في الأساطير اليونانية القديمة، كان هناك كائن أسطوري يسمى «الكايميرا»، له رأس أسد، وجسد ماعز، وذيل أفعى. كائن ذو تكوينات جسدية متعددة؛ تسكن داخله أكثر من بصمةٍ جينية، فلا تستطيع أن تصنفه.

في الميثولوجيا، كان هذا الكائن وحشًا يخشاه القدماء، يقتل الأطفال وينفخ النيران ويحرق الأراضي. في العصر الحديث أصبح «الكايميرا» ظاهرة طبية، تعرف باسم «ظاهرة التوائم المتلاشية». وهم أشخاص اكتشف الطب الحديث أن لديهم أكثر من حمضٍ نووي واحد. فهل يمكن لتوأمك أن يعيش داخلك؟

أبناؤك هم أطفال توأمك الذي لم يولد؟

في ولاية واشنطن كانت هناك امرأة تدعى ليديا فيرتشايلد، كادت تفقد حضانة أطفالها. اضطرت فيرتشايلد أن تقف أمام المحكمة، وتقاتل لإثبات أن أطفالها الذين أنجبتهم هم أبناء رحمها. بدأ كل شيء عندما كانت ليديا عاطلة عن العمل، وفي السادسة والعشرين من عمرها، تقدمت للحصول على مساعدة عامة من ولاية واشنطن. كان عليها حينذاك أن تخضع لبعض الإجراءات الروتينية، مثل تحليل اختبار الحمض النووي لإثبات إعالتها لهؤلاء الأطفال، حينها اتصلت إدارة الخدمات الاجتماعية بفيرتشايلد وأخبرتها بضرورة الحضور: لقاء روتيني مع أخصائي اجتماعي تحول فيما بعد إلى استجوابٍ جنائي.

جاءت نتائج الحمض النووي صادمة؛ فقد كانت النتيجة إيجابية بالنسبة إلى الأب، والأطفال أشقاء. نتيجة واحدة فقط كانت مختلفة، وهي نتيجة الأم. حمضها النووي لا يتطابق مع الأطفال. تقول عن ذلك ليديا: «كنت أعلم أنني مَن حملت بهم تسعة أشهر داخل رحمي، وأنجبتهم للحياة».

كانت إدارة الشؤون الاجتماعية لديها رأي آخر؛ حيث اعتبروا ليديا إما مجرد أم بديلة مأجورة أو محتالة، وكادت تفقد أطفالها. بدأت في ذلك الوقت محاولات ليديا لإثبات بنوة أطفالها، تقول إنها أخذت تبحث عن صور فوتوغرافية لها أثناء الحمل والولادة، وأخبرت طبيب النساء والتوليد الخاص بها، وكان على استعدادٍ للشهادة في المحكمة، وعندما أخبرت أمها عن تقرير الشؤون الاجتماعية، اعتقدوا أنه مجرد خطأ وارد في التحاليل الطبية.

أجرت فيرتشايلد مجموعة من اختبارات الحمض النووي في معامل تحاليل مختلفة، وفي كل مرة النتيجة تأتي واحدة: «الأطفال ليسوا أبناءها». تحول الأمر إلى معركة شاقة في قاعات المحاكم، وذلك حتى كشف الأطباء عن سر غموض هذه القضية. فبأخذ عينة حمض نووي من رحم فيرتشايلد اكتشفوا أن الرحم يحمل بصمة وراثية أخرى، وصنفت الحالة بـ«كايميرا».

 

عرفت الحالة باسم «ظاهرة التوائم المتلاشية»، وفيها يمتص الجنين بعض الخلايا من جسد توأمه. يحدث ذلك عندما ينتج جسد الأم بويضتين، تلقح البويضتين من حيوانين منويين مختلفين، يكوَّن كل منهما جنينًا منفصلًا، إلا أن أحد الأجنة يموت ويتلاشى في فترات الحمل الأولى. حينها تندمج البويضتين معًا في شكل جنينٍ واحد يمتص خلايا أخيه الذي لم يولد؛ فيعيش شبح توأمه داخله إلى الأبد.

تعتبر هذه الحالة شائعة نسبيًا في الحيوانات، إلا أنها تحدث للبشر أيضًا، وتصبح شائعة في الحالات التي تتلقى علاجات الخصوبة من أجل الإنجاب، وفي حالة فيرتشايلد، كانت المرأة تحمل في رحمها جينات توأمها المتوفاة، وكان أطفالها يحملون البصمة الوراثية لشقيقتها التي لم تولد.

عندما تسكن خلايا الأبناء أدمغة أمهاتهم

في  تقرير نشر بموقع «Sciencealert» ويتناول الحالات التي تسبب ازدواج الحمض النووي لدى البشر، جرت الإشارة إلى أنه في حالات «زراعة نخاع العظم» – وهو النسيج داخل عظامنا المسؤول عن إنتاج خلايا الدم البيضاء والحمراء والصفائح الدموية، يبدأ نخاع عظم المتبرع في تكوين خلايا دم تحتوي على حمضه النووي، وبالتالي يصبح المتلقي «كايميرا»، أو ذا حمض نووي مزدوج. 

كانت بعض الحالات الأخرى تعاني من «ظاهرة التوأم المتلاشي»، إلا أنه في التسعينات، اكتشف العلماء بعض الحالات تمتص فيها الأم بعض الخلايا من طفلها. فتهاجر بعض خلايا الجنين خارج الرحم عن طريق المشيمة، وتنتقل إلى أعضاء أخرى. حينها يحتفظ بها جسد الأم، وهو ما وصفته صحيفة «النيويورك تايمز» بـ«هدية تذكارية من الحمل»، وأطلق عليه العلماء اسم «الخيمرية الميكروية».

تعتبر الرابطة ما بين الأم وطفلها من أوثق الروابط البشرية على مر التاريخ، فهي الأكثر ارتباطًا بالطبيعة والخلق الجديد، كما أشار المفكر فراس السواح في كتابه «عشتار»، فالأم تحمل طفلها داخل أحشائها تسعة أشهر، وتنبته بشرًا كاملًا. تعطيه من جسدها الغذاء، ونصف جيناتها، وكأنها تهبه الحياة. إلا أن العلم الحديث قد أثبت في العقود الأخيرة أن الجنين أيضًا يمكن أن يعطي الأم من نفسه.

كانت هذه الحالة مرتبطة باكتشاف العلماء لبعض خلايا الأبناء الذكور تعيش داخل أدمغة أمهاتهم، ففي دراسة علمية نُشرت في موقع «scientific American»، وركزت على النساء ممن أنجبوا الذكور. وجدوا أن 63% من السيدات موضوع البحث، لديهن آثار للحمض النووي داخل أدمغتهم. وهو شيء اعتبره العلماء شائع الحدوث للنساء أثناء الحمل. تشير الدراسة إلى أن «الخيمرية الميكروية» تحدث تقريبًا لجميع النساء الحوامل، إلا أن قلة قليلة منها تحتفظ بالخلايا داخل أجسادها.

لم تكن تلك هي الدراسة الوحيدة، ففي دراسة أخرى أجريت عام 2015، عكف الباحثون على دراسة عينات من الكلى والكبد والطحال والرئتين والدماغ من 26 امرأة توفيت بطريقة مأساوية أثناء الحمل أو بعد شهر واحد من الولادة. كان أنسجة جسد النساء تحتوي على خلايا جينية غريبة، وبالبحثِ اكتشف العلماء أن تلك الخلايا تابعة للجنين. كانت الخلايا كلها تحتوي على كروموسوم «Y» المتواجد فقط داخل أجساد الأجنة الذكور.

في هذه الحالات كانت أجساد النساء تقاوم الخلايا الغريبة مناعيًا، وينهار جسد المرأة؛مما قد يسبب الوفاة، إلا أنه في كثير من الحالات الأخرى، تستطيع تلك الخلايا النجاة دون أن يقاومها جسد الأم، بل تندمج مع أنسجة الأم في اعضائها المختلفة، سواء الكلى أو الطحال أو القلب أو الدماغ، وتبقى هناك إلى الأبد. وقد أثبتت الدراسة التي أجريت عام 2012 أن خلايا الجنين قد تبقى في جسدِ المرأة لسنوات. أثناء ذلك حلل الباحثون أدمغة أكثر من 59 امرأة تتراوح أعمارهم ما بين 32 و101 عامًا واكتشفوا أن نسبة كبيرة من أجساد النساء قد حفظت بصمة الحمض النووي للجنين داخل أدمغتهم. كانت أكبرهم امرأة بالغة من العمر 94 عامًا. 

على جزء من الحمض النووي.. العلماء يتمكنون من تخزين فيلم ونظام تشغيل «دوس»

هل يمكن أن يكون لديك فصيلتا دم؟

عادةً ما تحتوي خلايا الكائن الحي على نوعٍ واحد من الحمض النووي، وهو الحمض النووي الخاص به فقط، إنها إحدى القواعد الأساسية لعلم الوراثة؛ إلا أن «الكايميرا» تكسر هذه القاعدة؛ إذ يمتلك الشخص في تلك الحالة مجموعتين كاملتين من الحمض النووي، كل منهما كافية لصنع شخص كامل. ويختلف الأمر من شخص «كايميرا» إلى آخر، كل حسب نوع الخلايا التي امتصها من توأمه المتوفى المتلاشي. ففي حالة فيرتشايلد سابقة الذكر، امتصت المرأة من بويضة توأمها الرحم؛ ليصبح نسيجه يحمل بصمة وراثية مختلفة عن بصمة جسدها.

عندما تتلاشى البويضة الثانية المخصبة تمر الخلايا عبر المشيمة. قد تستقر في جسد الأم، وقد يعود جزء آخر عبر المشيمة إلى جسد الجنين، وتختلف الأنسجة والأعضاء المتأثرة بـ«الكايميرا»، بحسب أين تنتهي رحلة هذه الخلايا المحملة بالحمض النووي الغريب في أعضاء الجسد. 

تشير بعض الدراسات إلى أن التوائم حتى وإن عاشوا ولم يمت أحدهما في فترات الحمل الأولى فقد يعانون من «الكايميرا»؛ إذ اكتشف العلماء أن 8% من التوائم غير المتطابقة يعانون من «كايميرا الدم»، وهي حمل فصيلتين مختلفتين من الدماء، في حين ترتفع النسبة إلى 21% في التوائم الثلاثية.

Embed from Getty Images

عام 1953 اكتشفت أولى حالات «كايميرا الدم»، وذلك عندما ذهبت السيدة ماك إلى عيادة التبرع بالدم في شمال انجلترا. كان يومًا عاديًا في حياة السيدة، ذهبت فيه للتبرع بالدم، وعادت إلى منزلها مرةً أخرى، إلا أن «حقيبة الدم» تلك القطعة التي تركتها من نفسها في العيادة، كانت استثنائية.

أرسل دم السيدة ماك إلى المختبر، وهناك عكف المتخصصون على القيام بالاختبارات اللازمة لفحص الدم من الأمراض، وهي الخطوة التي تسبق نقله إلى جسدٍ آخر. حينها وجد الطبيب المحلي شيئًا غريبًا في دماء السيدة: فقد كانت الدماء مزيجًا من فصيلتين مختلفتين، وهو أمر مستحيل الحدوث من الناحية البيولوجية. أعاد الطبيب التحاليل مرةً أخرى للتأكد من أن الدماء قادمة من شخصٍ واحد، وأنها نقلت وفقًا للإجراءات الطبية، إلا أن النتيجة لم تتغير؛ فأرسلها إلى مجلس للأبحاث الطبية في لندن.

كانت تلك العينة سببًا في حيرة العلماء؛ إذ كيف يمكن لجسدِ شخص واحد أن يحتوي على فصيلتين مختلفتين من الدماء؟ للإجابة عن هذا السؤال كان العلماء في ذلك الوقت يختبرون ظاهرة الأبقار التوائم، ممن حملن فصيلتين مختلفتين من الدماء. كانت ظاهرة طبية حديثة لم يتوقعها العلماء في البشر. حينها توقع الباحثةن أن السيدة ماك لها توأم، امتصت فصيلة دمائه أثناء الحمل، جنبًا إلى جنب فصيلة دمها.

استطاع العلماء حينها كتابة تاريخ كامل لحياة السيدة ماك من فصيلة دمها، هذا قبل أن تؤكد السيدة موت أخيها التوأم في الثالثة من عمره. وبذلك أصبحت ماك هي أول «كايميرا» بشرية سجلت من قبل الباحثين. عن هذا كتب عالم المناعة الشهير بيتر مدور: «أليس هذا أمرًا استثنائيًا، أن تكون السيدة ماك قادرة على حمل دماء شخص مات من 30 عامًا داخل جسدها؟»، أشار مدور إلى أنه من المرجح أن يتخلص جسد السيدة ببطء من دماء أخيها، إلا أن الأمر لا يمكن تحديده بالسنوات.

لم يعرف الأطباء حينذاك أن السيدة ماك هي «كايميرا»، وظاهرة طبية يمكنها الحدوث حتى مع قلة الحالات المكتشفة طبيًا، وأن الكايميرا مرتبطة بأن يكون لك توأم، سواء كان هذا التوأم يعيش معك الآن في منزل الأسرة أم توفي قبل أن تعلم بوجوده حتى.

«الكايميرا» يمكن أن تفسر الكثير من الظواهر

على مدار عقود كان علم الوراثة ثابتًا فيما يتعلق بتحليلات البصمة الوراثية للبشر. كل إنسان متفرد بذاته. أما الاختلاط والاندماج فقد كان جزءًا من تجارب المختبرات التي حاولت أن تذرع خلايا بشرية في الفئران على سبيل المثال، أو تصنع مزيجًا من حيواناتٍ مختلفة، إلا أن العلم الحديث قد فاجأنا بمفهومٍ أوسع للوراثة: فالطبيعة مرنة إلى حدٍ كبير، وتحتمل كل الاحتمالات، بما فيها أن يبتلع جنين جسد توأمه ليحيا مزيجًا بين الاثنين.

في حالة المغنية تايلور موهل كانت هي توأمة نفسها. وهو ما جعل جسدها يحمل لونين من التصبغات الجلدية على البطن. كانت تظن في البدء أن اللون المختلف عن لون جسدها هو إحدى «وحمات الولادة»، هذا قبل أن تكتشف حملها مجموعتين من الحمض النووي، كلتاهما قادرة على تكوين شخص كامل. عن ذلك يقول دكتور علم الوراثة بروكا ترشيش أنه وفقًا لما جاء في ورقة بحثية عام 2009، يمكن لـ«الكايميرا» أن تفسر الكثير من الظواهر غير المفسرة، مثل الأشخاص ذوي التصبغات الجلدية المختلفة، ممن يملكون لونين للجلد (حالة موهل)، أو الأشخاص الذين يملكون لونين مختلفين للعينين أو فصيلتي دم.

يقول ترشيش: إن حالات «الكايميرا» يصعب التنبؤ فيها بتأثير الحمض النووي الدخيل على الأنسجة العضوية، مثلًا في الحالات التي تختلط فيها الكروموسومات «XY» و«XX»، تلك التي يكون فيها نوع الجنين مختلفًا عن نوع توأمه المتلاشي، يمكن أن تتأثر الأعضاء التناسلية الداخلية أو الخارجية للمولود، بأن يحمل الشخص أعضاء تناسلية غامضة. في حالة موهل والسيدة فيرتشايلد على سبيل المثال، كان توأمهما أنثى، وهو ما لا يتعارض مع طبيعة جسديهما؛ فقد احتوى الحمض النووي الدخيل على كروموسومات أنثوية، إلا أن هناك حالات أخرى قد تحمل شفرة لحمضٍ نووي مؤنث، وأخرى لحمضٍ نووي مذكر.

بعض حالات «الكايميرا» قد تعاني من مرض المناعة الذاتية، مثل حالة تايلر موهل؛ فقد أخبرها الأطباء أنها تحمل داخل جسدها جهازين للمناعة، وهو ما أدى إلى أن يهاجم جهاز المناعة الخاص بها، الحمض النووي الدخيل ويتفاعل معه. وقد نتج عن ذلك أيضًا إصابتها بالحساسية تجاه العديد من أنواع الطعام والأدوية والمجوهرات. ويشير الأطباء إلى أن «الكايميرا» قد تفسر الكثير من أمراض المناعة الذاتية، والتي يهاجم فيها الجسد ذاته.

عبر التلاعب بالحمض النووي الأساسي.. علماء يخلقون شكلًا جديدًا من أشكال الحياة في المختبر

المصادر

عرض التعليقات
s