تشهد سوق السيارات في مصر تطورات كبيرة منذ بداية يناير (كانون الثاني) الجاري، وذلك بعد إعلان إلغاء التعريفة الجمركية –زيرو جمارك- على السيارات الأوروبية القادمة إلى مصر، إذ كان أغلب المشترين تقريبًا في انتظار ما سيحدث بعد رفع الجمارك، وهو الأمر الذي أصاب السوق بركود كبير قبل بداية 2019، ولكن مع بداية العام الجديد وإعلان أسعار ما بعد رفع الجمارك؛ لم يتغير الوضع كثيرًا، فالركود ما زال مستمرًا، بل زاد على السابق، وصاحبه حالة كبيرة من السخط بسبب أن التخفيضات جاءت مخيبة للآمال، وهو ما دفع الكثيرين إلى الترويج للحملة القديمة الحديثة «خليها تصدي» (اتركها تصدأ) في إشارة إلى مقاطعة عمليات شراء السيارات، وتركها للصدأ.

«خليها تصدي».. البداية من مصر والنجاح في الجزائر

بدأت هذه الحملة في مصر منذ أكثر من ثلاث سنوات، وتحديدًا في أكتوبر (تشرين الأول) 2015، ثم توقفت بعد فترة من الانتشار على مواقع التواصل الاجتماعي؛ لأنها لم تلق رواجًا كبيرًا في مصر، وبالتالي لم تؤثر في سوق السيارات حينها، لكنها عادت وظهرت بالاسم نفسه في الجزائر والمغرب وتونس، خلال الأشهر الأولى من 2018، ففي مارس (آذار) الماضي انتشرت الحملة بقوة في الجزائر، من خلال مواقع التواصل الاجتماعي، والحملات الميدانية على حدٍّ سواء.

أزمة الدولار تُلقي بظلها على سوق السيارات في مصر.. ومواطنون: «خليها تصدي»

وحققت الحملة صدى واسعًا في الجزائر، وأربكت سوق السيارات؛ ما دفع بعض التجار إلى خفض الأسعار، فيما راجعت عدة شركات أسعارها، خاصة بعد انضمام بعض نوّاب البرلمان الجزائري للحملة، وهو ما تحدثنا عنه تفصيلًا خلال هذا التقرير: «خليها تصدّي».. حملة الجزائريين لمحاربة «بارونات» السيارات، ومع النجاح التي حققته الحملة في الجزائر انتقلت العدوى إلى المغرب وتونس لكنها لم تحقق نجاحًا يذكر كما حدث في الجزائر.

Embed from Getty Images

لكن مع عودة الحملة إلى النشاط في مصر مرة أخرى يأمل كثيرون أن تحقق نجاحًا حقيقيًّا هذه المرة، خاصة أن الأسعار قد تضاعفت منذ الحملة الأولى، والتي كانت قبل تعويم الجنيه المصري في نوفمبر (تشرين الثاني) 2016، إذ قفزت أسعار السيارات في ظل انهيار العملة المصرية بعد التعويم، فهل تستطيع هذه الحملة إحداث تغيير حقيقي في أسعار السيارات بمصر؟

ماذا يريد مؤسسو حملة «خليها تصدي»؟

بات عشرات الآلاف الآن إن لم يكن مئات الآلاف على مواقع التواصل في مصر يتابعون ويروجون للحملة، ففي الوقت الذي يزيد عدد متابعي صفحة الحملة القديمة «حملة خليها تصدي» على 185 ألفًا، يقترب عدد أعضاء مجموعة خليها تصدي_زيرو جمارك (ضد جشع توكيلات السيارات) من 450 ألفًا، وهي النسخة الجديدة للحملة التي زاد نشاطها مؤخرًا، وبعيدًا عن أن هناك حاليًا صراعًا بين مؤسسي الحملة القدماء والجدد، لكن في النهاية تبدو الأهداف واحدة.

دليلك لفهم تحرير سعر الدولار الجمركي في مصر

إذ يرى كل المشاركين تقريبًا في هذه الحملة أن الأسعار في مصر تختلف عن الأسعار في الخارج، لذلك فأول هدف هو التوصل إلى متوسطات محددة مقبولة لهامش ربح الوكلاء والموزعين والتجار، بهدف ضبط تلك الصناعة والنشاط التجاري، بالإضافة إلى التنسيق مع هيئة حماية المستهلك لضبط السوق وحماية المستهلكين من الاستغلال، فبحسب الحملة هناك زيادة تتراوح بين 15- 20% في أسعار السيارات بالرغم من قرار إلغاء الجمارك على السيارات الأوروبية، وهذه الزيادة على حد تعبيرهم، بسبب جشع الوكلاء والتجار وطمعهم.

مؤسس حملة «خليها تصدي» في مداخلة هاتفية مع الإعلامي عمرو أديب، يشرح الهدف من الحملة.

إذًا الأمر محصور بين إيجاد سعر عادل لقيمة السلعة، والقضاء على استغلال العملاء من جهة التجار، وضبط إيقاع الأسعار، ووجود رقابة حقيقية على السوق، لكن في المقابل يرى موردو السيارات وتجارها أن الأرقام التي تروجها الحملة مغلوطة، فبحسب حسين مصطفى، المدير التنفيذي السابق لرابطة مصنعي السيارات، فإن الحملة لديها بيانات وشهادات مغلوطة وغير صحيحة عن أسعار السيارات، موضحًا أنه بالرغم من أن الجمارك أصبحت صفرية على بعض السيارات، لكن هناك ضرائب مفروضة على السيارات؛ مثل ضريبة القيمة المضافة، ورسم التنمية، وضريبة الجدول، ناهيك عن تحرير الدولار الجمركي مؤخرًا، الذي ساهم مساهمةً كبيرةً في إرباك السوق.

هل تنجح الحملة في خفض أسعار السيارات في مصر؟

في الوقت الذي يتداول فيه النشطاء بالحملة صورًا لوثائق ومستندات لفواتير شراء سيارات من الخارج، بعد إضافة رسوم الجمارك والضرائب إليها، ويظهر فروق بالأسعار تتخطى عشرات الآلاف من الجنيهات في السيارة الواحدة، ويصل هامش الربح إلى أكثر من 100 ألف جنيه في السيارة، وأن كل هذه الفروق تذهب في صورة أرباح للمستوردين والموزعين؛ يرى الموردون أن الحملة تُهمل تكاليف نقل السيارات، وتكاليف تشغيل المعارض والعاملين بها، بالإضافة إلى الدعاية والإعلان.

Embed from Getty Images

وقبل الإجابة عن سؤال هل تدفع حملة «خليها تصدي» الأسعار إلى الهبوط، يجب تأكيد أن أحد أهم أسباب استياء العملاء هو سقف التوقعات المرتفع فيما يخص أسعار السيارات قبل تطبيق مصر إعفاءً جمركيًّا جديدًا على السيارات القادمة من الاتحاد الأوروبي رسميًّا، تطبيقًا لاتفاقية الشراكة الأوروبية، الموقعة في عام 2001 مع الاتحاد الأوروبي، والتي دخلت حيز التنفيذ في يونيو (حزيران) 2004، وتنص الاتفاقية على إلغاء تدريجي للرسوم الجمركية على الصادرات الأوروبية إلى مصر خلال الفترة من 2004 حتى 2019، بحيث تصل إلى صفر بانتهاء الفترة الانتقالية التي مدتها 15 عامًا في 2019.

أحدهم يُفضل سيارةً «صيني».. ماذا يركب قادة العالم؟

هذا الإعفاء جعل البعض يظن أن الجمارك ستنخفض من 100% إلى صفر، ولكن كما ذكرنا فمنذ 2004 يتم الخفض تدريجيًّا، وصولًا إلى 10% وهي النسبة التي تم رفعها مؤخرًا، بمعنى أنه قبل 2018 ومن بعد 2004 تم خفض الجمارك بنسبة 90% على كثير من أنواع السيارات الأوروبية، ومع ذلك لم يشعر أحد بهذا الانخفاض، بالإضافة إلى أن هذه الفئة من السيارات تشكل نحو 12% فقط من السوق، وفق بعض التقديرات، كما أن متوسط سعر هذه السيارات مرتفع، وليست السيارات الشائعة بين الأغلبية الذين يبحثون عن السيارات الاقتصادية التي تتراوح أسعارها بين 200 إلى 300 ألف جنيه.

خالد سعد، مدير أحد توكيلات السيارات، وأمين عام رابطة مصنعي السيارات، أكد خلال حديثة لـ«ساسة بوست» أن الحملة لن تؤثر تأثيرًا ملحوظًا في الأسعار، مشيرًا إلى أن انخفاض الأسعار بداية الشهر الجاري كان بسبب الركود، وأن البعض كان يحاول التخلص من السيارات المتراكمة، بينما يقول إن هوامش الربح التي تروجها الحملة غير منطقية، موضحًا أن أسعار السيارات تحدد في الجمارك، لأن المشتري يحصل على بيان من الجمارك، ويقوم بترخيص السيارة من خلاله، وهو ما يجعل المشتري على إطلاع بالسعر بعد الجمارك.

«السيارات والسجائر».. سلع ممنوع الاقتراب منها في مصر

ولا يعتقد سعد، أن الأسعار قابلة للهبوط حتى وإن طالت مدة الحملة، إلا إذا جاء هذا الهبوط من المصانع بهدف تحريك السوق الذي يعاني الركود الشديد حاليًا، ولكن يبقى السؤال: هل ستستجيب المصانع لمثل هذه الحملة، أم أن الوضع سيستمر على ما هو عليه؟

الركود عرض مستمر والأسعار لا تتأثر

بالرغم من أن الركود في سوق السيارات موجود منذ تعويم الجنيه، إلا أن هذا الركود لم يحرك ساكنًا في الأسعار منذ ذلك الحين، فبالرغم من تراجع مبيعات السيارات في 2017 بنسبة 40%، واصلت الأسعار ارتفاعها في 2018، وفي الوقت نفسه تعافت السوق بشكل ملحوظ، فبحسب بيانات صادرة عن مجلس معلومات سوق السيارات «أميك»، فإن قطاع السيارات المستوردة في الأحد عشر شهرًا الأولى من 2018 حقق زيادة بالمبيعات تقدر بـ33.525 ألف وحدة عن مبيعات تلك الفترة من عام 2017.

بينما كان من المتوقع قبل بداية 2019، أن يشهد قطاع السيارات المصري خلال العام الجاري نموًا بالمبيعات يتراوح بين 20- 25% على أساس سنوي، لكن من غير الواضح حتى الآن إن كانت الحملة ستؤثر في السوق على مدار العام أم ستنتهي سريعًا، خاصة أن حركة البيع والشراء شبه متوقفة حاليًا بسبب ضبابية المشهد، وانتظار الجميع لأي تغيير يذكر.

نتائج عكسية قد تحدث.. الأسعار ربما ترتفع في هذه الحالة

وفي ظل انتظار الجميع لانخفاض الأسعار بسبب حملة «خليها تصدي»، يرى آخرون أن الأسعار قد ترتفع بسبب الركود الكبير في السوق، وهو ما قد يؤدي إلى إحجام المستوردين عن الشراء، وتقليل المعروض؛ وبالتالي زيادة السعر بسبب نقص المعروض، لكن بحسب متابعين فإن هذا الأمر قد يتضح أكثر بحلول أبريل (نيسان) القادم، لكن ماذا قد يحدث لسوق السيارات المستعملة؟

Embed from Getty Images

حتى الآن يؤكد تجار سوق السيارات المستعملة أن حملة «خليها تصدي» لم تؤثر في حركة البيع والشراء بالسوق، وذلك لأن المبيعات متوقفة منذ أربعة أشهر أو يزيد بفعل عزوف العملاء عن الشراء لحين وضوح الرؤية بعد الإعفاء الجمركي واستقرار الأسعار، لكن في ظل استمرار الحملة مدة أطول ستكون السيارات المستعملة هي الخيار المتاح أمام الجميع، وهو ما سيعزز الطلب عليها؛ وبالتالي ترتفع أسعارها.

المصادر

عرض التعليقات

(0 تعليق)

تحميل المزيد