يعد مرض السرطان أحد الأسباب الرئيسية المؤدية للعجز والوفاة في العالم؛ إذ يتسبب في وفاة حالة من بين كل ست حالات. في عام 2012، بلغ عدد حالات الإصابة الجديدة بالسرطان حوالي 14 مليون حالة، ومن المتوقع أن يرتفع هذا العدد بنسبة 70٪ خلال العقدين القادمين، وفقًا لإحصاءات منظمة الصحة العالمية.

فضلا عن ذلك، كان «السرطان» السبب الرئيسي الثاني للوفاة على الصعيد العالمي، متسببًا في وفاة 8.8 ملايين حالة وفاة في عام 2015. وتحدث نحو 70٪ من حالات الوفيات الناجمة عن السرطان، في البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل.
فما هو السرطان؟ وما هي أكثر أنواعه خطورة وانتشارًا؟ وهل تمنح تجارب العلاج المكتشف حديثًا المسمّى بـ«التعديل الجيني» الأمل للمصابين بالخلاص من هذا المرض الفتاك؟ هذا ما نتناوله في السطور التالية.

السرطان.. جنون يصيب الخلايا

السرطان مصطلح يطلق على مجموعة من الأمراض التي تنقسم فيها الخلايا على نحو غير طبيعي يتصف بـ«الجنون»؛ إذ تفقد الخلايا السيطرة على انقسامها، وتمتد إلى غزو الأنسجة القريبة منها، كما قد تنتشر الخلايا السرطانية إلى مختلف أعضاء الجسم، وتنتشر الخلايا السرطانية إلى أجزاء أخرى من الجسم، عن طريق الدم والجهاز اللمفاوي.

Embed from Getty Images

توجد عدة أنواع رئيسية من السرطان:

  • السرطانة (Carcinoma): سرطان يبدأ في الجلد أو الأنسجة التي تغطي الأعضاء الداخلية.
  • الساركومة (Sarcoma): ورم عضلي خبيث ينمو من الأنسجة الضامة مثل العظام والغضاريف والدهون والعضلات والأوعية الدموية، وغيرها من الأنسجة الضامة أو الداعمة.
  • اللوكيميا / سرطان الدم (Leukemia): سرطان يبدأ في الأنسجة المكونة للدم مثل نخاع العظام، وينتج منه أعداد كبيرة من خلايا الدم غير الطبيعية التي تسري في مجرى الدم.
  • سرطان الغدد الليمفاوية (Lymphoma) والورم النخاعي المتعدد (Multiple myeloma): أورام تبدأ في خلايا الجهاز المناعي.
  • سرطان الجهاز العصبي المركزي (Central nervous system cancers): سرطان يبدأ في أنسجة الدماغ والحبل الشوكي.

أكثر أنواع السرطان انتشارًا

حاليًا، يوجد أكثر من 200 نوع من أنواع السرطان المعروفة، يملك كل منها موقعه الخاص وطريقته غير الطبيعية في النمو، ولحسن الحظ، فإن العديد من هذه الأنواع نادر جدًا. في الولايات المتحدة الأمريكية، يصاب نحو 38.5% من الرجال والنساء بالسرطان خلال مرحلة ما من حياتهم، وتوجد في كل عام 1.6 مليون حالة إصابة جديدة بالسرطان، يقضي المرض على حياة نحو 596 ألفًا منهم سنويًا.

وقد أعدّت الجمعية الأمريكية للسرطان القائمة التالية لأكثر أنواع السرطان انتشارًا، في الولايات المتحدة خلال عام 2017، والتي كان على رأسها سرطان الثدي الذي ظهرت له أكثر من 255 ألف حالة إصابة جديدة، تلاه سرطان الرئة وسرطان البروستاتا في المركزين الثاني والثالث على التوالي.

نوع السرطان العدد المقدر لحالات الإصابة الجديدة العدد المقدر لحالات الوفاة
سرطان الثدي (النساء:الرجال) 252.710 حالة في السيدات – 2.470 حالة في الرجال 40.610 حالة في السيدات – 460 حالة في الرجال
سرطان الرئة (في الجنسين) 222.500 155.870
سرطان البروستاتا 161.360 26.730
سرطان القولون والمستقيم 135.430 50.260
سرطان الخلايا الصبغية (الميلانوما) 87.110 9.730
سرطان المثانة 79.030 16.870
الورم اللمفاوي الاهودجكيني 72.240 20.140
سرطان الكلية 63.990 14.400
اللوكيميا بجميع أنواعها 62.130 24.500
سرطان بطانة الرحم 61.380 10.920

 

أما على الصعيد العالمي، فإن أكثر خمسة أنواع خلّفت أكبر عدد من حالات الوفاة بالسرطان هي: سرطان الرئة (1.69 مليون حالة وفاة)، يليه سرطان الكبد (788 ألف حالة وفاة)، ثم سرطان القولون والمستقيم (774 ألف حالة وفاة)، يتبعه سرطان المعدة (754 ألف حالة وفاة)، وأخيرًا سرطان الثدي (571 ألف حالة وفاة)، وفقًا لإحصائيات منظمة الصحة العالمية.

ما هي أسباب السرطان؟

تتسبب خمسة عوامل في حوالي ثُلث عدد حالات الوفاة بالسرطان، وتشمل هذه العوامل: السمنة، ونقص تناول الفواكه والخضروات في النظام الغذائي، إلى جانب قلة النشاط البدني، وتدخين التبغ، وشرب الكحوليات، ويعد التبغ أهم عوامل الخطورة تلك؛ إذ يتسبب في حوالي 22٪ من حالات وفيات السرطان.

Embed from Getty Images

بالإضافة إلى ذلك، تتسبب بعض حالات العدوى في الإصابة بالسرطان مثل التهاب الكبد (hepatitis)، وفيروس الورم الحليمي البشري (HPV)، المسؤولان عن حدوث ما يصل إلى 25٪ من حالات الإصابة بالسرطان، في البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل.

كذلك، تدخل عوامل أخرى مثل اكتشاف المرض في حالة متأخرة، وصعوبة الوصول إلى وسائل التشخيص والعلاج، ضمن الأسباب الشائعة لارتفاع حالات الوفاة من السرطان، خاصة في البلدان منخفضة الدخل، والتي تعاني من نقص في خدمات الأمراض العامة المتاحة في القطاع العام.

لماذا لم يتمكن العلم من علاج السرطان حتى الآن؟

خلال العقود الماضية استطاع الإنسان الوقوف على سطح القمر، واستكشاف الكواكب والمجرات التي تبعد عنا ملايين السنوات الضوئية. كذلك، تمكن من تسخير الذرة واختراع الإنترنت وإحداث ثورة في وسائل الاتصال، لكنه لم يربح الحرب ضد السرطان بعد.
أحد الأسباب التي تجعل من الصعب علاج السرطان، كون السرطان ليس مرضًا واحدًا، بل يشمل مئات من الأنواع المختلفة التي تسلك مسارات مختلفة في النمو والانتشار، وتنشأ من أسباب عديدة مثل التعرض للإشعاع المؤين، أو المواد الكيميائية أو حتى الفيروسات؛ وبالتالي فإن الأنواع المختلفة من السرطان تتطلب أنواعًا مختلفة من العلاج.

مع ذلك، توجد العديد من الصفات المشتركة بين أنواع السرطان التي تجعل منه مرضًا عصيًا، مثل: عدم الاستجابة لإشارات التوقف عن النمو الخلوية، والقدرة على الانقسام دون رادع؛ نظرًا لقدرتها على الهروب من عملية موت الخلايا المبرمج (apoptosis).

بالإضافة إلى ذلك، تستطيع الخلايا السرطانية تحفيز الأنسجة المحيطة بها لتوفير أوعية دموية تمدها بالدم اللازم لها (angiogenesis)، إلى جانب قدرتها على التهرب من الجهاز المناعي، وغزو الأوعية الدموية أو الليمفاوية، التي تستطيع من خلالها الانتقال إلى أماكن أخرى في الجسم، وإصابة الأجهزة الأخرى مثل الكبد والرئة والعظام.

علاوة على ذلك، فإن آلية التسرطن (Carcinogenesis) نفسها التي يحدث بها المرض ليست بالهينة؛ إذ يدخل فيها مئات بل آلاف من الجينات التي تشكل شبكات معقدة من التفاعلات. لكن الأمر الأكثر إثارة للقلق، هو قدرة الخلايا الجذعية السرطانية على الاختباء؛ إذ قد ينجح العلاج الكيميائي في القضاء على ورم كامل بشكل فعال، لكن بعض الخلايا الجذعية السرطانية قد تتمكن من الهرب، والتسبب لاحقًا بحدوث انتكاس وعودة للمرض من جديد.

مع هذا فإن الصورة ليست قاتمة تمامًا، فقد استطاع العلم قطع أشواط كبيرة لتحقيق بعض الإنجازات، من خلال إجراء الأبحاث حول استخدام الخلايا الجذعية في علاج السرطان، وفي مجال العلاج المناعي، وطب الجينات، التي تفتح آفاقًا واعدة لمواجهة السرطان.

كذلك، توجد علاجات نجحت في مواجهة السرطان بالفعل، وقد حدثت أكبر التطورات في مجال أورام الأطفال؛ إذ كانت تتسبب لوكيميا الأطفال في وفاة 80% من الأطفال المصابين بها، أما اليوم تتجاوز نسب الشفاء منها الـ80%. وبالمثل، كان يتسبب سرطان الخصية في وفاة 95% من ضحاياه، في حين يتمكن الآن أكثر من 95% من المصابين به من التعافي والبقاء على قيد الحياة.

على الجانب الآخر، تظل تُراوغنا الأنواع الأكثر فتكًا من السرطان مثل سرطان الرئة، والثدي، والكبد؛ بسبب الطبيعة التي لا يمكن التنبؤ بها لخلايا هذه الأورام السرطانية.

تجربة واعدة تستخدم تقنية «كريسبر» في القضاء على السرطان

استخدام «التعديل الجيني» ليس بالأمر الجديد في مجال علاج السرطان؛ إذ جرى استخدامه في علاج الأطفال من اللوكيميا في جميع أنحاء العالم. مع ذلك كانت له آثار جانبية عنيفة، أوضحت للعلماء أن طرق تعديل جينات الكائنات الحية يمكن أن يكون لها آثار جانبية خطيرة، قد تتسبب في حدوث طفرات ضارة عن غير قصد.

على الرغم من ذلك، تمكن مجموعة من الباحثين باستخدام تقنية «كريسبر» (CRISPR) الشهيرة في تعديل الجينوم، من هندسة بعض خلايا الجهاز المناعي وراثيًا، وتحسين قدرتها على قتل الخلايا السرطانية في تجارب على الفئران.

جرى تعديل الخلايا لتُظهر على سطحها مستقبلات تُدعى (CARs)، والتي تُمكن الخلايا المناعية من التعرف على الخلايا السرطانية ومهاجمتها. وقد تمكنت الخلايا المناعية التي جرت هندستها بتلك الطريقة من القضاء على الخلايا السرطانية بفعالية أكبر، في التجارب التي أجريت على الفئران.

طريقة عمل العلاج الجديد داخل جسم الإنسان

يعمل العلاج الجديد عن طريق إعادة توجيه الخلايا المناعية للشخص المصاب لمحاربة السرطان؛ وللقيام بذلك يقوم الأطباء أولًا بإزالة الملايين من الخلايا المناعية من دم المريض، تُدعى الخلايا التائية (T cells)، والتي تتمثل وظيفتها المناعية في المساعدة على تدمير الخلايا المصابة أو السرطانية في الجسم.

لاحقا، تُرسل هذه الخلايا التائية إلى المعمل ويجري هندستها وراثيًا؛ إذ يضيف إليها العلماء فيروس يعمل بمثابة «ناقل» (vector)، يقوم بإدخال جزء من المادة الوراثية في الحمض النووي للخلايا، إذ تستطيع أغلب الفيروسات عادة إدراج الحمض النووي في الخلايا الحية. والفيروس المستخدم في هذه الحالة، هو شكل غير نشط من فيروس نقص المناعة البشرية (HIV).

بعد 15 إلى 25 يومًا، تبدأ الخلايا التائية في إنتاج البروتين الجديد، الذي حمل شفرته الحمض النووي الذي أدخله الفيروس الناقل إليها. تبدأ الخلايا أيضًا في النمو والتضاعف؛ ثم يقوم الأطباء بإعادتها إلى جسد المريض مرة أخرى بعد أن جرى تعديلها جينيًا. تُمكن هذه الطريقة الخلايا التائية من التعرف على الخلايا السرطانية، التي تحمل المولد المضاد (corresponding antigen) للبروتين الذي تحمله على سطحها وتدميرها.

النتائج الأولية للعلاج وموقف إدارة العقاقير الأمريكية من التصديق عليه

العلاج مخصص لنوع معين من اللوكيميا، يُسمى «لوكيميا الأرومة الليمفاوية الحادة من نوع بي» (B-cell acute lymphoblastic leukemia)، التي تُصيب الأطفال والشباب على وجه التحديد.

ومؤخرًا، أوصت لجنة خبراء «إدارة الأغذية والعقاقير الأمريكية» (FDA) باعتماد العلاج الجديد، الذي يعد أول علاج يُعدل من خلايا المريض الذاتية وراثيًا؛ لمحاربة السرطان، ويحولها إلى ما يُسميه العلماء «دواء حي» يُعزز من قوة الجهاز المناعي لإيقاف المرض.

حقق العلاج حتى الآن نجاحًا مذهلًا في التجارب السريرية على المرضى، ولم تظهر أية آثار جانبية خطيرة على أي من المرضى الذين جرت معالجتهم به، أو عاود المرض الظهور. مع ذلك، يلزم متابعة المرضى على المدى الطويل؛ لمراقبة حدوث أية تغيرات. تُخطط الشركة المنتجة للعلاج «نوفارتيس» (Novartis)، لمتابعة المرضى لمدة 15 عامًا.

وفي حالة قبول إدارة العقاقير الأمريكيّة (FDA) لتوصية اللجنة – وهو الأمر المرجح حدوثه – سيكون الدواء أول علاج جيني ينجح في الوصول إلى سوق الولايات المتحدة. وقد تلحق به أدوية أخرى في الانتظار؛ إذ انخرط الباحثون وشركات الأدوية في منافسة شديدة، على مدى عقود للوصول على هذا الإنجاز، الذي تستعد الآن شركة «نوفارتيس» لتنال السبق فيه.

المصادر

تحميل المزيد