خلال الأيام القليلة الماضية انتشر على موقع التواصل الاجتماعي «فيسبوك» مقطع مصور ينقسم إلى قسمين، ويظهر فيه الممثل الأمريكي جاك نيكلسون في واحد من أهم مشاهد فيلم «The shining»، وفي الجزء الآخر من الشاشة يظهر الممثل جيم كاري وهو يؤدي المشهد نفسه وكأنه نسخة مقلدة من جاك نيكلسون تحاكي كل حركاته وتعبيراته.

البعض تخيل أن نجم الكوميديا خاض تلك التجربة وأعاد تصوير هذا المشهد، ولكن الحقيقة أن هذا المقطع المصور صُنع بتقنية ذكاء اصطناعي تسمى «DeepFake»، والتي تتيح فرصة صناعة مقطع مصور مزيف لأي شخصية عامة، وتظهرها تقول وتفعل ما لم تفعله.

هذه التقنية استخدمت أكثر من مرة لأغراض فنية وحصلت على إعجاب الكثير، مثل المقاطع المصورة التي انتشرت للوحة الموناليزا وهي تتحرك، لكن لكل تقنية تكنولوجية حديثة وجهًا آخر قبيحًا، وهذا الوجه كشر عن أنيابه للسياسيين في أمريكا، وأثار قلقهم مع قرب الانتخابات الرئاسية الأمريكية 2020.

فهل تشكل تقنية «DeepFake» خطرًا حقيقي على الانتخابات الأمريكية؟ هذا ما نجيب عنه في هذا التقرير.

«ذي أتلانتك»: تزييف الفيديو أصبح سهلًا كتزييف الصور.. كيف يمكنك تمييز الحقيقة؟

مجلس النواب:  تقنية «Deepfake» تهدد مصداقية انتخابات أمريكا 2020

في بيان رسمي موجه لأكثر من منصة تواصل اجتماعي مثل «فيسبوك» و«تويتر»، أعرب آدم شيف رئيس لجنة الاستخبارات بمجلس النواب الأمريكي عن تخوفه من التأثير السلبي والتضليل الإعلامي المترتب على انتشار مقاطع مصورة مزيفة بتقنية «Deepfake» للمرشحين الرئاسيين بأمريكا، ما يشكل خطرًا – من وجهة نظره – على مصداقية الحملات الانتخابية لكل مرشح، والسماح للقوى الأجنبية الخارجية بالتأثير على مجريات الانتخابات بما يفيد مصالحها السياسية.

شاهد مشهد من فيلم «The shining» ولكن بوجه جيم كاري من هُنا

وفي هذا البيان،  طرح شيف تساؤلات مباشرة عن وجود طُرق فعالة لدى إدارة مواقع التواصل الاجتماعي المستهدفة في البيان؛ للسيطرة على تلك النوعية من المقاطع المصورة المزيفة، وعن قدرتهم على التمييز بين المقاطع المزيفة من السليمة حتى يتاح لهم حذف وتحجيم المزيف منها.

من جانبه أكد أندي ستون المتحدث الرسمي باسم موقع التواصل الاجتماعي «فيسبوك» أن الشركة تلقت الرسالة وتعمل على الرد عليهم، بينما لم يصدر أي رد فعل عن موقع التواصل الاجتماعي «تويتر»، واكتفى بالإشارة إلى بيان أصدرته الشركة الشهر الماضي والذي أوضح فيه نيك بيكلس المسئول عن السياسة العامة للمنصة، أن «تويتر» لا يسمح بوجود أي أخبار أو حسابات مزيفة فور اكتشافها.

 أما ما يثير قلق مجلس النواب وبعض السياسيين فهو أن تلك المقاطع المصورة تنتشر سريعًا، وأن اكتشافها وإزالتها أو حظرها يكون بعد مشاهدة الملايين لها؛ ما يجعل اختفاءها لن يزيل الضرر الذي سببته بين صفوف الرأي العام.

مخاوف مجلس النواب يمكن تبريرها إذا أخذنا في الاعتبار المقطع المصور الذي انتشر الشهر الماضي يونيو (حزيران) والذي يظهر نانسي بيلوسي رئيسة مجلس النواب الأمريكي وهي في حالة سكر أثناء حديثها في أحد المؤتمرات الصحافية.

هذا المقطع صُنع بتنقية أقل احترافية من تقنية«Deepfake» وأطلق عليها التقنيون «الزيف الرخيص»، وحصد المقطع ملايين المشاهدات على مواقع التواصل الاجتماعي بمختلف منصاتها، الأمر الذي أثار حفيظة مجلس النواب والسياسيين عما تستطيع التقنية الأكثر تطورًا فعله، في ظل اقتراب حدث سياسي جلل مثل انتخابات الرئاسة الأمريكية 2020.

شاهد مقارنة بين المقطع الحقيقي والمزيف من هُنا.. هل تشعر بفرق كبير؟

من جانبه لم يقبل موقع «فيسبوك» إزالة المقطع المصور الذي يظهر نانسي في حالة سُكر حتى بعد إثبات زيفه، موضحًا أن قواعد هذا الموقع لا تحظر نشر معلومات خاطئة، ولكنه وعد بتقليص عدد ظهور هذا المقطع في الأخبار وتنبيه المستخدمين بكونه مقطعًا زائفًا.

 وعبر الكثير من الإعلاميين والسياسيين عن تخوفهم من تلك التقنيات خاصة وأن تقنية «الزيف الرخيص» والتي استخدمت في صناعة مقطع نانسي متاحة في إطار البرامج المجانية عبر الإنترنت، ويمكن من خلاله التلاعب في المقاطع المصورة بصورة قد تؤذي صاحب المقطع المستهدف من التعديل، بجانب أن التقنية الأكثر تطورًا مثل «Deepfake» والأكثر تعقيدًا؛ يسهل الحصول عليها من جانب الجهات ذات النفوذ، أو الدول الأجنبية ذات المصالح السياسية؛ ولذلك يرى الكثير أن تلك التقنيات تهدد مصداقية الحملات الانتخابية لمنصب الرئاسة الأمريكية للعام 2020.

هل يمكن لتقنية «Deepfake» أن تشن حربًا؟

في دراسة استقصائية حديثة أجراها «مركز بيو» الأمريكي للأبحاث، أشارت نسبة كبيرة من المواطنين الأمريكيين المشاركين في الدراسة أن تلك النوعيات من الصور والمقاطع المصورة المزيفة بتقنية«Deepfake» تعد مشكلة أكبر من مشكلة الإرهاب والهجرة الشرعية والعنصرية، وأكد 68% من المشاركين أن هذا الأمر يؤثر سلبيًا على ثقة الأمريكيين في المؤسسات الحكومية، بل ثقتهم – المواطنين – في بعضهم البعض، ويعتقدون أن يزداد الأمر سوءًا في المستقبل القريب.

شاهد مقطعًا مصورًا مزيفًا للرئيس الأمريكي دونالد ترامب بتقنية ««Deepfake»

يوضح هاني فريد أستاذ علوم الكمبيوتر بجامعة «كاليفورنيا بيركلي»، أن تقنية «Deepfake» لا تشكل خطرًا على الانتخابات الرئاسية الأمريكية فقط، بل يمكن لها أن توتر العلاقات بين دول كبيرة في العالم.

 موضحًا بقوله: «ماذا لو زيّف أحدهم مقطع مصور للرئيس الأمريكي ترامب وهو يقول: لقد أطلقت أسلحة نووية ضد إيران أو كوريا الشمالية أو روسيا»، وأضاف هاني شارحًا: «ماذا لو لم نجد الوقت الكافي لإثبات حقيقة المقطع المصور المزيف؟» مؤكدًا في حديثه مع الإعلام أن احتمالات حدوث آثار سلبية مترتبة على صناعة تلك المقاطع المزيفة مرتفعة للغاية، وأنها ليست متاحة لقلة قليلة بل هي – بحسب هاني – في أيدي الكثيرين.

 «نعيش عصر يلعب فيه Deepfake دورًا كبيرًا في إثارة الفوضى»

استخدام تلك التقنية لخلق أزمة سياسية على أرض الواقع لم يعد دربًا من الخيال، ففي منتصف العام الماضي 2018 نشر أحد الأحزاب السياسية الاشتراكية مقطعًا مصورًا للرئيس الأمريكي دونالد ترامب يسخر فيه من بعض قرارات بلجيكا السياسية.

 وعلى الرغم من أن تقنية هذا المقطع لم تكن عالية الجودة، وأنه ذكر في نهاية المقطع على لسان ترامب «ومن الواضح أن التغير المناخي مزيف، تمامًا مثل هذا المقطع»، إلا أن انتشاره على مواقع التواصل الاجتماعي «فيسبوك» و«تويتر» قد آثار الجدل للكثير من الوقت.

شاهد مجموعة من مقاطع  تقنية الـDeepfake من هُنا

وفي ذاك الوقت، حذر  ماركو روبيو عضو مجلس الشيوخ الأمريكي في إحدى جلسات استماع للجنة الاستخبارات بالمجلس، من خطورة الهجمات السياسية التي قد تُشن باستخدام تقنية«Deepfake» أثناء الانتخابات الرئاسية في العام 2020 بغرض التأثير على الرأي العام وتوجيه نتيجة الانتخابات لصالح أطراف بعينها.

 ولكي يوضح مخاوفه، طلب روبيو من أعضاء مجلس الشيوخ أن يتخيلوا مقطعًا مصورًا مزيفًا لمرشح رئاسي في ليلة التصويت، عندما لم يعد هناك وقت متبق لإثبات صحة المقطع، مؤكدًا أن أمرًا كهذا قادر على تهديد مصداقية الانتخابات.

وفي تقرير نُشر بصحيفة «واشنطن تايمز»، استعان بآراء بعض السياسيين في أمريكا، الذين عبروا عن مخاوفهم تجاه استخدام روسيا تلك التقنية أثناء انتخابات 2020 بغرض خلق الفوضى وتدمير المسيرة الانتخابية.

 وذُكر بهذا التقرير تصريحات بن ساسي عضو مجلس الشيوخ والتي صرح بها العام الماضي 2018 خلال «منتدى تكساس القومي للأمن» حينما قال: «إننا نعيش عصر يلعب فيه الـDeepfake دورًا كبيرًا في إثارة الفوضى» مضيفًا أن تلك التقنية قادرة على «تدمير حياة البشر»، وليس المجريات السياسية فقط.

البعض يرى أن السياسيين في أمريكا يضخمون الأمر ويبالغون في مخاوفهم، وعبر عن هذا راسل براندوم المحلل السياسي والذي أطلق على مخاوف السياسيين «ازمة غير موجودة». لكن في المقابل كان لإيلين دوتاهو مدير اللجنة الأطلسي للنزاهة الانتخابية رأي آخر، موضحة أنها عكفت مدة عام كامل على دراسة مدى تأثير تقنية الـ«deepfake» على مسيرة الديمقراطية في الانتخابات الأمريكية.

 وأكدت أنه على الرغم من عدم ثبوت أي محاولات حتى الآن من روسيا لتدمير العملية الانتخابية باستخدام تلك التقنية؛ إلا أن الخطر لازال قائمًا، خاصة وأن روسيا – وفقًا لتصريحات إيلين – لديها الكثير من الخبراء في استخدام تلك التقنية على مستوى محترف.

كيف تحارب أمريكا تقنية «Deepfake»؟

محاربة تلك التقنية، والتي يرى البعض أنها تشكل خطرًا على مسيرة العدل والسياسية في أمريكا، تأتي في إطارين، الإطار الأول هو العلمي بعد تكليف الأمن القومي في أمريكا العديد من الخبراء لدراسة خوارزميات تلك التقنية وتسجيل سلوكياته الشائعة، ومن ثم تحديد الطرق المؤكدة والتي يمكن من خلالها الكشف عن المقاطع المصورة المزيفة.

وأعلن الخبراء التقنيون للعامة أنه حتى الآن، فإن الطريقة التي تُرى بالعين المجردة لأي مشاهد، والتي يمكنها أن تخبرك بزيف هذا المقطع، هو التركيز على أعين المتكلم فإن لم يكن يغمض عينيه أو حتى يغمض بعدد أقل من الطبيعي فعادة ما يكون هذا المقطع مزيف.

من جانبه، اتخذ مجلس النواب الإطار الثاني في حرب أمريكا ضد الـ«Deepfake» ومحاولة تحجيمه، وناقش للمرة الأولى في نهاية 2018 أول مشروع قانون يهدف إلى حظر المواد والمقاعد المصورة المصنوعة بتلك التقنية وتجريمها، ولازالت تلك القضية محل خلاف ونقاش داخل المجلس وعلى المنصات الإعلامية والسياسية، خاصة وأن البعض يرى تلك التقنية من منظور إيجابي قادر على تحقيق الكثير من الإنجازات الترفيهية والعلمية، موضحين – المعارضين للقانون – أن تجريم صناعة تلك المواد يعد قتلًا لدرب جديد من التكنولوجيا في مهده.

ولكن في حالة تمرير القانون والموافقة عليه؛ هذا لن يمنع حرفيًا صناعة تلك المواد، ولكن سيسمح للحكومة الأمريكية بمعاقبة صانعه ومعاملته معاملة المجرم بالضبط، ولكن هذا أيضًا إذا استطاعت الوصول إليه؛ فإن كان صانع محتوس الـ«Deepfake» يتمتع بخبرة تكنولوجية كافية؛ سيكون من السهل عليه إخفاء آثاره على الإنترنت؛ ما يجعل الوصول إليه صعبًا للغاية. 

وربما عدم قدرة السياسيين على فهم كيفية عمل تلك التقنية، وعدم الوصول إلى طريقة واضحة فعالة للسيطرة عليها، هو ما وضعهم في حالة «ذعر» من تقنية الـ«Deepfake»، تلك الحالة التي تتزايد كلما اقتربت انتخابات الرئاسة الأمريكية لعام 2020.

أول رئيس مثلي الجنس.. ماذا سيتغير في أمريكا إذا فاز بيت بوتيجيج بالانتخابات؟

المصادر

s