في مطلع يوليو (تموز) الماضي، صرّح الرئيس الإيراني مُهددًا خلال زيارته سويسرا بمنع تصدير نفط المنطقة، حال عدم تمكّن إيران من تصدير نفطها. جاء هذا بعد تصريح من جانب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لكافة الدول الأوروبية حول التوقّف عن شراء النفط الإيراني، مدعومًا باحتفاء سعودي إماراتي.

لم تقف هذه التهديدات عند هذا المستوى، بل شملت كذلك التلويح بالأمر نفسه من جانب قائد الحرس الثوري الإيراني، محمد علي جعفري، الذي أشار إلى استعداد قواته لإغلاق مضيق هرمز، حال عدم تمكن إيران من بيع نفطها بسبب الضغوط الأمريكية. ويحاول التقرير التالي إلقاء الضوء على مدى جديّة إيران في تنفيذ تهديداتها، وقدرتها على منع تصدير نفط منطقة الخليج من عدمها، وما الأوراق السياسية والعسكرية التي من الممكن أن تستخدمها للخروج من هذه الأزمة.

شريان النفط للعالم.. لماذا لن تنفذ إيران غالبًا تهديداتها بإغلاق مضيق هرمز؟

مضيق هُرمز.. ورقة إيران الرابحة لمنع صادرات النفط الخليجية

يُشكّل مضيق هُرمز أهمية استثنائية لعملية نقل نفط دول الخليج إلى أوروبا؛ إذ يمر من خلاله حوالي 40% من الإنتاج العالمي من النفط، المتمثّل في 17 مليون برميل كل يوم.

صورة تقريبية لمضيق هرمز

بالتوازي مع أهمية المضيق الاستثنائية في عملية نقل نفط دول الخليج؛ فهو يُمثل أهمية موازية لإيران، التي تحكُم سيطرتها عليه عسكريًّا أو جغرافيًّا، وبات الوسيلة الأكثر فاعلية لتنفيذ تهديداتها بشأن منع بيع صادرات نفط دول الخليج، حال ما عجزت إيران عن تصدير نفطها، بعد ما توعّد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أيّ دولة تستورد النفط من إيران.

وينتقل معظم النفط المُستخرج من السعودية، وإيران، والإمارات، والكويت، والعراق من خلال المضيق، كما يعبر معظم إنتاج قطر، أكبر مُصدّر للغاز الطبيعي المسال في العالم، من خلاله أيضًا، ولا تتوقف أهمية المضيق عند هذا الحد؛ بل تُضاف له أهمية موازية تتمثل في تفضيل جميع مستوردي النفط أو الغاز الطبيعي في العالم – بما في ذلك الولايات المتحدة- المرور الآمن للشحن عبر المضيق، مقارنة بالطُرق الأخرى التي تكتنف مساراتها بعض المخاطر، فضلًا عن طولها إذا ما قورنت بالمسافة التي تقطعها هذه الناقلات من خلال مضيق هُرمز.

التهديدات الإيرانية بإغلاق مضيق هُرمز أمام عملية نقل النفط الخليجية هي أحد الاحتمالات المطروحة بقوة؛ خصوصًا في ظلّ الإشارات المُباشرة لاستخدام المضيق في أكثر من مناسبة. ظهر ذلك في تصريح من جانب الرئيس الإيراني حسن روحاني أثناء زيارته لسويسرا، في الثامن من يوليو 2018، بأن بلاده ستتخذ العديد من الإجراءات السيادية لمنع الدول المجاورة لإيران من تصدير نفطها عبر مضيق هرمز، فضلًا عن صدور أكثر من بيان من قبل قائد الحرس الثوري الإيراني محمد علي جعفري، والذي قال فيه إن قواته «على استعداد لإغلاق مضيق هرمز، حال عدم تمكن إيران من بيع نفطها بسبب الضغوط الأمريكية». وأضاف جعفري: «سوف نجعل العدو يفهم، إما أن يتمكن الجميع من استخدام مضيق هرمز أو لن يستخدمه أحد».

Embed from Getty Images

قائد الحرس الثوري محمد علي جعفري

تُشير إمكانيات إيران العسكرية وموقعها الجغرافي – كونها المُتحكم الفعلي الأوحد في مضيق هُرمز- إلى جدية هذه التهديدات؛ وأن مسألة إغلاق المضيق أحد الاحتمالات التي تستطيع إيران تنفيذها؛ لكنه يأتي خيارًا أخيرًا حال استخدام واشنطن قدراتها العسكرية لمنع بيع صادرات إيران النفطية. يتأكد ذلك من واقع تصريحات هادي أفقهي، الدبلوماسي الإيراني والخبير في شؤون الشرق الأوسط، والذي قال: «إن حديث الرئيس روحاني وتهديداته بإغلاق مضيق هرمز هو حديث افتراضي ومشروط بمنع إيران فعليًّا من تصدير نفطها كليًّا».

وأوضح في تصريحات لموقع «بي بي سي» عربي: «عمليًّا، من السهل جدًّا إغلاق مضيق هرمز، لكن الصعوبة تكمن في اتخاذ القرار، إذ يجب أن يكون هناك مبرر قوي لهذه الخطوة». ويستطرد أفقهي قائلًا إن «إيران ستقدم على خطوة إغلاق مضيق هرمز حال استخدام الولايات المتحدة القوة العسكرية لمنع صادرات النفط الإيراني».

التلويح الإيراني الدائم بإغلاق مضيق هُرمز لا تتوقف تداعياته عما قد يؤدّي حال إغلاقه فعليًّا، بل تتمثل آثاره فور صدور هذه التلويحات فقط، خصوصًا على أسعار النفط، كما حدث في عام 2008 حين شهدت أسعار النفط في عام 2008 ارتفاعًا قياسيًّا بمجرد شعور العالم أن إيران أوشكت على غلق المضيق، ووصل سعر البرميل الواحد إلى 147 دولارًا.

وحسب بحث منشور بمعهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى لسايمون هندرسون، المتخصص في شؤون الطاقة والدول العربية المحافظة في الخليج الفارسي، فإن في حالة إغلاق مضيق هرمز أمام حركة الشحن «ستكون المسارات البديلة غير كافية، جميع الصادرات من الكويت والحقول الجنوبية في العراق وقطر، ويفترض إيران نفسها لن تتمكن من الوصول إلى أسواقها».

الهيمنة الاقتصادية على العراق.. طريق إيران الممهد لتجنب عقوبات ترامب

الحوثيون.. ذراع إيران لوقف ناقلات النفط في مضيق باب المندب

لا تنحصر فاعلية إيران للحيلولة دون منع بيع صادرات نفط دول الخليج إلى قدرتها على إغلاق مضيق هُرمز فحسب؛ بل تمتد كذلك إلى احتمالية استخدامها لمضيق باب المندب الذي يخضع للسيطرة الكاملة من جانب الحوثيين، المدعومين ماليًّا وسياسيًّا وعسكريًّا من جانب إيران.

Embed from Getty Images

صورة لعناصر تتبع الحوثيين

وتمرّ معظم الصادرات من الخليج التي تُنتقل عبر قناة السويس وخط الأنابيب سوميد عبر مضيق باب المندب، كما تكمُن أهمية المضيق في كونه رابع أكبر الممرات المائية في العالم من ناحية عدد براميل النفط التي تمر به يوميًّا. وقد مرّ من خلال المضيق حوالي 3.8 ملايين برميل نفط في اليوم عام 2013، أي حوالي 6.7% من مجمل تجارة النفط العالمية.

تتضاعف أهمية هذا المضيق كذلك لبعض الدول خارج منطقة الخليج وبالأخص مصر؛ كون أن نحو 98% من البضائع والسفن الداخلة عبر قناة السويس تمر من خلال المضيق؛ وبالتالي قد يترتب عن إحجام السفن عن المرور من هذا المضيق توقّف حركة المرور في قناة السويس.

ويبدو أن استخدام إيران لورقة التعرّض لسفن الدول الخليجية التي تمرّ عبر مضيق باب المندب بات أمرًا شبه واقعي؛ خصوصًا في ظل الاعتداءات المستمرة من جانب الحوثيين على ناقلات نفط تتبع السعودية على مدار الأعوام الأخيرة؛ خصوصًا في ظل السيطرة والقوة العسكرية لإيران، وانتشار الفصائل السياسية الموالية لها مثل الحوثيين.

تأكد ذلك بعد الواقعة الأخيرة التي تعرضت لها ناقلتا نفط تتبعان الشركة الوطنية السعودية للنقل البحري، تحمل كلّ منهما مليوني برميل من النفط الخام، إذ تعرّضتا لهجمات مُسلحة من جانب الحوثيين بعد مرورهما من مضيق باب المندب، وصدور قرار من جانب المملكة بتعليق كافة شحنات النفط الخام عبر باب المندب، ودراسة الكويت، كذلك، توقيف مرور ناقلات النفط التي تتبعها عبر هذا المضيق.

امتدت آثار قرار المملكة كذلك إلى ارتفاع أسعار خام برنت في أعقاب إعلان السعودية تعليق شحنات الخام التي تمر عبر مضيق باب المندب الاستراتيجي؛ وهو ما يرسم صورة شاملة عن حجم الآثار الناتجة لمجرد إغلاق هذا المضيق إغلاقًا كاملًا، أو حتى التعرض لبعض السفن ببعض المضايقات.

لا تنحصر قدرة النظام الإيراني فقط، عند إغلاق مضيقي هُرمز أو باب المندب، والذي يأتي خيارًا أخيرًا عند استنفاذ كافة وسائل التهديد الأخرى؛ بل تتضمن أيضًا استعمال أسلحة وسفن مضادة للشحن مثل الصواريخ، والمدفعية، والهجمات الجوية، والغواصات، وسفن الهجوم السريع، والقوارب الصغيرة لعملية تخريب ناقلات النفط.

وتشمل كذلك وسائل الحيلولة دون مرور السفن زرع الألغام، وهي إحدى العمليات الأكثر احتمالًا التي قد يستعملها النظام، وفقًا لما تعتقد مراكز البحث، إذ تُشكل عملية زرع الألغام. ويُضاعف من مخاطر استخدام الألغام، عجز الجيش الأمريكي عن التعامل مع التهديد البحري الرئيسي في الخليج، المتمثل في قدرة إيران على زرع الألغام بشكل سري في مضيق هرمز، وحول مرافئ رئيسية في دول مجلس التعاون الخليجي.

«بلومبرج»: حرب ضد إيران في الجولان.. كيف لهذا السيناريو المقلق لإسرائيل أن يتحقق؟

إذن تستطيع إيران منع ناقلات النفط.. فمتى تفعل ذلك؟

لا تبدو إيران مندفعة بقوة نحو قرار الإغلاق الكامل لمضيق هرمز وباب المندب، سواء بواسطتها، أو عن طريق وكلاء غير مُباشرين لها مثل الحوثيين. وتميل لتأييد التعرض للهجوم على ناقلة نفط سعودية كردّ فعل على التحريض الخليجي حيالها، أو إثارة هذه الدول من خلال التضييق على السفن المارة؛ دون الدخول في مواجهة شاملة عن طريق إغلاق كُل من مضيق هرمز وباب المندب؛ والتي ستكون انعكاساتها على إيران كبيرة أيضًا.

صورة لإحدى المعدات العسكرية الإيرانية

تضمنت هذه الوقائع الاستهداف المتكرر لمنشآت شركة أرامكو السعودية، وهو لم يكن استهدافًا للإضرار بمشاريع المملكة فقط، بقدر ما كنت محاولة للتأثير في أسعار النفط في السوق العالمية.

الارتفاعات غير المسبوقة في أسعار النفط التي تبعت هذه الاستهدافات، وتعطيل ناقلتي نفط سعوديتين عبر مضيق باب المندب، هي أحد الأهداف التي كانت تسعى لها إيران؛ إذ شكّل هذا الارتفاع أحد أهداف إيران بتوصيل رسالة للولايات المتحدة الأمريكية، فضلًا عن كونها الرابح الأكبر من وراء هذه الارتفاعات.

لا تعدو هذه الرسائل عن كونها رسالة ردع من قبل إيران؛ لإبراز قدراتها على خوض معركة تستطيع التأثيرتأثيرًا كبيرًا في الملاحة الدولية، وإحداث خلل كبير في أسعار النفط.

وتكمُن الرغبة من وراء هذه الاستفزازات في إحباط المساعي السعودية الرامية إلى زيادة إمدادات النفط الدولية، بعدما طالبتها الولايات المتحدة بذلك، إضافة إلى إحباط المحاولات الأمريكية لتزويد الدول التي تعتمد حاليًّا على الإنتاج الإيراني ببدائل أخرى.

يأتي هذا الاستنتاج بناءً على عدد من المعطيات السياسية؛ والتي تتصدرها الرغبة الإيرانية الرسمية المُعلنة في عدم التصعيد المفتوح، أو الانجرار نحو تلك المرحلة التي ستكون تداعياتها بالغة الخطر على الجميع. يُفسر هذه الرغبة التأكيد الإيراني من أن إغلاق المضيق بالكامل سيؤدي إلى حرب مع القوات البحرية الأمريكية، التي عززت واشنطن من وجودها في منطقة الخليج منذ عام 2011، وذلك بالتنسيق مع كل من المملكة المتحدة وفرنسا؛ ما قد يؤدي إلى تدمير جزء كبير من قدرات إيران البحرية.

هذه الرغبة الإيرانية الحاضرة تقابلها مشاعر من القلق من جانب دول الخليج، التي تُدرك حدود قدرات إيران في التضييق على ناقلاتها، وهو ما عبّر عنه الكاتب الكويتي عبد الله الهدلق في مقالٍ بعنوان «هل تتهور إيران وتغامر بإغلاق مضيق هرمز كما هددت؟» في الوطن الكويتية، قائلًا: «على الرئيس ترامب أن يستعد للأوضاع المقبلة وعليه أيضًا – كرجل أعمال قبل أن يكون رئيسًا لأمريكا – أن يدرك حجم خسائر الاقتصاد العالمي، وخاصة الأوروبي والأمريكي، من جراء تلك المواجهات مع إيران».

ويشدد الهدلق أنه «يكفي لإغلاق المضيق أن يتم إغراق باخرة نفطية إيرانية في قلب المضيق، لتجميد صادرات ثلث نفط العالم لشهور أو سنوات».

ويزيد من صعوبة الاندفاع الإيراني نحو إغلاق مضيقي هرمز وباب المندب موقف البنتاغون، الذي بدا وكأنه على النقيض من سياسة الإدارة الأمريكية في الملف الإيراني، وهو ما كشفته تصريحات وزير الدفاع جيمس ماتيس، الذي حصر فيها الضغوط الأمريكية على إيران بـ«تغيير سلوك» طهران خارجيًّا، وأتت أشبه بدعوة إلى الحوار مع الإيرانيين.

«ذي أتلانتك»: لهذه الأسباب ستظل إسرائيل تخشى الوجود الإيراني في سوريا

عرض التعليقات
تحميل المزيد