لا غرابة في أن يجتمع جمعًا من حاخامات الأرثوذكس المتطرّفين، يخلعون ملابسهم تحت حراسة الشرطة الأردنية، من سراويل وقبّعات دينية، ثم يرتدون جلابية فضفاضة وكوفية فلسطينية وُضعت بعناية على الرأس والكتفين.

فالملابس السابقة التي تجعلهم يبدون مُزارعين عربًا، كانت بناءً على توصيات أمنية لتسهيل تنقلهم عبر أربع سيّارات رباعية مزوّدة بنوافذ عاكسة، من أجل الوصول إلى منطقتي الباقورة والغمر لأداء مهمة معيّنة هي التأكّد من مطابقة الزراعة هنا للشريعة اليهودية؛ إذ اعتاد هؤلاء الحاخامات اليهود الصلاة في هذه الأراضي الأردنية للتأكد من ضمان الامتثال للقوانين الدينية بشكل دوري.

قد ينتهي المشهد السابق قريبًا، إذ ما تمكن الأردن من تنفيذ قراره باسترجاع منطقتي الباقورة والغمر اللتيْن استأجرهُما الاحتلال في اتفاقية وادي عُربة للسلام منذ عام لمدة 25 عامًا، وهو القرار الصادر عن الملك مؤخرًا، والذي لاقى تجاوبًا شعبيًّا على مواقع التواصل الاجتماعيّ عبر وسم «#بدنا_الباقورة_والغمر».

 

كيف انتزعت إسرائيل الباقورة والغمر من الأردن؟

تحت ذريعة صدّ عمليات المقاومة الفلسطينية عن مستوطنات وادي عربة، احتلت دولة الاحتلال الإسرائيلي مساحات واسعة من الأراضي الأردنية جنوب البحر الميت بعد حرب عام 1967، وغيّرت خط الهدنة في الوادي.

مسيرة احتجاجية تطالب باسترداد الباقورة والغمر – المصدر: الجزيرة

وذلك عن طريق فرض جدار أمني عسكري، وشق طرق للدوريات العسكرية الإسرائيلية تمتد بضعة كيلومترات شرق خط وقف إطلاق النار داخل الحدود الأردنية، وهي بذلك خلقت مساحة مكانية وزمنية كافية للتصدي للعمليات الفلسطينية كما تدّعي. لكن الإسرائيليين مع مرور الوقت لم يكتفوا بذلك؛ إذ أخذ المستوطنون بتوسيع مزارعهم داخل الحدود الأردنية حتى استولوا على المياه الأردنية لرّي هذه الأراضي، كما حفروا آبارًا داخل الأراضي الأردنية. بالإضافة إلى ذلك، فإنّ مزارعي مستوطنات وادي عربة الوسطى حصلوا على «تصاريح استثنائية» تسمح لهم بزراعة أراضي داخل الحدود الأردنية، ولذلك بلغت مساحة الأراضي المزروعة داخل الأردن ما يقارب 5000 دونم، والتي تشكل 50% من مجمل المساحة المزروعة في مستوطنات وادي عربة الوسطى.

بيد أن ما حصل في العام 1994 ضمن ملاحق اتفاقية وادي عربة للسلام كان النقطة المفصلية في إضفاء مشروعية رسمية أردنية على ما سبق، وذلك حين جلس كلٌّ من رئيس الوزراء الإسرائيلي الراحل إسحق رابين والملك الأردني حسين بن طلال، للتفاوض على بنود اتفاقية «وادي عربة»، ففي هذه المفاوضات كشف عن مطمع إسرائيلي متعلق بـ1390 دونمًا من الأراضي الأردنية احتلت عام 1950، ويزعم الاحتلال أن من بينها 830 دونمًا هي «أملاك إسرائيلية خاصة» يُقصد بها منطقة الباقورة الأردنية.

ويعود هذا الزعم إلى قرار حكومة إمارة شرق الأردن في العام 1928 بالموافقة على بيع 6 آلاف دونم من أراضي الباقورة لصالح شركة كهرباء لإنارة مدن شمال فلسطين وعجلون الأردنية، وكان شرط هذا البيع أن لا تُنقل ملكية الأراضي للغير، لكن الاحتلال عقب نكبة عام 1948 بعامين احتل المنطقة وتمدد حتى احتل خليج أم الرشراش الأردنية، في مدينة العقبة المطلة على البحر الأحمر، والتي أنشأ فيها ميناء إيلات في مياه أردنية خالصة، كما واصل الاحتلال بعد نكبة 1967 التوسّع خارج حدود الهدنة كما أسلفنا في وادي عربة، بمساحة تبلغ نحو 387 كلم تضم منطقة الغمر الأردنية أيضًا.

وتشير مصادر أنه حين عرض رابين على الملك حسين تأجيره هذه الأراضي، ردّ الملك حسين: «فكرة الإيجار ليست مطروحة على الطاولة، لكن إلى متى تريدون البقاء فيها؟». أجاب رابين: «فنلقل 25 عامًا، تُجدد برضا الطرفين». فرد الملك: «يبدو ذلك معقولًا»، وبذلك رضخ المفاوض الأردني للمصلحة الإسرائيلية، وسجّل المؤرّخون تفريطًا من الجانب الأردني بأراضي الباقورة؛ إذ استطاعت إسرائيل انتزاعها فيما يشبه المزاد العلني الذي بدأ بخمس سنوات وانتهى بإيجار لمدة 25 عامًا.

وفيما يتعلق بمنطقة الغمر الواقعة في الوادي والتي تمتد على نطاق 4 آلاف دونم، فقد تمسك أيضًا بها الإسرائيليون تحت ذريعة أنها «امتداد طبيعي» لمستوطنة تسوفار التي تأسست ضمن البرنامج العسكري الزراعي، وحدّد لها نظامًا كما الباقورة ضمن ملحق وادي عربة.

جسر نهاريا القديم للسكك الحديدية فوق نهر الأردن – المصدر صحيفة «هارتس»

ووفقًا للمحلق (ب) في اتفاقية وادي عربة، قَبِل الأردن بتطبيق نظام خاص على الباقورة يضمن «حقوق ملكية أراض خاصة ومصالح مملوكة إسرائيلية»، وجاء في الملحق أنه «نافذ المفعول لمدة 25 سنة، ويجدد تلقائيًا لفترات مماثلة ما لم يُخطِر أحد الطرفين الطرف الآخر بنيته بإنهاء العمل بهذا الملحق قبل سنة من انتهائه، وفي هذه الحالة يدخل الطرفان في مشاورات حيالها بناء على طلب أي منهما».

 

وتعهد الأردن بأنه «يمنح دون استيفاء رسوم، حرية غير مقيدة لمستعملي الأرض الإسرائيليين أو ضيوفهم أو مستخدميهم بالدخول إليها والخروج منها، واستعمالها والحركة ضمن حدودها، وأن يسمح لمستعملي الأراضي بالتخلي بحرية عن حقوقهم باستعمال الأرض وفق القانون الأردني المعمول به، ولا يطبق تشريعاته الجمركية عليهم ولا يفرض ضرائب تمييزية أو رسوم تمييزية على الأرض أو الأنشطة ضمنها».

كما تعهد الأردن «أن يتخذ الإجراءات الضرورية لحماية أي شخص يدخل المنطقة حسب الملحق والحيلولة دون مضايقته أو إيذائه … وأن يسمح بدخول رجال الشرطة الإسرائيلية بلباسهم الرسمي، بالحد الأدنى من الشكليات، إلى المنطقة، لغرض التحقيق في الجرائم أو معالجة الحوادث الأخرى المتعلقة حصرًا بمستعملي الأراضي أو ضيوفهم أو مستخدميهم».

 

الأقصى و«صفقة القرن» تعزّزان الموقف الأردني

لا شك في أن الاتفاق يشكل رصيدًا هامًا، فصفقات السلام مع الأردن ومصر هي أساس الاستقرار الإقليمي

 

هكذا رد رئيس الوزراء الاحتلال الاسرائيلي بنيامين نتنياهو، على قرار الأردن باستعادة ملكية المنطقتين الحدوديتين الباقورة والغمر، معلنًا في مراسم إحياء ذكرى رئيس الوزراء الراحل إسحق رابين أنه يعتزم التفاوض مع الأردن بشأن تمديد عقد الإيجار.

 

فيما عجّل المستوطنون الإسرائيليون في الباقورة والغمر -لا التي تطلق عليها إسرائيل اسم نهاريم وزوفار بالعبرية لا- بالتلويح أن قرار الأردن يعني كارثة زراعية ستطال حوالي 20-30 مزارعًا وحوالي 1000 دونم ستنقل إلى الأردنيين، حيث يزرع الإسرائيليون في الأرض الأردنية الفلفل والكوسة والزهور لغايات التصدير أو الاستهلاك الداخلي. ونقل عن المزارع والمستوطن الإسرائيلي إيرز غيبوري مجدال قوله: «زرعت الفلفل بنحو 80 دونمًا من أراضي الغمر داخل أبيات بلاستيكية، والقرار الأردني بأخذ هذه الأراضي، ونقلها للسيادة الأردنية، بالنسبة لي هو إعلان إفلاسي».

 

ويضيف : «الإعلان الأردني سقط علينا كعاصفة رعدية في يوم صافٍ، فلا أحد تخيل أن ينتهي عقد تأجير هذه الأراضي، وقرار الملك الأردني فاجأنا كثيرًا، والسؤال هو كيف ستتصرف إسرائيل مع القرار الأردني، هل ستناضل من أجلنا، أم ستقول إن 30 مزارعًا إسرائيليًا متواجدًا في تسوفار، ليس حرجًا بالنسبة لها».

ويرجع المحللون الإسرائيليون الموقف الأردني إلى توتر العلاقات بين الجانبين في الفترة الأخيرة، تارة بسبب وضع المقدسات الإسلامية في القدس والتي تتولى الأردن مسئوليتها، فمنذ اندلعت أحداث البوابات الإلكترونية في المسجد الأقصى وعكوف المتطرفين الإسرائيليين على اقتحامه، مست إجراءات إسرائيلية عديدة بمكانة الأردن وملكه في الأماكن المقدسة.

كما ألقى الضغط الإسرائيلي والأمريكي لتمرير ما يعرف بـ«صفقة القرن» بظلاله على علاقة إسرائيل مع الأردن في ظل علو الأصوات الإسرائيلية بتكرار طرح فكرة الكونفدرالية الأردنية – الفلسطينية ومقولة «الأردن هي فلسطين»، وهو ما لا تقبله الأردن، كما أن حادثة مقتل أردنيين في يوليو (تموز) 2017 على يد حارس أمن السفارة الإسرائيلية في عمان، خلق أزمة دبلوماسية بين الأردن ودولة الاحتلال على إثر رفض الأخيرة تسليم حارس الأمن الذي قتل الأردنيين.

 

الملك الأردني مع رئيس وزراء دولة الاحتلال الإسرائيلي

تقول عضوة لجنة الخارجية والأمن التابعة للكنيست إيليت نحمياس-رابين: «هذه الخطوة الأردنية تعبير عن فشل في السياسة الخارجية لنتنياهو، إنه أمر محزن أن نسمع عن قرار الأردن هذا، وللأسف فإن هذه الخطوة تفسير لحالة الصراع بين الدولتين بدلًا عن الحوار الثنائي، ونتيجة لاستمرار تجاهل إسرائيل للقضية الفلسطينية»، وتواصل القول: «بدلًا عن التفكير بحل الصراع مع الفلسطينيين، فإن نتنياهو ينشغل بتطوير علاقاته مع أفريقيا وأمريكا الجنوبية، هذا أمر مهم، لكنه ليس بديلًا عن الحوار مع حلفائنا في المنطقة، ولعل القرار الأردني مناسبة لتحليل ومعرفة أثر القطيعة السياسية الإسرائيلية الفلسطينية على الخطوة الأردنية، وما هو المطلوب منا لإعادة الوضع مع الأردن لما كان عليه سابقًا».

 

حرب المياه والمخيمات الفلسطينية.. أوراق قد تستخدمها «إسرائيل» للضغط والمماطلة

 

هذي راجعة، وهذي راجعة

قالها باللهجة الأردنية، وبكل ثقة رئيس الوزراء عبد السلام المجالي حين تحدث عن إصرار الأردن على استعادة الباقورة والغمر قبل نحو أربع سنوات.

 

 

لكن ما قاله الملك الأردني عبدالله الثاني قبل أيام، وأثلج صدور الأردنيين كان الأهم بين المواقف الرسمية التي تناولت قضية إنهاء ملحقي الباقورة والغمر، اللتين تمتعت دولة الاحتلال فيهما بحقوق معينة بموجب اتفاقية وادي عربة.

تغريدة الملك الأردني عن الباقورة والغمر

وجاء في بيان وزارة الخارجية الأردنية عن مذكرة إبلاغ الإسرائيليين بقرار إنهاء الملحقين الخاصين بمنطقتي الباقورة والغمر في معاهدة السلام: «سلمت المذكّرتان للحكومة الإسرائيلية وفقًا لنصوص الملحقين رقم 1(ب) و1(ج) اللذين ينصان في البند السادس منهما على سريانهما لمدة 25 سنة، منذ تاريخ دخول معاهدة السلام الأردنية الإسرائيلية حيز النفاذ، وعلى تجديدهما تلقائيًا لمدد مماثلة ما لم يقم أي من الطرفين بإخطار الطرف الثاني، بإنهاء العمل بالملحقين قبل سنة من تاريخ التجديد».

ويؤكد المراقبون على صعوبة تنفيذ الرغبة الأردنية باستعادة السيادة على منطقتي الباقورة والغمر التي تعتبرها دولة الاحتلال ملكية إسرائيلية منذ عام 1926، ويتوقع أن يقابل القرار الأردني بمماطلة إسرائيلية و إجراءات مضادة على عدة جبهات، بل لا يُستبعد أن يستغل الجانب الإسرائيلي عددًا من أوراق الضغط على الأردن لإرغامه على التراجع عن القرار، كالعمل على توتر الأجواء في مخيمات اللاجئين في الأردن، لمضايقة المملكة والتحرش بها.

يقول الإعلامي الأردني فهد الخيطان: «الباقورة والغمر مهمتان لإسرائيل من الناحية الاقتصادية والزراعية، وفي تاريخها الاحتلالي لم تتعود إسرائيل عن التخلي عن أراض احتلتها، إلا إذا كان ذلك يخدم مصالحها على المدى البعيد، وما كانت تخطط له حكومة إسرائيل هو تجديد اتفاق الباقورة والغمر لتكريس أمر واقع، تنتفي معه السيادة الأردنية الكاملة بعد خمسين عامًا على المنطقتين».

ويضيف في «الغد» الأردنية: «بدأت ماكينتها الإعلامية تشير إلى أدوات الضغط التي بحوزتها لإرغام الأردن على التراجع عن قراره أو القبول بترتيبات تكرّس الوضع القائم، بدأنا نسمع عن حصة الأردن بالمياه والتلويح بقطعها، وتعطيل مشروع قناة البحرين المعطل أصلًا بقرار إسرائيلي. ومن غير المستبعد أن تستخدم إسرائيل ورقة الوصاية على المقدسات خلال مرحلة المشاورات المتوقعة في الفترة المقبلة».

كما أن الإسرائيليين أنفسهم تحدثوا عن انعكاسات هذا القرار على العلاقة مع الأردن، وعلى أثره السلبي على اتفاق السلام بين عمان وتل أبيب، فقد ذكر الخبير الإسرائيلي في الشون العربية في القناة العاشرة تسيفي يحزكيلي أنه «يبدو أننا أمام خطوة في سلسلة خطوات متوقعة، ما قد لا يضيف الكثير من الأشياء الإيجابية لعلاقات الدولتين، مثل وقف مظاهر التطبيع بينهما، وقف اتفاق الغاز، وربما إعلان الأردن عن تأسيس صندوق عربي لدعم الفلسطينيين لمنع بيع الأراضي لليهود في القدس والضفة الغربية»، ويتابع: «الخطوة الأردنية تعني أن إسرائيل تجد نفسها في أزمة عميقة مع الأردن، ورغم إعلان بنيامين نتنياهو أنه سيدخل في مفاوضات جديدة معه لتسوية الوضع القائم، لكنني لست متأكدًا من نجاحه بذلك».

المصادر

تحميل المزيد