عندما حددت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل السادس عشر من أكتوبر الجاري للقاء الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، لم يكترث الرجل وتخلف عن الموعد المحدد، بل واتجه لزيارة صربيا، حيث قوبل بترحاب كبير ومدح شديد من مضيفيه.

وعندما ظهر الرجل مساءً، أجلت ميركل المحادثات معه، حيث قضت هي والرئيس الروسي حوالي ساعتين ونصف في محادثات منفصلة.

لقد كانت ميركل هي الزعيم الغربي الوحيد الذي تواصل مع بوتين إبان الأزمة الأوكرانية في فبراير الماضي، كما أنها الزعيم الوحيد التي تدرك ماذا ستواجه عندما تتعامل مع الرئيس الروسي، فقبل بضعة أشهر وفي أعقاب محادثاتها معه، قالت أن الرجل يعيش في عالم آخر.

في الواقع، فإن الأمر أكبر من ذلك. لقد اختلق عددًا من الخرافات حول روسيا وأوكرانيا، ورغم الجهود التي بذلتها ميركل، تظل روسيا محاطة بأربعة أساطير تجعل من الصعب معرفة كيف يمكن تحصين علاقاتها مع الغرب.

الخرافة الأولى هي ادعاء بوتين المتواصل بأن روسيا لم تدعم بأي شكل المتمردين الموالين لها الذين سيطروا على جزء من أوكرانيا، وهو ما يصعب تصديقه بالنظر إلى مشاركة بوتين بشكل فعال في المحادثات التي عقدت في مينسيك في 5 سبتمبر الماضي، عندما وافق هو ونظيره الأوكراني على وقف لإطلاق النار بين المتمردين والقوات الحكومية، كما يصعب تصديق ذلك مع وجود دليل على تعاون جنود روس مع المتمردين ومقتل بعضهم في أوكرانيا.

وقد استخدم بوتين وجود آلاف من الجنود الروس على الحدود مع أوكرانيا لاستفزاز حكومة كييف، وقد زعم الإعلام الحكومي الروسي أن القوات كانت في مناورات، وقبل أيام من اجتماع ميلان في 16 أكتوبر الماضي، أعلنت موسكو عودة القوات إلى قواعدها، بالضبط عندما أعلنت ذلك قبل اجتماع النيتو في 4 و5 سبتمبر وقبل زيارة بوتين إلى فيينا في 24 يونيو.

الخرافة الثانية هي أن الكريملين كرر نفيه استخدام الطاقة كأحد وسائل السياسة الخارجية الرئيسية، فخلال زيارته إلى بلغراد في 16 أكتوبر الماضي، حذر بوتين من أن أوروبا تواجه “مخاطر كبرى” تخص إمدادات الغاز القادمة من روسيا إذا اختلست أوكرانيا بعضًا من إمدادات خط الغاز، وقد ألغى هذا التهديد فكرة أن روسيا مزود للطاقة يُعتمد عليه بالنسبة إلى أوروبا، والتي تعتمد على روسيا في ثلثي احتياجاتها من الغاز.

كما صرح بوتين بأن روسيا على استعداد لخفض الدين الأوكراني الخاص بإمدادات الغاز بمقدار مليار دولار ليصل إلى 4.5 مليار دولار بعرض الغاز بسعر مخفض بأثر رجعي، وسيتعين على كييف الدفع المسبق وليس بالدين، وبما أن البلاد تمر بأزمة سيولة، سيتدخل الاتحاد الأوروبي.

يمثل هذا الأمر الأسلوب الروسي المتعجرف باستخدام أسعار الطاقة كوسيلة للضغط السياسي، فكلما زاد اعتماد أوروبا على الغاز الروسي، زاد تهديد روسيا لها، ولهذا يجب على أوروبا إيجاد البديل سريعًا.

الخرافة الثالثة هي أن العقوبات التي فرضها كل من الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة على روسيا لا تؤثر على الاقتصاد الروسي، فالحقيقة هي العكس، فقد فرض الغرب عقوبات على ستة بنوك روسية على علاقة بالحكومة، وإذا ظلت العقوبات قائمة على المدى الطويل، فقد يزداد الوضع سوءًا على البنوك الروسية والاقتصاد الروسي عمومًا.

إذا كان بوسع بوتين أن يتجاهل بسهولة تأثير العقوبات الغربية، فلا يسعه تجاهل آثارها على هبوط أسعار النفط، فوفقًا لإحصاءات إدارة معلومات الطاقة الأمريكية، تحتاج روسيا إلى متوسط سعر للنفط الخام يتراوح بين 110 و115 دولار للبرميل للحفاظ على توازن ميزانيتها. وفي أوائل أكتوبر، انخفض سعر البرميل إلى ما دون 90 دولارًا ومن المتوقع أن يبقى عند هذا المستوى لبعض الوقت.

الخرافة الرابعة هي شعور الثقة بالنفس الذي يتملك بوتين، والذي دفعه ازدياد شعبيته بشدة في أعقاب ضمه شبه جزيرة القرم إلى روسيا في مارس الماضي، فإذا كان واثقًا من نفسه هكذا، فلمَ يخشى الماضي والحاضر؟

ففي أوائل أكتوبر، عندما دعت وزارة العدل الروسية إلى غلق رابطة ميموريال – أحد أهم منظمات حقوق الإنسان في روسيا وتعني بكشف النقاب عن القمع الذي ساد الحقبة الشيوعية والستالينية – إلا أن بوتين لم يحرك ساكنًا لمعالجة ماضي البلاد المخزي، الذي شهد معاناة الملايين من القمع والتعذيب والإعدام.

وبالنسبة للحاضر، يطارد الكريملين حاليًا ليودميلا بوغاتنكوفا، وهي ناشطة حقوق الإنسان التي كانت تعمل مع منظمة أمهات جنود سانت بطرسبورغ، وهي منظمة غير حكومية للدفاع عن حقوق الجنود، حيث كانت بوغاتنكوفا تحقق في وفاة واختفاء الجنود الروس في أوكرانيا، فبفعلها ذلك، أثبتت أن روسيا متورطة بشكل مباشر في أوكرانيا.

لقد أصبحت روسيا في عهد بوتين محاصرة بالأساطير، وحتى محاولات أنجيلا ميركل المتواصلة للتحاور مع موسكو لن تكفي لإبطال تلك الخرافات.

عرض التعليقات
تحميل المزيد