تروي إحدى الأساطير السومرية أن جلجامش كان طاغية، متعدد العلاقات، فدعا السكان الآلهة أن تخسف به الأرض، فأرسل الإله «أورورو» وحشًا طينيًّا كث الشعر يُدعى أنكيدو، للقضاء عليه، لكن أحد عاهرات المعبد أغوت الوحش تنفيذًا لأمر جلجامش، فرقت حواشيه وعلمته المدنية، وعندما قاتله جلجامش هزمه، ثم بدأت صداقتهما.

حاولت الآلهة عشتار إغواء جلجامش فصدها؛ مما أغضبها وتوسلت إلى أبيها إله السماء «أنو» أن يرسل ثور السماء ليقتل الصديقين، لكنهما تمكنا من هزيمته، فاستشاطت آلهة الرياح والعواصف «أنليل» غضبًا، وسعت للانتقام من جلجامش بقتل صديقه أنكيدو، فبكاه سبع ليالٍ حتى خرجت دودة من أنف أنكيدو، دليلًا على فناء البشر.

سياسة

منذ 3 سنوات
من لينين إلى جلجاميش.. أسرار هوس أصحاب السلطة بالخلود بعد الموت

وما إن تأكد جلجامش من حقيقة الفناء، دأب سعيه لنيل الخلود، فشرع بالبحث عن «لأتانا بشتم» وزوجته، اللذين منحتهما الآلهة هبة الخلود لنجاتهما من الطوفان، حتى عثر عليهما بعد عبور نهر الموت بمساعدة الملاح أوسانبي، فأشارت الزوجة على جلجامش بالبحث عن نبات سحري يحافظ على نضارة الشباب، فبدأ رحلة أخرى للبحث عنه، حتى وجده، إلا أنه سقط في النوم أثناء عودته، فاشتمت إحدى الأفاعي رائحة النبات الذكية والتهمته، مما حرم جلجامش من منحة الخلود ووهبت الأفاعي القدرة على خلع جلدها، فاضطر جلجامش إلى قبول فكرة فنائه واستحالة الخلود.

بسرد الأسطورة السابقة، نجد أن سعي الإنسان إلى الخلود، لم يكلل بالنجاح، فالموت طبيعة بشرية، لا يمكن هزيمتها، وهذا ما ناقشناه في أحد تقارير «ساسة بوست» عن حلم الخلود، لكن عند النظر إلى المملكة الحيوانية، وخصوصًا قصة تلك الأفعى، نجد أن بعض أفراد المملكة الحيوانية استطاع أن يحتال على الموت، ويصمد لآلاف السنين، فهل تحقق المملكة الحيوانية ما أخفقت فيه البشرية؟

لا يغرك الحجم.. العلماء يحلون لغز الانقراض

في سبعينيات القرن الماضى، احتل الحلزون الأفريقي الضخم جزيرة تاهيتي وعاث فيها فسادًا، ولحل هذه المشكلة استجلب العلماء أحد الحلزونات الآكلة للحوم، يُدعى الحلزون الولفزنايل الوردي «rose wolf snail»، للقضاء على الحلزون الأفريقي. وبالفعل نجحت الخطة، إلا أن هذا الحلزون الوردي سنحت له فرصة الهيمنة على الجزيرة واتُّهم بالتسبب في انقراض 134 نوعًا من الحلزونات، عدا نوع الحلزون الهارتْمانيلَّةُ بطني الأرجل «Partula hyalina» استطاع أن يفلت من بين براثنه، وتوزع على عشرات الوديان.

أثار صمود هذا الحلزون تحديدًا عمن سواه، فضول العلماء لكشف اللغز الذي حيرهم حينًا من الدهر، فما هو لغز الانقراض؟ سعى الباحثان الدكتورة بيك بجامعة ميتشجان ودكتور علم البيئة وعلم الأحياء التطوري، ديمتيير، لكشف الحقيقة خلف نجاة الحلزون الوردي، فنشرا بحثًا عام 2014 يثبت أن الأنواع الوفيرة النسل تبقى لوقت أطول من الأنواع الشحيحة النسل.

إلا أن ديمتيير لم يقتنع بنتيجة البحث، فقرأ المزيد عن سلوكيات الكائنين، ثم اكتشف أن الحلزون الوردي يفضل الظل مثل سائر الحلزونات الأرضية ويهاب الشمس التي ستجعله لحمًا مقددًا إذا بقي فيها لعدة دقائق، وعلى عكس الحلزون الوردي تفضل الحلزونات الهارتمانيلة البقاء في الشمس!

وللتمكن من دراسة المزيد عن سلوكها، قام الباحثان بمساعدة المهندس ديفيد بلاو، بثبيت حاسوب في حجم حشرة المن أو أكبر، ولصقه بصدفة الحلزون الوردي، زُود بمستشعر يستقبل البيانات بالضوء المرئي ونقلها عبر الراديو، وذلك لحساب كمية الأشعة الشمسية التي يحتاجها وكمية الأشعة الشمسية التي يعكسها. لكنهما لم يتمكنا من فعل المثل مع الحلزون بطني الأرجل، فلصقا الحاسوب في موطنه.

في عام 2017 تبين أن كمية الأشعة الشمسية التي يحتاجها الحلزون بطني الأرجل أكثر 10 أضعاف من الأشعة الشمسية التي يحتاجها الحلزون الوردي؛ مما يجعل الحلزون بطني الأرجل محميًّا من براثن الحلزون الوردي المفترس.

ولم تكن نجاة الحلزون بطني الأرجل ما أثار الفضول فقط، فانقراض الحيوانات الضخمة منذ آلاف السنين شغل تفكيرهم لعقود كاملة، مما دفع الباحث بجامعة فلندرز الأسترالية، كوري برادشو، بابتكار معادلة رياضية متطورة للتنبؤ بانقراض الأنواع، إذ اعتمد على تجميع البيانات من الحفريات، مثل الحجم والوزن، ومعدل الخصوبة، ومتوسط العمر، ومعدل البقاء، بالإضافة لصنع محاكاة بشرية تحفز غريزة البقاء لهذه الحيوانات إذا ما داهمهم الصيادون.

فكانت النتائج مخالفة للمتوقع؛ إذ لم يتعلق الانقراض بوفرة نسل النوع أو ندرة نوعه، وإنما كان العامل الأهم هو التغييرات المناخية التي تعرضت لها هذه الحيوانات وقدرة الحيوان على الفرار من الصيادين والاختباء من أعدائهم الطبيعيين.

على طريق الخلود.. كائنات حية لا تتقدم في العمر

عقب الانتهاء من لغز أسباب الانقراض، هل يمكن لبعض الكائنات الحية أن تفلت من خطر الانقراض، وتعمر لمئات السنوات؟ وهل يمكن أن تتفوق المملكة الحيوانية والنباتية على البشر في هزيمة الشيخوخة؟ قد لا تكون أسطورة جلجامش حقيقية، إلا أن نتائجها صحيحة، فيبدو أن هذا النبات السحري حافظ على نضارة الشباب وحيوية المملكة الحيوانية والنباتية، فلم يعرفوا الهرم أبدًا.

نشرت دراسة عام 2001، تقارن بين بذور شجرة الصنوبر وحبوب اللقاح التي يفوق عمرها 4700 عام، وجد أن رغم تجعد خشبها، فإن الأنسجة الداخلية للبذور والحبوب ما زالت تتمتع بأزهي سنوات شبابها، ولم يعثر الباحثون على أية طفرات جينية. وعند البحث عن السبب، ظهرت فرضيتان، أولاهما أن جذور الصنوبر تحتوي على خلايا جذعية (meristems) تحتفظ بنضارتها وشبابها لآلاف السنين. أما الفرضية الثانية، فتوصل إليها الدكتور بجامعة غينت ليفين دي فلير في بلجيكا، إذ يفترض أن بداخل هذه الخلايا الجذعية «مركز خمول» يعمل على تثبيط انقسام الخلايا السريع، ليتجنب حدوث الطفرات الجينية.

وفي عام 2012 اكتشف بروتين الأرابيدوبسيس (Arabidopsis) الذي تبين أنه يتحكم في نشاط مركز الخمول، ويحافظ على نضارة الأنسجة وشبابها.

لا تختلف المملكة الحيوانية كثيرًا عن المملكة النباتية؛ إذ يزيد عمر بقاء فأر الخلد العاري على الأنواع الأخرى من الفئران بمدة 31 عامًا، كما تستطيع بعض السلاحف تجاوز المائتي عام، فقد صرح الدكتور كينيث بجامعة كارلتون إلى مجلة «بيزنس إنسيدر» أن بعض السلاحف، «عاصرت داروين شخصيًّا، وما زالت على قيد الحياة»، فما السر؟

بعيد عن حلم البشرية.. هل تصل الممالك الحيوانية والنباتية إلى الخلود؟

بالنسبة للإنسان، فعندما تلد المرأة طفلًا، فإن هذا يهدد عمرها الافتراضي بالنقصان، حيث يدمر الإنجاب خلايا الجسم ويستنزف المخزون الحيوي للمواد التي تساهم في إصلاح الخلايا المصابة. أما بالنسبة لأنثى فأر الخلد فتعدد مرات الإنجاب لديها ينعش شبابها، ويجدد حيويتها.

ومع البحث وإجراء الدراسات توصل العلماء إلى أن السر يكمن في عملية التمثيل الغذائي:

  1. تختلف ميتوكوندريا فأر الخلد عن ميتوكوندريا الخنزير الغيني مثلًا؛ إذ يستهلك فأر الخلد كمية أقل من الأكسجين وإنتاج الطاقة، كما يفضلون إنتاج الطاقة من الدهون عن الكربوهيدرات، مما يطيل عمرها الافتراضي.
  2. يمتاز كبد فئران الخلد بمسارات إزالة السمية أكثر نشاطًا من مسارات الأنواع الأخرى، فيقضي على الخلايا المصابة، ويخلص أجسامها من السموم التي تدمر الخلايا، وتحفز عملية الشيخوخة.
  3. تمتاز السلاحف بالخاصية ذاتها، من حيث استهلاك أقل نسبة من الأكسجين، إلا أنها تفوقت على فأر الخلد، بتحمل نقص الأكسجين لمدة تصل إلى عام كامل، إذ تتبع إستراتيجية تثبيط الجسيمات العضوية التي تستهلك أكبر قدر من الطاقة، وإنهاء أكثر من 5 آلاف عملية حيوية. كما أنها تتحكم بإنزيم نازعة هيدروجين البيروفات الموجود في الميتوكوندريا؛ مما يعطل عملية إنتاج الطاقة، فتبدأ السلحفاة باستهلاك البروتينات لإنتاج الطاقة، والحفاظ على صحة الخلايا.

وكائن حي يصمد 24 ألف عام في جليد سيبيريا

إذا شعرت بأن عمر المائتين رقم ضخم، فماذا عن 24 ألفًا؟ قد يكون رقمًا هينًا مقارنة بعمر هذا العالم، إلا أن هذا الكائن المتجمد في سيبيريا شهد العديد من الصراعات والحروب، ميلاد الحضارة الفرعونية، وسقوط الحضارة الرومانية، وفتح الأندلس، وانقراض الماموث، وربما عاصر معظم الرسل الذين ذكروا في جميع الديانات السماوية، فما قصته؟

بعد حفر العلماء تحت سطح الأرض المتجمدة في سيبريا بعمق 11 قدمًا، والتي تبلغ درجة الحرارة 14 فهرنهايت في هذا العمق، جمعوا بعض العينات الموجودة أسفلها، وعند فحصها تبين وجود بعض الدوارات العلقونية، وهي كائنات دقيقة متعددة الخلايا، تشريحها الداخلي معقد، يتكون من مخ وأمعاء وجهاز تناسلي، بالإضافة إلى مقاومتها للإشعاع؛ مما يسمح لها بالصمود تحت الظروف القاسية والتي يستحيل تحملها. وعند حساب عمرها باستخدام الكربون المشع تبين أن عمرها يتجاوز 24 ألف عام!

إلا أنهم ما زالوا متحيرين من قدرة هذا الكائن على حماية خلاياه وأعضائه تحت هذه الظروف القاسية،  وقدرته على إصلاح أي خلل يصيب حمضه النووي، وكيف يستطيع الصمود لملايين السنين اعتمادًا على التكاثر اللاجنسي فقط.

وعثروا أيضًا على بعض الديدان الخيطية والديدان الحلقية، التي استطاعت الصمود لآلاف السنين. لكنها لم تكن التجربة الأولى مع قارة أنتاركتيكا، إذ استطاع بعض العلماء زراعة بعض الطحالب المجمدة. واستطاع بعض العلماء اليابانيون في عام 2016، إنعاش حياة أحد الحيوانات الصامدة يدعى بطيء المشي (Tardigrade)، بعد 30 عامًا من السبات.

قد لا يكون الأمر واضحًا حتى الآن بالنسبة لإمكانية تطبيق خاصية إنعاش حياة الإنسان بعد التجمد، إلا أنها تمنحنا الأمل في استكشاف الفضاء. فقد صرح عالم الأحياء الجزيئية ماثيو منسيون لجريدة «نيويورك تايمز» بأنه «من المحتمل أن تكون هذه الحيوانات الوحيدة القادرة على الصمود في الفضاء».

لكن.. هل ينتصر العلم على طبيعة الفناء؟

بلا شك أن الموت هو الحقيقة الوحيدة التي نتيقين منها، وأن الفناء آت لا محالة، لكن كيف رآها العلم، هل يستطيع التقدم العلمي الذي وصلنا إليه أن يحتال على الموت؟ تعددت الآراء العلمية حول هذه المسألة، فقد نشرت  الأكاديمية الوطنية للعلوم في الولايات المتحدة الأمريكية معادلة رياضية تحسم حقيقة الفناء، وتثبت أن الكائنات متعددة الخلايا لن تتمكن نهائيًّا من هزيمة الشيخوخة؛ إذ يمر الجسم بمرحلتين بعد التقدم بالعمر، إما أن تتوقف الخلايا عن العمل، وإما تنقسم انقسامًا جنونيًّا، ومحاولة التحكم في إحداهما يحفز الأخرى.

Embed from Getty Images

خلايا سرطانية

وهذا ما أكده الدكتور بول نيلسون، المشرف على البحث، بأن تثبيط إحدى العمليتين يتسبب بحدوث الأخرى، فإذا تخلصت من هذه الخلايا المعطوبة فإنك تسهل الأمر لانتشار الخلايا السرطانية. والتخلص من الخلايا السرطانية سيؤدي إلى تراكم المزيد من الخلايا المعطوبة، إذن لا فرار من الموت في الحالتين. وافترضت دراسة أخرى أننا يمكننا الاحتيال على الموت وإعادة إنعاش الأدمغة الميتة، باستخدام الخلايا الجذعية. رغم اعتراض الأخلاقيين الشديد على هذه التجربة.

فبعد نجاح فريق من جامعة بنسلفانيا في تطوير كوكتيل من الجزيئات يستطيع تحويل الخلايا الدبقية إلى خلايا عصبية فاعلة في أدمغة الفئران. ويمكن تحويل هذا الكوكتيل إلى حبوب تعمل على تجديد خلاياهم العصبية. كما نجح العلماء في عام 2016 في نقل خلايا عصبية حديثة السن إلى دماغ تالف في أحد الفئران؛ يتخوف العلماء من مصير هذه الأبحاث، فهي تمنح أهالي المرضى أملًا كبيرًا في إنقاذ حيوات أبنائهم من الموت. لكن الإصابات والأضرار التي تحدث بالمعمل تختلف تمامًا عن الإصابات البشرية في الواقع.

إذن يمكن أن نستنبط من جميع المعطيات السابقة أن الخلود أمر مبهم، فحتى وإن صمدت الكائنات الحية لآلاف السنين أو لمئات السنين، فلا أحد يستطيع أن يجزم أنها لن تموت بيولوجيًّا، لكن ماذا تظن أنت؟

المصادر

تحميل المزيد