تفاصيل وثنايا الحياة اليومية القديمة، وأحد أكثر الفنون العالمية تنوعًا وثراءً كما قال الباحث الأكاديمي بابادوبلو من قبل، وهو جمال لا ينفد يُكتشف فيه كل يوم جديد.

عرض التعليقات
تحميل المزيد