بالرغم من أن إسرائيل تصنف جبهة قطاع غزة بوصفها الحلقة الأضعف بين جبهات أعدائها، فإنها تدرك جيدًا أن هذه الجبهة هي الأكثر جرأة، في استهداف العمق الداخلي لها، فتلك الجبهة على استعداد للذهاب حتى النهاية في المواجهة.

النتيجة السابقة تؤكدها جولات الصراع العسكري المتفاقم، منذ حصلت حركة المقاومة الإسلامية «حماس» على كرسي الحكم في قطاع غزة إثر انتخابات عام 2006، وهي المدة التي خاضت فيها إسرائيل أكثر من عدوان من أجل القضاء على الحركة عسكريًّا، لكن الأخيرة كانت تخرج من كل معركة أقوى عسكريًّا مما كانت عليه، لكن هل سيكون الحال كما هو عليه، في حال وقع العدوان الرابع على قطاع غزة، الذي يعاني الويلات من جراء الحصار المستمر منذ 11 عامًا.

من «الشيطنة» إلى الاحتفاء.. كيف تبدلت صورة «حماس» في عيون الإعلام المصري؟

 

من عدوان لآخر.. حماس باقية في غزة

شنت إسرائيل في 27 ديسمبر (كانون الأول) 2008 عدوانًا على قطاع غزة، أطلقت عليه اسم «الرصاص المصبوب»، وبرغم استخدام جيش الاحتلال أسلحة محرمة دوليًّا في هذا العدوان، مثل اليورانيوم المنضب، والأسلحة الفسفورية، وسقوط نحو 1500 قتيل، غالبيتهم من المدنيين، فإنها فشلت في تحقيق أهدافها المتمثلة في القضاء على حركة «حماس»، وتعرضت لخسائر كبيرة، إذ قُتل حوالي 100 إسرائيلي في هذا العدوان.

وفي عام 2012؛ عاودت إسرائيل شن عدوان كبير على قطاع غزة، عرف باسم «عمود السحاب»، وهو العدوان الذي أدركت بعده «حماس» أهمية التجهيز العسكري، فانكبت نحو تقوية قدراتها العسكرية، حتى إنه بعد أقل من سنتين أصبح لدى الحركة صواريخ قادرة على بلوغ مسافات أبعد في العمق الإسرائيلي، وبرزت هذه القوة في عام 2014 حين شنت إسرائيل عدوان «الجرف الصامد» بهدف ضرب البنية التحتية العسكرية لـ«حماس».

بعد عدوان 2014، أدركت «حماس» أن خوض جولة قتال أخرى مع إسرائيل هي مسألة وقت، ولذلك أخذت تستخلص الدروس أكثر، فاستعادت قدراتها العسكرية سريعًا، ومضت نحو تطوير قدراتها العسكرية، حتى أصبحت المصادر الإسرائيلية تتحدث عن صعوبة في التعرف على ما تمتلكه «حماس» من أسلحة متطورة، بما في ذلك الصواريخ والطائرات بدون طيار.

وكذلك طورت الحركة من قدرات القوات البحرية، وهي قدرات جعلت الحركة قادرة على إشعال المنطقة في الوقت الذي يناسبها، ولذلك قال موقع «مفزاك لايف» الإخباري في فبرابر (شباط) 2018 إن: «حماس تعمل ليلًا ونهارًا منذ انتهاء حرب 2014 لتطوير قدراتها وترسانتها العسكرية؛ فالحركة تمتلك حاليًا أكثر من 15 ألف قذيفة صاروخية، من بينها أكثر من ألف قذيفة صاروخية طويلة المدى يصل مداها إلى مدينة حيفا ومنطقة غوش دان».

وبرغم التضييق الكبير على عمليات وصول الأسلحة لـ«حماس» عبر سيناء والبحر، فإن الحركة استطاعت تعزيز قدراتها العسكرية بمساعدة إيرانية، فبعد عام واحد من انتهاء عدوان عام 2014 أصدر «معهد أبحاث الأمن القومي» في جامعة تل أبيب دراسة بعنوان «هل ستكون حماس مستعدة أكثر في المواجهة المقبلة مع إسرائيل– رؤى وتقييمات حيال دروس حماس من الجرف الصامد»، جاء فيها أن: «الدروس التي تستخلصها حماس أسرع وأنجع من جولة قتالية إلى أخرى، ولذلك تحسنت قدرة حماس العسكرية بما لا يقاس منذ عملية الرصاص المصبوب، في ديسمبر 2008، ويناير (كانون الثاني) 2009، وحتى عملية الجرف الصامد، سواء من حيث النوعية أو الكمية».

مستوطن يمر بجوار منزل تعرض للقصف

وأجملت الدراسة الأسباب التي دفعت «حماس» لخوض هذه المعركة مع إسرائيل، إلى تدهور الوضع الداخلي في القطاع وعزلة الحركة الإقليمية، وتخوفها من فقدان القدرة على استمرار حكمها في قطاع غزة، ولذلك استخدمت الحركة ما أسمته الدراسة بـ«قوة الضرر»، من أجل ضمان استمرار بقاء الحركة عبر خوض جولة قتال قد تؤدي إلى تخفيف الحصار المفروض على القطاع، والذي تفاقم بعد حرب عام 2012 وسقوط نظام الرئيس المصري محمد مرسي.

وأضافت الدراسة التي ذكرت أن «حماس» ليس لديها مصلحة حاليًا في استئناف القتال ضد إسرائيل، أن: «كتائب القسام تعمل على تطوير أساليب جديدة للقتال ضد إسرائيل، وبالإمكان الاعتقاد أنه في المواجهة المقبلة ستكون الحركة مستعدة أكثر وأخطر من الماضي، وهي تواصل الاستعداد جيدًا لهذه المواجهة، وترمم وتعيد بناء قوتها العسكرية وبنيتها التحتية، وهي تقوم بذلك من خلال إدراك أن هذه المواجهة ستطول أكثر».

كيف أصبح «لحم إسرائيل الحيّ» في يد المقاومة بغزة؟

في 14 نوفمبر (تشرين الثاني) 2018، تسللت وحدة استخباراتية إسرائيلية إلى شرق خان يونس، وحين اكتشف أمرها من قبل عناصر من «حماس» اندلع اشتباك قُتل فيه سبعة فلسطينيين علاوة على قتل قائد الوحدة الإسرائيلي.

انتهى يوم هذه العملية بقصف متبادل بين فصائل المقاومة بغزة وإسرائيل، وقبيل التزام الطرفين بالتهدئة التي تمت بجهود مصرية حدثت مفاجأة تمثلت في استهداف حافلة عسكرية إسرائيلية بصاروخ «كورنيت»، وهو صاروخ متطور مضاد للدروع. وفيما راح الإسرائيليون يفسرون إلى أين وصل مستوى التفوق العسكري لدى «حماس»؟ حمل منتصف مارس (آذار) 2019 مفاجأة جديدة، وذلك حين سقط صاروخان باتجاه تل أبيب، فرد الاحتلال بقصف نحو 100 هدف في غزة قبل أن ينتهي الأمر بتهدئة مصرية أيضًا.

لكن وبالرغم من تأكيد كل من «كتائب الشهيد عز الدين القسام»، الجناح العسكري لـ«حماس»، وحركة «الجهاد الإسلامي»، عدم مسؤوليتهما عن هذين الصاروخين، وترديد صحة هذه الفرضية من جانب الإسرائيليين أنفسهم، شككت مصادر إسرائيلية أخرى بأن إطلاق الصواريخ لم يكن خطأ، وأكدت أن الأمر كان مخططًا له، ويأتي في سياق الضغط الذي يقوده قائد «حماس» يحيى السنوار على إسرائيل، ورأت هذه المصادر أن تجهيز الصواريخ تم في شمال قطاع غزة بمعرفة السنوار، الذي توقع ألا تنجر إسرائيل لحرب بسبب الانتخابات الإسرائيلية الداخلية.

وبعد مضي 10 أيام فقط على إطلاق الصاروخين السابقين، أطلق تحديدًا صباح يوم 25 من مارس 2019 صاروخ من طراز J-80، يحمل اسم القائد العسكري السابق لحركة «حماس» أحمد الجعبري، إذ حلق الصاروخ مسافة 141 كم، (وهو أبعد مدى يصل إليه صاروخ يطلق على إسرائيل منذ حربها عام 2014 على غزة)، وأصاب أحد المنازل شمالي تل أبيب، بعدما أفلت مثل الصاروخين السابقين من المنظومة إلاسرائيلية التي تبلغ كلفتها مئات الملايين من الدولارات وأنشئت لصد هذه الصواريخ.

ومع استمرار الأوضاع في قطاع غزة بين شد وجذب، وعدم توقع انتهائها عند الهجمة الإسرائيلية التي استهدفت القطاع إثر سقوط الصاروخ الأخير على تل أبيب، يرى الكاتب والمحلل السياسي ساري عرابي في حديثه لـ«ساسة بوست» أن إسرائيل تدرك أنه بعد عدوان عام 2014؛ أصبحت مهمة إزاحة «حماس» عسكريًّا، مهمة بالغة الصعوبة، ويتابع القول: «لكن ثمة معطيات جديدة دخلت على خط المواجهة، وهي اهتراء صورة بنيامين نتنياهو بصفته رجل الأمن القوي، بعدما تمكنت المقاومة في غزة من كسر المعادلة الإسرائيلية أكثر من مرة، كما في المرة الماضية بعد حادثة الوحدة الإسرائيلية في خانيونس».

ويعتقد عرابي أنه في حال تدحرجت المواجهة، ولم تثبت التهدئة، لا سيما وأن إسرائيل مقبلة على انتخابات، ونتنياهو معني بترميم صورته، في هذه الحالة لو اتسعت المواجهة إلى عدوان، فـ«حماس» قادرة على الصمود، بالرغم مما تعانيه من حصار خانق وقطع لطرق إمدادها بالسلاح، معقبًا بالقول لـ«ساسة بوست» أن: «حماس قد راكمت تجربة جيدة، وتملك إرادة قتالية، في حين لا يملك الاحتلال إرادة قتالية، ولا يملك تصورًا سياسيًّا لليوم التالي للحرب».

قصف إسرائيلي نال من مناطق في قطاع غزة

ويتفق الخبير العسكري اللواء يوسف الشرقاوي مع عرابي في أن إسرائيل من تجاربها السابقة، لن تستطيع حسم أي معركة بالسلاح الجوي الإسرائيلي أو المدرعات، فالذي يحسم أي معركة هم جنود المشاة على الأرض، وتابع القول لـ«ساسة بوست»: «أعتقد أن إسرائيل لا تملك مقاتلين مثل مقاتلين حماس، ولذلك قال الإسرائيليون إنهم من الممكن أن يحتلوا مناطق في قطاع غزة، لكنهم تساءلوا: ماذا سنفعل في اليوم التالي، لن نستطيع النزول من الدبابات مطلقًا»، مشيرًا إلى أنه بعد حرب لبنان عام 2006 أصبحت الحروب الإسرائيلية بدون انتصار، ولذلك يتوقع أن تنجح «حماس» في إفشال أهداف العدوان الجديد على قطاع غزة في حال وقوعه؛ لأنها ستفشل تحقيق الأهداف الإسرائيلية.

ويشير الشرقاوي المقيم في الخليل إلى أن إسرائيل كانت في الماضي تمتلك فرصة أن تنقل معركتها إلى أراضي الغير، لكن «اللحم الحي» الإسرائيلي بات حاليًا في يد المقاومة بغزة. فقصف الوسط الإسرائيلي بالصواريخ هو من يحسم المعركة، وإسرائيل سوف تعجز عن حماية الجبهة الداخلية، وتلك نقطة صعبة لدي الحكومة الإسرائيلية، وختم الشرقاوي بالقول لـ«ساسة بوست» إن: «إسرائيل مسكونة بالعجرفة التي تعتبرها بطولة، وسوف ترضخ لمطالب المقاومة؛ لأنها لن تنتصر بأي حرب على المقاومة، والحرب المتتالية على قطاع غزة خير شاهد على أن إسرائيل لن تستطيع حسم أي معركة؛ فالفصائل الآن تعتمد على عنصر المفاجأة، وهو عنصر مهم في إفشال الأهداف الإسرائيلية».

«الحال كما هو عليه».. سيناريوهات الحروب الماضية تتجدد

على جانب آخر، تريد إسرائيل تحقيق عدة أهداف استراتيجية في غزة، أكثرها إلحاحًا الآن إعادة الهدوء لمستوطنات غلاف غزة بعدما نالت منها فعاليات مسيرات العودة الكبرى، وكذلك فصل القطاع عن مسؤوليتها من خلال إعادة السلطة الفلسطينية للقطاع، أو من خلال توسيع المسؤوليات الملقاة على عاتق المصريين، وذلك بالعمل على منع وقوع أزمة استراتيجية.

وزير الدفاع الإسرائيلي السابق موشيه يعلون بجوار بطارية صواريخ

ناهيك عن هدف استراتيجي يخص حرصها على نزع سلاح الفصائل، أو على أقل تقدير منع تعاظم القوة العسكرية لهذه الفصائل، وتؤمن إسرائيل بأن تحقيق هذه الخيارات يحدث بعد مواجهة عسكرية قوية لا تصل إلى درجة احتلال القطاع، وإنما تقتصر على تنفيذ ضربات جوية، ولذلك لا يستبعد مدير وحدة «المشهد الإسرائيلي» في المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية (مدار) أنطوان شلحت خلال حديثه لـ«ساسة بوست»، أن تتطور الأمور الآن نحو عملية عسكرية إسرائيلية واسعة النطاق، لكن إلى أي مدى يستطيع قطاع غزة أن يصمد أمام عملية عسكرية كبيرة؟ يجيب شلحت بالقول: «هذا سؤال كبير، لأن الوضع في القطاع بائس جدًا ويرثي له، وهناك أيضًا عنصر يؤخذ بعين الاعتبار، وهو موقف مصر من العملية العسكرية الواسعة، فمصر بمثابة ضمير لقطاع غزة، هل هذا الضمير سيكون مساند لشعب القطاع أم لن يكون، تلك عوامل لها اعتبارات في صمود غزة».

ويتابع شلحت القول لـ«ساسة بوست»: «عملية المواجهة ليست سهلة، القضاء على سلطة حماس لن يتم من خلال قصف جوي غير مقرون بعملية برية، لأن إسرائيل تدرك مدى خطورة العمل البري المعقد في غزة»، ويشير شلحت إلى أن المتابع للشأن الإسرائيلي يرى أن شعار القضاء على «حماس» نهائيًّا أمر غير مرفوع وليست غاية إسرائيلية، فالإسرائيليون يفكرون فقط في عقوبة قاسية لـ«حماس» وليس لإسقاط حكمها، لأن قطاع غزة سيكون في هذه الحالة بحاجة لبديل عن «حماس»، ولا خيارات أمام إسرائيل لهذا البديل.

ويختم شلحت بالقول إنه يشك في أن تتسبب عملية عسكرية واسعة في إسقاط «حماس» في غزة، وقال: «أنا أشك في ذلك، أي عملية ستؤدي لسيناريو عدوان عام 2008 و 2014، الحال كما هو عليه».

إسرائيليون يتفقدون مكان قصف صاروخ فلسطيني

كذلك يعتقد المحلل السياسي طلال عوكل أن أمر القضاء على «حماس» لا يتعلق بإمكانات المقاومة الفلسطينية التي هي أفضل من السابق، وإنما يتعلق بالقرار الإسرائيلي إلى أين سيذهب جيش الاحتلال بالعدوان؟ ويوضح لـ«ساسة بوست» أنه: «إذا أرادت إسرائيل أن تخوض عدوانًا واسعًا لإنهاء حركة «حماس»، وتدمير بنية المقاومة فالأمر يختلف كثيرًا؛ لأنه ليس من الوراد أن تفعل إسرائيل ذلك انطلاقًا من أن وجود حركة «حماس»، ووجود الانقسام مرتبط بمخططات إسرائيلية، وهو أمر استراتيجي بالنسبة لإسرائيل، بمعنى أن إسرائيل معنية بأن نكون أمام عمليات عسكرية لها سقف زمني»، ويتابع القول: «هنا إسرائيل لا تستطيع أن تعلن الانتصار؛ لأنه لا يوجد معايير لإعلان الانتصار، ولكن في المقابل حركة «حماس» ستعلن أنها صمدت وانتصرت، طالما هذه الحرب لم تأخذ مدى طويلًا أولًا، وطالما ليس لها هدف محدد من نوع إنهاء سيطرة حركة «حماس» على قطاع غزة».

ويتطرق عوكل إلى القوة العسكرية للفصائل، ويؤكد أن وضع إمكانات المقاومة أفضل الآن، وبالتالي يمكن أن تكون الخسائر في الجانب الإسرائيلي أكبر، ويوضح: «الصاروخ الذي أرسل هو رسالة جدية لإسرائيل، صاروخ يطلق من رفح لشمال إسرائيل، برأس متفجر، ولأول مرة يدمر بيتًا بالكامل، هذه رسالة ساخنة لإسرائيل».

ويشدد عوكل على أن هدف إسرائيل من الحرب الآن هو أن تحقق الهدوء مع غزة، وتؤجل الخطر الاستراتيجي لسلاح المقاومة، خاصة أن نتنياهو بسبب الانتخابات يتعرض لانتقادات شديدة، وهو مضطر لخوض عمليات ذات طبيعة انتقامية، يقول من خلالها أنه قادر على الرد على حركة «حماس»، وذلك دون أن نكون أمام تدهور كبير يخسر فيه نتنياهو مستقبله، حسب عوكل.

من «بدنا نعيش» لـ«عمليات الضفة».. كيف قلبت حماس الطاولة على فتح وإسرائيل؟

المصادر

تحميل المزيد