حتى لو فصلت بيننا سياسة الحدود سنبقى شعبًا واحدًا وأمة واحدة نتقاسم نفس الهموم والصعاب * رسالة الزفزافي إلى الحراك الجزائري 

نشر والد المُعارض المغربي ناصر الزفزافي، رسالة بعثها ابنه من زنزانته التي يقبع فيها منذ قيادته لحِراك منطقة الريف المغربيّة ضد الحكومة في خريف سنة 2016، وقد وجّه الزفزافي الرسالة إلى الحراك الشعبي في الجزائر، مُعلنًا دعمه لمطالبه وداعيًا إلى «التمسّك بنهج السلميّة» والحذر من استغلال الحراك من طرف «الدكاكين السياسيّة». وتأتي رسالة الزفزافي الذي يقضي حُكمًا ابتدائيًّا بالسجن 20 سنة بسبب مشاركته في الحراك الشعبي بمنطقة الحسيمة (الريف) المغربيّة، في سياق سياسي دقيق تعيشه الجزائر قد يشي بقُرب حدوث انفراج في العلاقات الجزائريّة المغربيّة، والتي تعرف تأزّمًا كبيرًا منذ 25 سنة على الأقلّ. 

Embed from Getty Images

ومع انطلاق الحراك الشعبيّ في الجزائر الذي نجح في إيقاف العهدة الخامسة للرئيس المريض بوتفليقة ودفعه إلى الاستقالة، والذي بدوره تحوّل إلى انتفاضة شعبيّة تطالب بتغييرات عميقة في النظام السياسي، برز بشكل واضح نَفَس وِحدوي تضامنيّ على المستوى الشعبي بين المغرب والجزائر، فقد ردّد الجزائريون الهتافات والشعارات المغربيّة أثناء الاحتجاجات، كما شهدت الحدود المغربية الجزائريّة «زحفًا مقدّسًا» من الجانبيْن احتفالًا بالانتصار الكروي الجزائري في بطولة أمم أفريقيا.

فهل تكفي هذه المظاهر للتأشير على قرب انفراج الأزمة بين الطرفين؟ وما هي انعكاسات الحراك الشعبي على ملفّ العلاقات المغربيّة الجزائريّة، وهل ستؤثّر التغييرات العميقة التي شهدها النظام الجزائري على هذا الملف؟

الأكبر في أفريقيا والبحر المتوسط.. كيف ينعش «ميناء طنجة» اقتصاد المغرب؟

هل تقوّي التغييرات الأخيرة النَفَس الوحدوي بين المغرب والجزائر؟

قد يتساءل الباحثون عن السرّ وراء وصف الحالة الاحتجاجيّة التي أسقطت الرئيس بوتفليقة بعد 20 سنة من الحكم باسم «الحراك» بدل الثورة أو الانتفاضة كما جرت العادة مع باقي البلدان العربيّة التي شهدت احتجاجات منذ سنة 2011، لكن هذا الغموض قد يتلاشى نوعًا ما بالنظر إلى الاحتجاجات التي شهدها الجار المغرب قبلها بسنوات قليلة في منطقة الحُسيْمة بالريف المغربي، والتي وُصفت بـ«حِراك الريف».

Embed from Getty Images

وتمامًا كما شهدت انتفاضات الربيع العربيّ تقاربًا كبيرًا في الشعارات المرفوعة والمطالب رغم اختلاف الظروف والسياقات السياسيّة في كلّ بلد، عرفت الموجة الأخيرة من الاحتجاجات التي شهدتها الجزائر والسودان وحتّى المغرب بدرجة أقلّ حالة مُشابهة من التضامن والتشابه في الشعارات، فقد رفع المغاربة في الوقفات الاحتجاجيّة أغاني الانتفاضة السودانيّة الشهيرة كـ«حبوبتي كنداكة»، بينما تغنّى الجزائريون بشعار «في بلادي ظلومني». 

 

يقول الصحافي المغربي يوسف بناصريّة في تصريحه لـ«ساسة بوست»، تعليقًا على هذه المظاهر «إنّها سلوك طبيعي ناتج عن عمق العلاقة بينهما هوية، وتاريخا، ولسانًا، ولهجات، وحتى قرابةً عندما نستحضر أعداد العائلات التي يتوزع أفرادها على البلدين، وفي نظري من شأن هذا التقارب الشعبي المتصاعد، أن يؤثر بشكل أو بآخر في الموقف الرسمي، خاصة بعد أن أصبح مطلبًا يرفعه الأفراد في الجارتين الشقيقتين».

#نعم_لفتح_الحدود_مع_المغرب.فلا يعقل أن تبقى مغلقة منذ ربع قرن!!

Geplaatst door Nour-Eddine Khettal op Woensdag 5 juni 2019

وبعيدًا عن ميادين السياسة والاحتجاج، فإن روح الوحدة والتضامن انتقلت من الشوارع إلى مدرّجات الملاعب في المغرب والجزائر، وهي التي تحوّلت في السنوات الأخيرة إلى منبر سياسيّ من الطراز الرفيع من خلال الشعارات السياسيّة التي تنفجر بها حناجر المشجّعين من خلال هتافاتهم ضد الظلم والاستبداد وانغلاق الأفق السياسي التي تشهده البلدان المغاربيّة.

أغنية «في بلادي ظلموني» التي تحوّلت إلى ظاهرة فريدة من التعبير السياسي في ميدان الكرة، ويتناقلها ملايين الناس في مواقع التواصل الاجتماعي باعتبارها تعبّر بشكل بليغ عن انشغالاتهم ومآسيهم التي ترجمها جمهور نادي «الرجاء البيضاوي» بكلمات عميقة وبلحن لا يخلو من الشجن؛ كانت حاضرة منذ الأيّام الأولى للحراك الشعبي في شوارع الجزائر، يهتف بها الشباب الجزائري بأعلى أصواتهم تعبيرًا عن السخط والغضب من واقع اجتماعي، وسياسي، واجتماعيّ مؤلم.

ورغم أنّ كلمات الأغنية كُتبت خصيصًا للاحتجاج على واقع المعيشة المغربي، إلاّ أنها كانت متجاوزة لحدود الجغرافيا المصطنعة واستطاعت أن تصف بشكل بليغ مشاعر الشباب الجزائر وسخطه من الواقع الجزائري، الذي لا يختلف كثيرًا عن واقع جيرانه المغاربة.

من أغنية «في بلادي ظلموني» التي انطلقت الملاعب المغربيّة لتصل إلى شوارع الجزائر، إلى بطولة كأس أفريقيا لكرة القدم التي لعِبت دورًا مفاجئًا في تقوية مشاعر الأخوّة بين الشعبيْن في المغرب والجزائر، وقد أثار أحد الفيديوهات الذي انتشر على مواقع التواصل الاجتماعيّ الذي يبيّن احتفالات الجزائريين والمغاربة على الحدود بينهما إثر فوز الجزائر بنهائيّات كأس أفريقيا لكرة القدم، موجة من الاهتمام الاستثنائي على مواقع التواصل الاجتماعيّ، خصوصًا وأن هذا الاحتفال على الحدود قد جاء عفويًّا، ويحمل رمزيّة الوحدة والتعاون والتضامن بين الشعبين رغم المواقف الرسميّة.

ورغم الصمت الرسمي المغربي عن الأحداث الجارية في الجزائر وعدم صدور أي تعليقات بارزة حول الحِراك، إلاّ أن تأييد الشارع المغربي لمطالب التغيير في الجارة الشرقيّة يبقى قويًّا، في هذا السياق يضيف بناصرية: «الشارع المغربي يساند الحراك الجزائري موقفاً، كما يساند أي حراك أو شعب تواق للتحرر في المنطقة العربية، بل يشاطر الجزائريين فرحة تقدمهم في الحراك خطوة خطوة، إلى درجة أن انتصار الحراك في الجزائر، سيكون في اعتقادي، بمثابة عرسٍ لدى المغاربة، نظرًا لخصوصية العلاقة التي رفعوا لها شعار «خاوة خاوة».

أما بالنسبة لانعدام التصريحات المغربية الرسمية – حسب محدِّثنا – فهذا ينطبق على جميع الدول سواء الرافضة للربيع العربي، أو المؤيدة له، فالكل يراقب الوضع بحذر، دون اتخاذ موقف واضح، بحكم أن المشهد ما زال ضبابيًا. والمغرب لطالما تبنى في الغالب موقف الحياد بشأن عدد من الملفات العربية، من بينها حصار قطر في الأزمة الخليجية. 

هل مِن أمل لانفراج في العلاقات المغرب والجزائر؟

كان النظام السياسي سابقًا في الجزائر يردّد بأنّه ليس ضدّ تطبيع العلاقات وفتح الحدود البريّة، رافعًا مقابل ذلك «الشروط الثلاثة» لإعادة العلاقات إلى طبيعتها، وتتعلّق بكلّ من قضيّة المخدّرات التي تتّهم الجزائر المغرب بإغراقها بها، بالإضافة إلى مطلب «وقف حملة التشويه التي تقودها وسائل الإعلام المغربيّة» حسب النظام الجزائري. أمّا الشرط الثالث فهو بلا شكّ الأكثر تعقيدًا ولعلّه يعتبر السبب الرئيس في الانغلاق التامّ الذي يشهده ملفّ العلاقات الجزائريّة المغربيّة، وهو ملفّ الصحراء بجنوب المغرب، الذي يعتبره المغرب جزءًا لا يتجزّء من وحدته الترابيّة، بينما في المقابل تساند الجزائر «جبهة البوليساريو» المطالبة باستقلال «الشعب الصحراوي».

ومع اندلاع الحراك الشعبي الذي أحداث تغييرات مُزلزلة في النظام الجزائري باستقالة الرئيس بوتفليقة وسجن العشرات من أقرب مساعديه، يأمل البعض في أن يحدث ذلك انفراجة في ملف العلاقات بين الجاريْن، وقد تحدّثت بعض الجرائد أن جهات سياديّة قد استشارت خبراء وأكاديميين حول الطريقة المثلى للتعامل مع الملف مع مراعاة نقاط الاختلاف، وقد اقتُرح البدأ بتسهيل تنقّل الأفراد باعتبارها خطوة أولى، وهو ما قد يشير إلى انفراج محتمل للعلاقات بين الطرفين، فيما ترى الصحيفة أن الملف بأكمله قد يؤجّل إلى غاية انتخاب رئيس شرعي للبلاد.

ويرجع تاريخ القطيعة بين المغرب والجزائر إلى حادثة تفجيرات مراكش سنة 1994 حين اتّهم المغرب ضمنيًّا الجزائر بتدبيرها العمليّة، بعد أن فرض الملك المغربي تأشيرة على الجزائريين الراغبين في دخول المغرب، وهو ما استفزّ الطرف الجزائري الذي احتجّ على هذه الخطوة أحاديّة الجانب، وأعلن عن غلق الحدود البريّة بشكل تام، لتستمرّ حالة القطيعة هذه لمدّة 25 سنة كاملة. وبعد 25 سنة منذ القطيعة، تغيّر من الجانب المغربيّ رأس الدولة (ملِك البلاد) وتداول على رئاسة الوزراء عدّة أسماء.

كما تغيّر من الجانب الجزائري الكثير من الرؤساء، آخرهم الرئيس بوتفليقة الذي أطاح به الحراك الشعبيّ بعد 20 سنة من الحكم، لكن كلّ ذلك لم يغيّر من حالة القطيعة بين البلدين الشيء الكثير، وهو ما رهن حُلم الوحدة المغاربيّة التي لم يرَ النور يومًا بسبب القطيعة بين أكبر بلد مغاربي الجزائر التي تملك حدودًا مع جميع البلدان المغاربيّة، والجار المغرب.

عند سؤاله عن التأثير المحتمل للحراك الشعبي في الجزائر على العلاقات الجزائرية المغربية، يقول الصحافي بناصرية لـ«ساسة بوست» إنه «يتوقف على طبيعة التركيبة السياسية للنظام بعد الحراك، ومدى حضور قضية الحدود بين المغرب والجزائر ضمن مطالب الحراك. غير هذا لا يمكن التنبؤ لمصير هذه العلاقات، ولكن من المؤكد أن مسار جميع الشعوب العربية نحو الحرية والديمقراطية، سيظل المحدد الرئيس لمصير العلاقات بين حكوماتها مستقبلًا».

إمكانيّة اقتصاديّة هائلة تُعيقها السياسة

لكن بعيدًا عن الشعارات وروح الوحدة والتضامن والتآخي التي لا يمكن تجاهلها على المستوى الشعبي بين المغرب والجزائر، تبقى على المستوى الرسميّ رهينة إرث تاريخي بالغ التعقيد بين النظاميْن الذيْن خاضا لسنوات طويلة ما يُشبه الحرب الباردة، بدأً من «حرب الرمال» التي نشبت بين الجانبيْن سنة 1963 مباشرة بعد استقلال الجزائر، والتي سقط خلالها ضحايا من الطرفيْن، إلى التوجّه الإستراتيجي المتناقض أثناء الحرب الباردة بين المعسكر الأمريكي والسوفيتي خلال السبعينات والثمانينات، كانت الجزائر أقرب إلى المعسكر الاشتراكي فيما كان المغرب محسوبًا على القطب الأمريكي، وهو ما زاد من حدّة التوتّرات بين المغرب والجزائر وأكسبها بُعدًا عالميًّا.

مشروع اتحاد المغرب العربي سنة 1989

 ثمّ تأتي قضيّة الصحراء التي تبقى أكبر عائق لتجاوز الخلافات بين الطرفيْن، خصوصًا مع المواقف المتبايِنة بشدّة بين الطرفيْن في هذا الملف، حيث يعدّ المغرب الصحراء جزءًا لا يتجزّء من الوحدة الترابية المغربية، في الوقت الذي تدعم فيه الجزائر «جبهة البوليساريو» التي تنادي باستقلال الصحراء. ويوجد هذا الملف حاليًّا على مستوى الأمم المتّحدة، لكنه لم يشهد لحدّ الآن أيّ انفراج حقيقي يُذكر، ممّا ساهم في إطالة الأزمة بين «الإخوة الأعداء» على المستوى الرسمي.

ويتّفق الخبراء على أنّ القطيعة بين المغرب والجزائر هل السبب الرئيس في فشل أي اندماج مغاربي حقيقي، خصوصًا على المستوى الاقتصادي بسبب غلق الحدود البريّة بين البلديْن، وهو ما يؤدّي إلى تضييع العديد من الفرص الاقتصاديّة الثمينة في هذه المنطقة التي تعدّ أقلّ منطقة من ناحية التبادل التجاري في العالم، حيث لا يزيد التبادل التجاري بينها عن 5% فقط.

بينما يؤكّد الخبراء على أنّ الاتجاه نحو اندماج اقتصاديّ بين المغاربيّة التي تضمّ أكثر من 100 مليون مواطن، من شأنه أن يفتح فرصًا استثماريّة هائلة، كما من شأنها زيادة نسبة النمو بـ1% لكل بلد على الأقلّ، وتضيف التقارير بأنّ اعتماد معايير اقتصاديّة موحّة بين هذه البلدان من شأنه جلب الاستثمارات الأجنبيّة ونقل التكنولوجيا والابتكار، خصوصًا مع التنوّع في الموارد الاقتصاديّة التي تشهدها البلدان المغاربيّة؛ إذ يتفوّق المغرب في ميدان الفلاحة والسيارات، بينما تعرف تونس بإنتاج المكوّنات الكهربائية والفلاحة والسياحة، فيما يعّد النفط والغاز الرافديْن الأساسيّين لاقتصاد الجزائر وليبيا.

 وبعيدًا عن لغة الأرقام وما يمكن أن يجلبه الاندماج الاقتصاديّ بين المغرب والجزائر من انفراج في ملفّات التنمية والبطالة وغيرها، فإنّ أهمّ ما تضيّعه البلدان المغاربيّة من هذه «القطيعة» حسب بعض الخبراء هي القدرة التفاوضيّة مع كبرى الشركات والتكتّلات الاقتصاديّة التي تتعامل مع هذه البلدان على حِدى، وهو ما يؤدّي إلى عزلها وتجاوزها في عالم الاقتصاد التنافسي الذي يتّجه دومًا نحو الاندماج والتكتّل وإلغاء الحدود أيًّا كان نوعها.

الجزائر والمغرب في إفريقيا.. صراع الإخوة الأعداء على النفوذ في القارة السمراء

المصادر

تحميل المزيد