بدأت القصة عندما سافر الباحثان الدنماركيان هانز أولاف بانج، ويورن دايربيرج إلى دائرة القطب الشمالي لدراسة الأنظمة الغذائية لقبائل الإنويت (الإسكيمو) المتفرّقة في القطب الشمالي. لقد دفعهما الفضول للهجرة إلى الساحل الشمالي الغربي لجرينلاند وقد حطّوا الرحال في قرية تسمى «أوماناك» (Uummannaq) التي كان يعيش فيها قرابة 1350 شخصًا على أنظمة غذائية بدائية تعتمد بشكل كامل على ما يمكنه اصطياده من البرّ والبحر.

البداية من دائرة القطب الشمالي

بدأ الباحثان في جمع عينات الدماء من 130 من السكان المحليين، ومقارنة نتائج الفحص بتلك المتوافرة لديهم عن السكان الدنماركيين، فوجد الباحثان أن أفراد الإنويت يمتلكون مستويات أقل من الكوليسترول والدهون الثلاثية، بينما يمتلكون مستويات أعلى من الأحماض الدُهنية المعروفة بـ«أوميجا 3» الموجودة بوفرة في أسماك المياه الباردة للقطب الشمالي والجنوبي. أخذ الباحثان في استجواب السكّان المحليين عن حميتهم الغذائية، ليجدوا أنها تتكون بشكل رئيس من لحوم الحيتان والفقمات والأسماك والطيور البحرية. توقع بانج ودايربيرج أن تكون هذه الحمية اللاحمة مسبّبة للكثير من المشاكل القلبية للسكان المحليين، لكن توقّعهم كان خاطئًا.

Embed from Getty Images

في الحقيقة، وجد الباحثان أنّ مستوى الأمراض القلبية لدى سكّان الإنويت أقل من المستويات الطبيعية؛ فاعتقدا أن الأحماض الدهنية الغنية بـ«أوميجا 3» قد منحتهم مناعة قوية ضد مشاكل القلب. بعد انتهاء رحلتهم، اقترح الباحثان أن حمية غذائية غنية بهذا المركب «أوميجا 3» قد تحمي الأشخاص الأكثر عرضة للأمراض القلبية. منذ ذلك الوقت تمت الدعاية لزيت السمك ومركب «أوميجا 3» حتى أصبح منتجًا ذا شهرة عالميّة، ويستخدم في معظم أنحاء العالم.

الآن، وبعد عقود من دراسة بانج ودايربيرج، أجريت العديد من الدراسات المهمة والتي تم تصميمها بشكل دقيق، وخرجت بنتائج تثبت عدم تأثير زيت السمك ومنتجاته على حماية القلب من الأمراض التي جاءت في ملاحظات بانج ودايربيرج. في الوقت نفسه، تستمر المقالات والتقارير التي تستشهد بدراسة بانج ودايربيرج لإثبات أهمية زيت السمك وعلاقته بحماية القلب؛ ما يؤدي إلى زيادة الدعاية لزيت السمك وشيوع تداوله في الأسواق الأوروبية والأمريكية حتى وصلت قيمة استهلاكه في الولايات المتحدة عام 2013 فقط إلى 1.2 مليار دولار.

لم يكن الاعتقاد بفوائد زيت السمك مقتصرًا على قدرته على حماية القلب من بعض الأمراض فقط، لكنه قد استخدم بوصفه علاجًا لقرون في مجتمعات الصيد في شمال أوروبا. استخدمته أيضًا المجتمعات في ألمانيا وبريطانيا علاجًا لبعض الأمراض مثل الكساح والروماتيزم والنقرس والسل خلال القرن الثامن عشر. كذلك، يُعتقد أن مجتمعات الصيد في القرون الأسبق كانت تستخدم زيوت السمك لأغراض متعددة أخرى، منها تضميد الجروح وتسكين الآلام والإنفلونزا العادية.

زيت السمك.. تجارة القرن التاسع عشر الرابحة

وُجدت الأدلة على أن مجتمع الفايكنج قد استخدموا زيت السمك في تعاملاتهم اليومية، وكان ذلك كشفًا مهمًا للوقوف على حقيقة بداية الاعتقاد بالقدرات العلاجية لزيت السمك. رغم هذا الشيوع منذ عصر الفايكنج، إلا أن بداية تحوّل زيوت السمك إلى سلعة رائجة تجاريًا لم يتم إلا في القرن التاسع عشر في دول شمال أوروبا وشمال أمريكا. في تلك الفترة، اعتمد إنتاج زيت السمك على الصيد المتوافر للأسماك من نوع الرنجة الشائع، وكانت الاستخدامات التجارية في ذلك الوقت متنوّعة منها دباغة الجلود وإنتاج الصابون، إضافة إلى بعض المنتجات الغذائية.

Embed from Getty Images

مع بداية القرن العشرين، ظلت بعض التقاليد المتعلقة باستخدامات زيت السمك صامدة في كثير من نواحي أوروبا وأمريكا، إلا أن توسّعًا كبيرًا في الصناعات المعتمدة على زيت السمك بدأ يأخذ مساره، رغم ظهور الكثير من المجهودات التي كانت تهدف إلى حماية البيئة، خاصة الفصائل المعرضة للانقراض. توسّعت عمليات إنتاج الزيت معتمدة بشكل أكبر على بعض الأنواع غير القابلة للأكل، مثل الأنشوجة وثعبان البحر الرملي وبعض أنواع الرنكة. هذه الأنواع كان يتم استخراج الزيت منها بوسائل آلية قوامها درجة الحرارة المرتفعة والضغط والطحن.

انتقلت حمّى الاستخدامات الصناعية في القرن العشرين من أوروبا إلى أمريكا اللاتينية، تحديدًا في البيرو وتشيلي، لتصبحا الدولتين الرائدتين في تصدير زيوت السمك عالميًا، إذ كانت تصدر كل منهما ما يساوي 18 ألف متر مكعب من زيت السمك. ظهرت كذلك خطوط إنتاج زيت السمك في الدنمارك وأيسلندا والنرويج والولايات المتحدة، وكان الإنتاج يتم توزيعه في أوروبا وبعض الدول الآسيوية.

هل كانت استنتاجات بانج ودايربيرج صحيحة؟

ظل الاعتقاد بأن زيت السمك يمتلك قدرات شفائية فيما يتعلق بأمراض الأوعية الدموية والقلب، هو المحرك الأول لتداول منتجات زيت السمك. وبسبب هذا الاعتقاد، تحوّل زيت السمك إلى ثالث أكثر المكمّلات الغذائية المتداولة في الولايات المتحدة الأمريكية. طبقًا لهذه الدراسة من المعهد القومي للصحة في الولايات المتحدة، فإنّه على الأقل 10% من المواطنين الأمريكيين يتناولون زيت السمك بشكل مستمرّ في حميتهم الغذائية.

المشكلة الحقيقية في هذا الانتشار الكبير لزيت السمك في الولايات المتحدة والعالم أن معظم الدراسات العلمية التي أجريت لبحث تأثيرات زيت السمك لم تجد أي دليل على أنه يقلّل من خطر الإصابة بالأزمات القلبية والسكتات الدماغية. فقد أجريت العشرات من الدراسات العلمية على مركّبات زيت السمك، وقد نشر معظمها في مجلات علمية وطبية مرموقة، وكان موضوع معظمها هو بحث تأثير زيت السمك على حماية القلب والأوعية الدمويّة في المجتمعات ذات القابلية العالية لهذه الأمراض، وهي المجتمعات التي تمتلك تاريخًا مرَضيًّا لتلك الأمراض، أو بعض العوامل المرتبطة بها مثل ارتفاع نسبة الكوليسترول أو مرض السكري من النوع الثاني.

Embed from Getty Images

واحدة من أهم تلك الدراسات أجريت على 12 ألف شخص ونشرت في مجلة «The New England Journal of Medicine» عام 2013. وجدت هذه الدراسة أن تناول جرام من زيت السمك يوميًا، لا يقلّل احتمالات الوفاة بسبب الأزمات القلبية والسكتات الدماغية لدى الأشخاص الذين يعانون بعض أعراض تصلب الشرايين. يقول الدكتور جياني توجنوني، المؤلف الرئيس للدراسة من معهد الأبحاث الدوائية في ميلان: «أعتقد أن عصر اعتبار زيت السمك بمثابة علاج قد انتهى الآن».

ما حقيقة أبحاث بانج ودايربيرج؟

لم تهتم المقالات والمنصات التي ساهمت في الدعاية الكبرى لمركّبات زيت السمك بالتمحيص والمراجعة فيما يخص نتائج الأبحاث التي قدمها بانج ودايربيرج، لكن بحثًا نشر في صيف عام 2014 في مجلة «the Canadian Journal of Cardiology» وقد وجد أن بانج ودايربيرج لم يحقّقا الصحة القلبية لمجتمع الإنويت، وأن أبحاثهم لم تعتمد كليًا على البيانات الحقيقية، بل اعتمدت على التخمين والحدس.

في هذه الدراسة، قام فريق البحث بقيادة الدكتور جورج فودور في معهد جامعة أوتاوا للقلب، بمراجعة كل الدراسات التي نشرت في المجلات العلمية باللغة الإنجليزية أو الدنماركية قبل عام 2014، والتي تناولت سقوط نسب أمراض القلب في مجتمع جرين لاند من الإنويت. وجد الفريق البحثي 48 دراسة، وبمراجعة الأدلّة الموجودة في تلك الدراسات، وجد فودور وفريقه أن: «نسبة انتشار أمراض القلب في مجتمعات الإنويت مساوية لتلك الخاصة بالمجتمعات الأخرى. كما أنّ لديهم نسبًا مرتفعة من الوفيات بسبب السكتات الدماغية، وأن النسب الكلية للوفاة لديهم هي ضعف النسب في المجتمعات الأخرى، وأن متوسط العمر لديهم هو أقل من متوسط العمل في المجتمع الدنماركي بعشرة أعوام».

بعد كل هذه الدراسات.. ما سر نتائج بانج ودايربيرج؟

أجرى بانج ودايربيرج أبحاثهما على بلدة «أومانداك» الصغيرة كما ذكرنا، والتي يعيش بها 1300 شخص وهو ما يمثل نسبة 2.3% من سكان جرين لاند، وتبعد بعض التجمعات السكنية في هذه البلدة 100 ميل عن أقرب مؤسسة صحية. كذلك اعتمد بانج ودايربيرج في بحثهما على بيانات من كبير المسؤولين الطبيين في جرين لاند للأعوام 1963-1967 و1973-1976 وهي الفترات الزمنية التي لا تشكّل إلا جزءًا ضئيلًا من تاريخ مجتمع الإنويت مع أمراض القلب.

Embed from Getty Images

اعتمدت هذه التقارير على شهادات الوفاة ووثائق الإقامة في المستشفيات. وكانت تقارير عدّة قد أبدت الكثير من علامات الاستفهام حول دقّة المعلومات المذكورة في شهادات الوفاة وإحصائيات الوفيات في جرين لاند. وفقًا لمؤسسات رسمية في جرين لاند، فإن 30% من السكان في حقبة السبعينيات كانوا يعيشون في تجمّعات سكنية معزولة وبعيدة؛ ما أدّى إلى عدم توافر مسئول طبي مقيم. في حالة وفاة شخص في مكان لم يتوافر به طبيب، فإنه يتم استكمال بيانات شهادة الوفاة بواسطة أقرب مسؤول طبي مستعينًا ببيانات يتم إعدادها بواسطة مساعد مسئول طبي أو شخص «مختص» آخر.

وأشارت الدراسة إلى أنّه على الأقل 20% من شهادات الوفاة كانت تستكمل من دون فحص أي طبيب للجثة. وذكرت الدراسة أن اثنين من أخصائيي الأوبئة قد أشاروا إلى أنه كان هناك قلق واضح في الثمانينيات حول إحصائيات الوفاة ووثائق المستشفيات بسبب نقص آليات التشخيص في المستشفيات، وضعف التجهيزات المتوافرة لدى الأطباء في مواسم معينة.

خلصت الدراسة إلى أن هذه التقارير أعطت نتائج إحصائيات بشأن الأمراض القلبية أقل من النسب الحقيقية لتلك الفترة. دراسة أخرى نشرت عام 1986، توصّلت إلى أن واحدة من كل سبع وفيات قد تمّت داخل مستشفى مزوّد بأدوات تمكن الأطباء من تحديد سبب الوفاة بدقّة. كل هذه الدراسات والأبحاث التي أجريت لتحليل بحث بانج ودايربيرج جعلت النتائج التي توصّلا إليها محل تساؤل وشكّ، بحسب فودور وفريقه البحثي.

هل هناك أي فوائد أخرى لتناول مركّبات زيت السمك؟

رغم ظهور عدم صحة النتائج التي قدمها بانج ودايربيرج، إلا أنّ زيت السمك ومركّباته لم يتم الحكم بعدم صلاحيتها نهائيًا؛ ذلك أنّه توجد بعض الدراسات التي تؤكد وجود بعض الفوائد التي يمكن أن تتحقق مع جرعات معينة من زيت السمك. إحدى هذه الدراسات أكدت أن تناول الأمّ أثناء مرحلة الحمل لزيت السمك، قد يقلّل من بعض أنواع الحساسية التي تصيب الأطفال.

دراسة أخرى نُشرت في مجلة «Journal of the American Academy of Child & Adolescent Psychiatry» وأجريت في مركز أبحاث «Yale» للطفل، وجدت أن مُركّبات زيت السمك ذات النسب الأعلى من مركب «EPA) «eicosapentaenoic acid) لها تأثير «متواضع لكن فعال» في علاج اضطراب نقص الانتباه/فرط الحركة. وتوصّلت دراسة أخرى إلى أن تسارع الشيخوخة الدماغية (Accelerated brain aging) يحدث بنسب أعلى للأشخاص الذين لا يتناولون أغذية غنية بـ«أوميجا 3».

لا يبدو أن الجدل حول فوائد زيت السمك سوف ينتهي في المستقبل القريب، كما أن الانتشار المتزايد لمركباته في العالم لا يبدو قابلًا للإيقاف الفوري بفضل الدراسات الرصينة التي تؤكد زيف الادعاءات بقدراته الشفائية المختلفة. رغم ذلك فإن المناقشات العلمية بشأن تأثيراته يجب أن تستمر، من أجل استعادة السيطرة على المواد المنشورة بشأنه؛ وبالتالي مواجهة الدعاية الزائفة بأخرى مدعومة علميًا.

عرض التعليقات

(0 تعليق)

أضف تعليقًا

هذا البريد مسجل لدينا بالفعل. يرجى استخدام نموذج تسجيل الدخول أو إدخال واحدة أخرى.

اسم العضو أو كلمة السر غير صحيحة

Sorry that something went wrong, repeat again!