طفل من اليرموك ينتظر ملء وعائه بالطعام

يبعد “مخيم اليرموك” أكبر المخيمات الفلسطينية بسوريا عن مركز مدينة دمشق تقريبا 10 كم، ويبعد هذا المخيم عن مقومات الحياة الأساسية مسافة لا تقدر بالزمن الذي بدأ في يوليو 2012 عندما أحكم نظام بشار الأسد حصاره للمخيم.

في “اليرموك” تموت الناس من كل أسباب الموت، من الجوع والمرض والأسلحة والحزن والقهر ومن أكل الكلاب والقطط، في اليرموك يغيب كل ما يمت للحياة بصلة، فالحصار يترافق مع انقطاع تام للكهرباء والاتصالات ومنع دخول المواد الغذائية، ومع استمرار القصف وعدم توقفه .


صور النشطاء والإعلاميين تظهر بعضًا من المشاهد المؤلمة، كصور لأطفال صغار يصرخون من الجوع، و مقطع لأم تطعم أطفالها مما وجدته في حاوية القمامة، أو صورة لجثث طفل وأبيه ماتا من التسمم الناتج عن استهلاك مواد غذائية فاسدة أو فيديو لشاب يقنص على معبر اليرموك ليتم إسعافه على دراجة هوائية وسيلة الإسعاف الأسرع في اليرموك هذه الأيام.

والأرقام التي تمكن من توثيقها توضح أن (2202) ضحية فلسطينية قضت منذ بداية الأحداث في سورية حتى الرابع عشر من الشهر الماضي. أما شهداء الجوع فحسب مجموعة “العمل من أجل فلسطينيي سورية” هناك (143) لاجئًا فلسطينيًا قضوا بسبب نقص التغذية والعناية الطبية جراء الحصار المشدد المفروض على مخيم اليرموك.

كيف حوصر المخيم

فلسطينيون في مخيم لجوء جديد

فلسطينيون في مخيم لجوء جديد

لقد دفع الفلسطينيون في سوريا وتحديدًا في مخيم اليرموك ثمنًا باهظًا ، بعد أن كانوا الأحسن حالًا بين اللاجئين الفلسطينيين في الدول العربية، فبعد اندلاع الثورة السورية قبل نحو ثلاث سنوات دخلت بعض مجموعات المعارضة السورية المسلحة إلى اليرموك تقاتل ضد نظام الرئيس بشار الأسد، ثم حاصر الأسد المخيم في 10تموز/ يوليو 2012، وأغلق جميع المداخل باستثناء المدخل الشمالي، ثم أحكم نظام الأسد حصاره في 17 تموز يوليو 2013، مانعًا دخول المواد الغذائية والطبية للمخيم

ومن بين 160 ألف فلسطيني كانوا يقيمون في مخيم اليرموك اضطر نحو 130 ألفًا منهم للنزوح منه، فيما عانى الباقون من حصار قاسٍ، ومن مجاعة أدت إلى استشهاد العشرات منهم.

شهادات موجعة

مرضى من مخيم اليرموك

الكثير من الحكايا الموجعة تصل من سوريا وما خفي أعظم، الجوع في مخيم اليرموك على وجه التحديد يلاحق الصغار والكبار، هؤلاء باتوا يشتهون رغيف خبز، معلقة دواء تشفي مريضهم.

من الشهادات التي نشرتها وسائل الإعلام، ما قالته سيدة فلسطينية من مخيم اليرموك تدعى أم أحمد، تقول هذه السيدة أن رؤية رجل أو امرأة يسقطون على الأرض في الشارع شيء مألوف وعادي، ومشاهدة أطفال في الشوارع يبحثون عن أي شيء قابل للأكل أصبح أيضا مشهدًا عاديًا “.

ويقول أب من مخيم اليرموك: “غدًا سأبحث عن الأوراق المتبقية في شجرة تين قريبة لنطبخها، لكنني سأسبق أولادي في تناولها، لأحميهم من أي ضرر”، أما الطفلة إسراء ابنة الثامنة من العمر فتبحث بين الأنقاض عن بقايا الخبز والكعك، وكل ما تحلم به هو كعكة صغيرة فقط.

ويقول طفل آخر من اليرموك: “بدنا خبز…بدنا كهرباء..نحن نعيش على الشورباء والحشائش (التي تأكلها) الأبقار”.

في لبنان وجع جديد

طفلة تحمل رغيف خبز تنديدًا بجوع اليرموك

نشرت صحيفة الأوبزرفر، قبل أيام قليلة تقريرًا عن معاناة اللاجئين الفلسطينيين الفارين من مخيم اليرموك بسوريا إلى لبنان، ونقلت شكواهم من معاملة النظام السوري الوحشية لهم. و ذكرت الصحيفة إن الكثيرين من اللاجئين الفارين من مخيم اليرموك يعتقدون أن المخيم سيكون شاهدًا على الجرائم التي ارتكبت في الفلسطينيين تمامًا مثلما تشهد صبرا وشاتيلا على ما فعلته مليشيا مسيحية كانت متحالفة مع إسرائيل.

ونقلت الصحيفة شهادة عن فلسطينية تدعى “أم سمير” أنها لم تكن تتوقع أن يحدث لهم ذلك كله، فالعديد من الذين بقوا في المخيم ماتوا جوعًا، وتضيف: “لم أكن أتوقع أن يفعل النظام السوري ذلك بشعبنا. سقط القناع الآن” ، أما زوجها فيقول أنهم هربوا في جماعات صغيرة، واضطروا إلى ترك الأولاد خوفًا عليهم من الموت.

الاستشهاد تحت التعذيب

نشطاء يرفعون مجسمات تمثل شهداء

أساليب قذرة كشفتها صور مسربة لجثث نال منها تعذيب لم يخطر على بال بشر، كانت على أيدي قوات الأسد، وفي مارس الماضي قالت مجموعة “العمل من أجل فلسطينيي سوريا” إن عدد اللاجئين الفلسطينيين الذين قضوا تحت التعذيب في السجون السورية منذ بدء الثورة وحتى نهاية شهر فبراير الماضي بلغ (150) شخصًا. و قالت المجموعة إن فريق التوثيق لديها أحصى وجود (400) معتقل من اللاجئين الفلسطينيين في سورية.
و في أبريل الماضي وحده وصلت معلومات مؤكدة باستشهاد أربع فلسطينيين من اليرموك تحت التعذيب، أحدهم الشهيد وسيم أبو زينة، الشهيد مهندس معلوماتية اعتقل من داخل حرم كلية الهندسة المعلوماتية بدمشق، واستشهد أيضا أحمد طه من أبناء مخيم اليرموك، تحت التعذيب بعد أن اعتقل يوم 2/2/2014 بعد خروجه من المخيم لاستكمال دراسته.

واثنان آخران قضوا تحت التعذيب هما أحمد يوسف عزيمة وباسل يوسف عزيمة من أبناء مخيم اليرموك، ويذكر أنه تم اعتقالهما منذ حوالي العام. كما قضى الشاب محمد منصور من سكان مخيم اليرموك تحت التعذيب في سجون النظام السوري.

تعثر المساعدات

لاجئون من اليرموك ينتظرون المساعدات

أكثر من 18 ألف فلسطيني محاصرون الآن في اليرموك، هؤلاء يقضي عليهم الجوع ونقص الأدوية واحدًا تلو الآخر، هؤلاء بأمس الحاجة إلى حفنة قمح أو كوب لبن لصغارهم.

فبعد أشهر طويلة من المفاوضات الدولية والحقوقية مع نظام بشار الأسد وممثلي اللاجئين تم الاتفاق نهاية العام الماضي بالسماح بدخول الإمدادات الغذائية إلى المخيم. وشكلت لجنة من مختلف الفصائل الفلسطينية في المخيم وتفاوضت مع المسلحين المتحصنين فيه.

وفعلا دخلت أول شحنة من الإمدادات الغذائية في 18 يناير الماضي، ثم سمح لبعض السكان بمغادرة المخيم لأسباب إنسانية عبر مخرج أكثر أمنًا في الجزء الشمالي من المخيم وصولًا إلى المناطق التي تسيطر عليها الحكومة السورية.

ومنذ وُقع الاتفاق وعملية دخول المساعدات لليرموك تواجه عرقلة متواصلة لقوافل المساعدات الإنسانيّة، وهذا ما دفع مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان إلى اعتبار إعاقة المساعدات الإنسانية للمدنيين الذين في أمس الحاجة لها “جريمة حرب” ، وأعلنت المفوضية أن تجويع المدنيين كأسلوب من أساليب القتال محظور بموجب القانون الدولي ويمكن أن يكون بمثابة جريمة حرب.

وأعلن الناشط الإعلامي في مخيم اليرموك رامي السيد، أن الوضع الإنساني في اليرموك عاد ليتدهور مجددًا، بعد تحسنه في الفترة الأخيرة، ونقلت “الأناضول” عن السيد قوله أن المساعدات لم تكن كافية وأغلبها نفذت، وبشكل خاص أنها متوقفة منذ نحو أسبوعين، ولم يقدم شيء للمحاصرين داخل المخيم، بسبب منع قوات النظام السماح لها من إتمام عملها.

وذكر السيد أن عملية توزيع المساعدات في المخيم تشهد عرقلة من قبل قوات نظام بشار، ومليشيا القيادة العامة (الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين-القيادة العامة) لعمل الهيئات الإغاثية والمنظمات الدولية التي تحاول توزيع المساعدات وتخفيف الوضع المتأزم.

حملات إغاثية

طفلة ترفع يافطة في فعالية لنصرة اليرموك

بعد أن أطلق السوريون والفلسطينيون نداءات واستغاثات على الشبكة العنكبوتية انطلقت حملات كثيرة في عدة أماكن في العالم للتضامن مع مخيم اليرموك حملت عنوانًا موحدًا في الغالب وهو “هنا مخيم اليرموك”، وشارك بها أجانب وعرب في عديد من العواصم العالمية، وانتشرت فيديوهات ورسوم كاريكاتيرية وصور تعبيرية للتنديد بسياسة التجويع.

يقول الناشط الشبابي منذر عميرة، أن مستوى حملات الدعم لليرموك لا تزال أقل من المستوى المطلوب، على صعيد جمع التبرعات وحشد الناس للمشاركة الفعالة، ويضيف عميرة: “أطلقنا العديد من الحملات لكن التقصير ما زال عاليًا جدًا على المستوى الرسمي والشعبي، و التفاعل الشعبي خجول جدًا”.

سيناريوهات متوقعة

طفلة عربية تناصر أهل اليرموك

 يستعرض تقدير استراتيجي لمركز الزيتونة للدراسات والاستشارات ثلاث سيناريوهات متوقعة لوضع لمخيم اليرموك، أول هذه السيناريوهات “التهدئة وتحييد المخيم” ، ويذكر التقرير أن هناك توافقًا ظاهريًا على هذا السيناريو لدى الأطراف المختلفة حيث توجد رغبة بتحييد الفلسطينيين والمخيمات عن الصراع الدائر وألا يُستخدموا كأداة لأي طرف.
أما السيناريو الثاني فهو “استمرار الصراع” الذي يفترض أن يتم تغليب المصالح الجيو-استراتيجية أو الميدانية لدى أطراف النزاع على الجانب الإنساني أو الخصوصية الفلسطينية للمخيم، والتعامل مع المخيم كجزء من الجغرافية السياسية للصراع؛ وكأحد أوراق الضغط المستخدمة.
ويفترض السيناريو الثالث والأخير “حسم الصراع لأحد الطرفين” أي أن تتحقق السيطرة الكاملة على المخيم ومداخله ومخارجه لأحد الطرفين؛ وهو ما قد يعني إنهاء الحصار وعودة أعداد من المهجرين وعودة الحياة بدرجة أو بأخرى.

ويؤكد التقدير أنه بغض النظر عن تلك السيناريوهات فإن السعي يجب أن يستمر لحماية ما تبقى من وجود فلسطيني في سوريا، وتحييده عن المشاركة في القتال، والعمل الجديّ للتوصل إلى توافقات وتفاهمات مع أطراف الصراع، من أجل جعل المخيمات مناطق آمنة لسكانها، ومدّها بكل أسباب الحياة ومقوماتها، تمهيدًا لعودة من تهجروا منها وتقطعت بهم السبل داخل سورية وخارجها.

عرض التعليقات
تحميل المزيد