فاطمة نادي 19
فاطمة نادي 19

2,247

أحدثت الطباعة ثلاثية الأبعاد ثورةً في عالم الصناعات، فبدلًا من التقيُّد بالمواصفات القياسية العالمية لإنتاج أعدادٍ هائلة من المنتجات، التي قد لا تناسب أذواق جميع المستهلكين ورغباتهم، بات بإمكان أي شخص الآن اختيار التصميم الذي يريده وطباعته في منزله بكبسة زرّ.

هل نحن على أعتاب عصر الطباعة ثلاثية الأبعاد؟ ما الذي حققته هذه التقنية في العقود الماضية، وما الذي تطمح إلى تحقيقه في المستقبل؟ هل تقتحم مجال زراعة الأعضاء وتساعدنا في مواجهة التحديات المحيطة به، وتمنح الأمل لمئات الآلاف من المرضى القابعين في قوائم الانتظار؟ هذا ما تناقشه السطور التالية.

اقرأ أيضًا: القطة تراك «قطة ضخمة ساذجة!» كيف يفكر حيوانك الأليف فيك؟

الطباعة ثلاثية الأبعاد.. متى ظهرت وكيف تعمل؟

تُعدّ الطباعة ثلاثية الأبعاد إحدى تقنيات مجال «التصنيع بالإضافة»، التي يمكن من خلالها تصنيع منتج ثلاثي اﻷبعاد عبر تصميمه على الحاسوب، ومن ثم طباعته بالطابعة ثلاثية اﻷبعاد. ويجري تصنيع مجسم ثلاثي الأبعاد عن طريق إضافة عدة طبقات رفيعة من مادة معينة أو عدة مواد مختلفة، وتُرص طبقات الخامة فوق بعضها البعض حتى يكتمل شكل الجسم المطلوب.

يوجد ثلاثة أنواع من الطابعات ثلاثية اﻷبعاد: الطابعات الضوئية، وطابعات الليزر، وطابعات الثرموبلاستيك – أو البناء بالترسيب المنصهر – وهي اﻷكثر انتشارًا. ومع اختلاف تقنيات الطباعة ثلاثية الأبعاد يبقى المبدأ العام واحدًا، وهو استخدام تصميم رقمي ثلاثي الأبعاد في إنتاج مجسم ملموس.
يجري تصميم المجسمات عبر تطبيقات خاصة بأجهزة الحاسوب، ولا يمكن استخدام الطباعة ثلاثية الأبعاد دون تصميم رقمي يتوافق معها.

وعلى الرغم من أن الطباعة ثلاثية الأبعاد عادة ما ينظر إليها على أنها فكرة مستقبلية جديدة، إلا أنها  ظهرت في الواقع منذ أكثر من 30 عامًا. قام الأمريكي «تشاك هال» الذي يُعرف بـ«أبي الطباعة ثلاثية الأبعاد»، بأوَّل عملية طباعة ثلاثية الأبعاد تسمى «ستيروليثوغرافي» في عام 1983، وهي تقنية تصنيع بالإضافة لإنتاج النماذج والمجسمات، وأيضًا اسم الآلة التي اخترعها وانطلق منها لتأسيس شركة 3D Systems Corporation، التي لا تزال إحدى أهم شركات الطباعة ثلاثية الأبعاد إلى اليوم.

استخدامات الطباعة ثلاثية الأبعاد في المجالات المختلفة

رغم بدء ظهور تقنية الطباعة ثلاثية الأبعاد مع بداية الثمانينيات، إلا أن تطورها كان يسير بنحو بطيء حتى 10 سنوات ماضية؛ إذ كانت خاضعة لقوانين حماية الملكية الفكرية الخاصة بشركة 3D Systems ومؤسسها «تشاك هال».
ومنذ رفع الحظر، بدأت تتسارع وتيرة الأمور خاصة فيما يتعلق بتطوير ماكينات طباعة أقل تكلفة؛ ففي السنوات الخمس الماضية، انخفضت أسعار الطابعات ثلاثية الأبعاد من أسعار تتجاوز 50 ألف دولار أمريكي إلى 1800 دولار فقط، بل وبات يمكن الحصول على بعضها بأسعار تقل عن 500 دولار. فضلًا عن ذلك، أصبحت الطابعة ثلاثية اﻷبعاد متاحة للاستخدام الشخصي، ومتوفرة في اﻷسواق العالمية والعربية بأحجام مناسبة.

ويمكن للطابعة ثلاثية اﻷبعاد تصنيع منتجات معقّدة وبخاماتٍ مختلفة، ويجري استخدامها في مجالات عديدة منها الفضاء، والهندسة، والطب، والتعليم، والترفيه. وعن استخداماتها في مجالات الهندسة والإلكترونيات، يمكن لتلك التقنية تصميم هياكل دقيقة للروبوتات والإلكترونيات، ويستخدمها المعماريون في تصنيع نماذج مصغرة لمشاريعهم اﻹنشائية. وتستخدم الطابعة ثلاثية اﻷبعاد كذلك في إنتاج قطع غيار للمركبات الفضائية.

أيضًا في مجال الموضة والأزياء، تستخدم بعض المواد الخام المرنة في صناعة الملابس بتقنية الطباعة ثلاثية اﻷبعاد، بل ويمكن للمرء طباعة الحذاء الذي يريد وهو في منزله. كذلك، دخلت المجوهرات والحلي السباق بقوة؛ إذ يجري تصنيع أرقى تصميمات الإكسسوارات والحلي من الذهب وغيره، كما تُصنع أفخم التحف المعقدة، ويُعاد إحياء بعض التماثيل الأثرية، بالإضافة إلى المنتجات الاستهلاكية والمنزلية.

في الصحّة والطب.. من التشخيص إلى صناعة الأجهزة

تتعدَّد تطبيقات الطباعة ثلاثية الأبعاد في الطب، وتتشعب في مجالاته الكثيرة بداية من استخدامها في طباعة الجزء المصاب من الجسم؛ ليتحوَّل إلى مجسَّمٍ ملموس يساعد في فحص وتشخيص بعض الحالات الحرجة، بالإضافة إلى اﻷمراض اﻷكثر تعقيدًا مثل الأورام.

في عام 1996، واجه الجرّاحون في مركز «ويلفورد هول» الطبي بولاية تكساس الأمريكية حالة حرجة لزوج من التوأم الملتصق، تطلب الفصل بينهما للحفاظ على حياة أحدهما، وكان من المتوقع أن يتمكَّن أحد التوأمين فقط من مغادرة غرفة العمليات حيًا بعد العملية.

لكن بعد إنشاء نموذج لهيكل عظام الفتاتين باستخدام تقنية الطباعة ثلاثية الأبعاد، وجد الأطباء أنهما تتشاركان في عظام الساق العليا، التي كان حجمها أكبر مما كان متوقعًا. وجرت عملية الفصل بنجاح؛ ما أدى إلى الحفاظ على حياة كل من التوأمتين بعد الجراحة.

أيضًا في علم اﻷجنَّة يجري تصميم التكوين الجسدي والجيني للجنين؛ للكشف الدقيق والمبكر عن أية تشوُّهات أو عيوب خلقية به؛ من أجل التدخُّل العاجل للتعامل معها. وفي مجال الدراسة، تجري صناعة نماذج مماثلة تمامًا للجسم البشري للدراسة عليها، فضلًا عن محاكاة البنية التشريحية لجسم الإنسان، وأجواء غرف العمليات؛ لتدريب الجراحين على إجراء العمليات الدقيقة والمعقدة وتكرارها؛ لتقليل عدد ساعات الجراحة وتوفير الوقت المستغرق في عمليات اتخاذ القرارات الصعبة والمصيرية داخل غرف العمليات؛ لجعل الأطباء على أتم استعداد لأداء عملياتهم.

ليس هذا وحسب، تستخدم الطباعة ثلاثية الأبعاد في تصنيع اﻷطراف الصناعية، ومقومات العظام، كذلك يمكن استبدال المفاصل التالفة والمتآكلة، علاوة على صناعة اﻷجهزة الطبية واﻷدوات الجراحية.

مجال زراعة الأعضاء.. تطورات وصعوبات

جرت محاولات زراعة الأعضاء البشرية منذ القرن الثامن عشر الميلادي، وأجريت العديد من التجارب على الحيوانات والبشر سواء، التي لاقت إخفاقات عديدة على مر السنين؛ حتى تدرج مجال زراعة الأعضاء في التطور والوصول إلى ما هو عليه الآن.

لم يكن حتى منتصف القرن العشرين، حتى تمكن العلماء من إجراء عمليات زراعة أعضاء ناجحة، تُمكن مُتَلقّيها من النجاة والحظوة بفرصة حياة جديدة. وأصبحت الآن عمليات زراعة الكبد، والكلى، والقلب، والبنكرياس، والرئة، والأمعاء، والقلب والرئة معًا تُجرى كعلاج طبي روتيني.

Embed from Getty Images
عملية زراعة قلب.

ساعد في ذلك الاكتشافات العلمية الهائلة في مجالي زراعة الأنسجة والمناعة؛ إذ يسَّرت أدوية تثبيط الجهاز المناعي مثل «السايكلوسبورين» قبول الجسم للعضو الجديد، مساهمةً بذلك في إجراء مزيد من عمليات زرع الأعضاء.
لكن لسوء الحظ تتجاوز الحاجة لزرع الأعضاء الإمداد الصالح للزراعة المتوفر بالفعل؛ فنجد أنه يوجد نحو 22 شخصًا تنتهي حياتهم يوميًا خلال انتظار القيام بعملية زرع عضو. ويُضاف في كل 10 دقائق شخص لقائمة الانتظار القومية بالولايات المتحدة، التي يبلغ عدد الحالات المُسجَّلة بها أكثر من 120 ألف مريض.

مع ذلك، فإن دخول قائمة الانتظار ليس بالأمر الهين، إذ عليك أن تكون محظوظًا بالقدر الكافي الذي يؤشر بأنك قد تعيش خمس سنوات بعد إجراء العملية لك، بنسبة تتجاوز 50%.

اقرأ أيضًا: نبوءة فرانكشتاين تتحقق.. نجاح أول عملية زراعة رأس بشرية في التاريخ!

الطباعة ثلاثية الأبعاد ومستقبل زراعة الأعضاء

يطمح العلماء إلى استخدام تقنية التصنيع بالإضافة أو الطباعة ثلاثية الأبعاد، في إنتاج أعضاء مفصلة خصيصى للمرضى وفق حاجتهم، عن طريق استخدام خلايا من أجسادهم؛ الأمر الذي يمكن أن يساعد في مواجهة النقص الحاد في الأعضاء المتاحة للأشخاص الذين يحتاجون إلى عمليات زرع الأعضاء.

وقد نجح باحثون بقسم الهندسة الميكانيكية في الكلية الملكية بلندن، في تطوير تقنية جديدة تستخدم الطباعة ثلاثية الأبعاد، يمكنها تكوين أنسجة لينة مثل الدماغ البشري أو رئتين إسفنجيتين، وهو أمر لم يكن ممكنًا من قبل.

استخدم الباحثون مادة لينة جدًا في عملية الطباعة، وهي الهيدروجيل المركب، وتمكنوا من طباعة أنسجة لينة مماثلة لنسيج الدماغ والرئة كذلك، كما أوضح «زنغشو تان» المؤلف الرئيسي للدراسة، التي نُشرت في مجلة «نيتشر» (Nature).

حتى الآن، تمكن الباحثون من تصنيع عينات صغيرة فقط من الأنسجة مثل الدماغ وليس الدماغ بأكمله؛ إذ تكمن المشكلة مع الطباعة ثلاثية الأبعاد أن طباعة المواد اللينة جدًا مثل تلك الأنسجة، تميل معها الطبقات الأساسية التي يجري البناء فوقها إلى الانهيار، كلما جرت إضافة طبقات إضافية على رأسها خلال عملية الطباعة.

وحيث إن عملية الطباعة ثلاثية الأبعاد تنطوي على تكوين طبقات فوق بعضها البعض؛ فإن الطبقات السفلية تحتاج لأن تكون قادرة على تحمل ودعم وزن الهيكل المتزايد تباعًا؛ لذلك فإن التقنية الجديدة لا تزال تواجه قيودًا كبيرة.

مع ذلك، تُعد التقنية الجديدة خطوة إلى الأمام؛ إذ أصبح من الممكن الآن طباعة مواد لينة جدًا، وهو أمر لم يتحقق من قبل. ويهدف الباحثون إلى المضي قدمًا في تحسين التقنية؛ لتكون قادرة على طباعة الأجسام الكبيرة.

يسعى المصممون والأطباء والمهندسون الحيويون للوصول إلى زراعة أعضاء بشرية صناعية عبر طرق متنوعة، قادرة على استبدال أعضائنا الداخلية وتُلبي الحاجة المتزايدة لعمليات الزرع. وربما لا تزال عقود طويلة تفصلنا عن إنشاء أعضاء بشرية معقدة، تعمل بشكل كامل مثل الدماغ أو الرئتين باستخدام الطباعة ثلاثية الأبعاد، إلا أن الأمر يستحق مواصلة البحث والتجربة؛ فقد تغنينا هذه التقنية في المستقبل عن عمليات زراعة الأعضاء التقليدية وما يحيط بها من صعوبات.