فاطمة نادي

29

فاطمة نادي

29

2,051

البحث عن الحب مهمة حياتية رئيسية لدى معظم البالغين، الذين يُفني بعض منهم حياته في الحديث عنه، والتوق إليه، والسعي نحو الفوز به. الوقوع فيه شعور معقَّدٌ وساحر يأسر القلوب، لكن يظلّ معناه شعورًا يُحس، أكثر مما يمكن التعبير عنه بالكلمات.

على الرغم من محاولة الشعراء ومؤلفي الأغاني تطويع الكثير من الأحاسيس التي تختلج بها القلوب، والأفكار التي تُنهك العقول إلى كلمات، يبقى هناك شيءٌ مفقود لم يخرج للنورِ بعد؛ لهذا ربما نحتاج القليل من المساعدة من العلم لتفسير الأمر.

غير أن الموسيقى في حد ذاتها تظل ملاذًا، يلجأ إليه البشر للتنفيس عما يجيش في الصدور منذ قديم الأزل. استغل علماء النفس هذا الأمر؛ فأصبح هناك ما يُعرف بـ‹‹العلاج بالموسيقى›› باعتبارها مهنة صحية مُعترفًا بها، تُستخدم فيها الموسيقى ضمن حلقات علاجية، تُلبي الاحتياجات الجسدية والعاطفية والمعرفية والاجتماعية للأفراد.

نتناول في هذا التقرير كيف يُفسر لنا العلماء عملية الوقوع في الحب، والدور الذي تلعبه الموسيقى في مداواة الأشخاص الذين لم يحالفهم الحظ في تجاربهم العاطفية، وتوسع استخدامها في معالجة بعض الحالات الطبية.

كيف يعمل المخ خلال الوقوع في الحب؟

يبدو الحب لغرًا غامضًا نجد صعوبة في تفسيره، يمر الرجال والنساء على حدٍ سواء خلاله بالكثير من المشاعر، التي نُطلق عليها مجازًا أعراض ‹‹الوقوع في الحب››. في كتابه ‹‹The Brain in Love: 12 Lessons to Enhance Your Love Life›› يقول الدكتور دانييل ج. امين: من غير الدقيق وصف الحب الرومانسي والإعجاب الشديد على أنهما شعور؛ فهي بالأحرى دوافع تحفيزية تُشكل جزءًا من نظام المكافأة في الدماغ.

يدعم الدماغ البشري حالة الوقوع في الحب؛ هذا ما يجعل لدينا استجابة فسيولوجية قوية عندما ننجذب إلى أحدنا الآخر، ويجعل الشخص المُستجد في الحب يرى العالم بعدسته الوردية، حيث كل الصعاب يُمكن تحملها، وكل ما يفعله الطرف الآخر له وقعٌ مُبهجٌ على النفس.

تقول عالمة النفس الدكتورة ‹‹راشيل نيدل››: تلعب بعض المواد الكيميائية المحددة مثل الأوكسيتوسين، والفينيثيلامين، والدوبامين، دورًا هامًا في التجارب البشرية والسلوكيات التي تتعلّق بالحب، وتعمل على غرار الأمفيتامين، الأمر الذي يجعلنا في حالة يقظة ونشاط وحماس، يصاحبها رغبة في التواصل والارتباط.

تُضيف أيضًا إنّ تجربة الوقوع في الحب ترتبط بزيادة معدلات الطاقة، وتسارع في نبضات القلب، يصاحبه نقص في قدرة العقل على التركيز، والشعور بالدوار، إلى جانب الكثير من المشاعر الإيجابية.

أكثر ما ننجذب نحوه في شريك الحياة

إحدى أكثر الأساطير الشائعة على نطاقٍ واسع حول طريقة الانجذاب العاطفي، الاعتقاد بأن التركيز على الجاذبية الجسدية والمظهر المُثير، يتربع قائمة الأولويات في البحث عن شريك الحياة المُستقبلي، غير أنّ هذا المعتقد نسفته أبحاثٌ عدة.

في عام 1985 أجرى عالم النفس التطوري ‹‹ديفيد بوس›› دراسة واسعة، قام فيها بمقابلة العديد من الأشخاص الذين سألهم عن أهم شيء يُقدرونه في شركائهم خلال تجاربهم في البحث عن الحب. كانت النتيجة التي توصل إليها مُفاجئة؛ فأهم ما يبحث عنه الأشخاص في شريك حياتهم لم يكن الجاذبية الجسدية، أو المظهر الشبابي، أو الثقافة الواسعة، أو الثقة بالنفس، أو القوة، ولا الثروة، بل كانت السمة رقم واحد التي يُقدرونها أكثر من أي شيء هي: العطف والتفاهم.

مع هذا، سنخدَع أنفسنا إن تظاهرنا أنّ عامل المظهر غير ضروري، وتجاهلنا دوره الهام بدرجة لا يُستهان بها في اختيار شريك الحياة. كُلُّ ما في الأمر أننا مُحاطون بثقافات مُضللة لا تُعطي أولوية كبيرة؛ لتعليم مهارات التواصل والتفاهم والحميمية.

على الجانب الآخر نجد الكثير من الدعاية المُشجعة على الاهتمام بالمظهر السطحي مثل: كيفية بناء جسم أفضل، وارتداء ملابس أفخم، واتباع أساليب إغواء معينة للإيقاع بالشريك، وغيرها من السلوكيات التي تدفعنا إلى طرق مضادة تمامًا لمفاهيم اللطف والاحتواء.

النظرية الثلاثية في الحب

هناك بعض النظريات النفسية التي تجتهد في تفسير العلاقات والحالات التي نمر بها خلال الوقوع في الحب، إحدى هذه النظريات
النظرية الثلاثية في الحب، التي وضعها عالم النفس ‹‹روبرت ستيرنبرغ››. وفقًا لما تصوره ‹‹ستيرنبرغ››، يتشكل الحب من مثلث تتكون أضلاعه الثلاثة من الحميمية، والشغف، والالتزام.

يشمل الضلع الأول ‹‹الحميمية›› مشاعر التقارب والتواصل والتعلق، أما الثاني ‹‹الشغف›› فيشمل دوافع تتصل بكل من العشق والانجذاب الجنسي. في حين يشمل الضلع الثالث ‹‹الالتزام›› قرار البقاء مع الطرف الآخر على المدى القصير، والإنجازات والخطط المشتركة مع هذا الطرف على المدى الطويل.

نظرية التحيز التأكيدي

تصف هذه النظرية ظاهرة ميل بعض الأشخاص إلى تفضيل المعلومات، التي تؤكد أفكارهم أو فرضياتهم المُسبقة، بغض النظر عما إذا كانت تلك المعلومات صحيحة أم خاطئة. نتيجةً لذلك، يجمع الناس أدلة ويسترجعون معلومات من ذاكرتهم بشكلٍ انتقائي، ويعمدون إلى تفسيرها بطريقةٍ مُتحيزة توافق أهواءهم. تظهر هذه التحيزات تحديدًا في القضايا الهامة عاطفيًا، والتي تمس المعتقدات الراسخة.

حتى عندما تظهر أدلة دامغة على عكس ما يعتقدون، يبقى هؤلاء الأفراد مُتمسكين بمعتقداتهم الخاصة؛ إذ يتصلب لديهم هذا الاعتقاد كحصن منيع يصعب اختراقه. ربما يُفسر هذا لمَ لا ينسحب البعض من العلاقات الفاشلة والمؤذية، وسعيهم لاختلاق أعذار تدعم مواقفهم، والخروج بمبررات لخياراتهم الخاطئة، تصل إلى رفض الأدلة التي تُثبت العكس في بعض الأحيان.

هل يُمكن للموسيقى الحزينة أن تُداوي صدمتك العاطفية؟

يُساعد فهم سيكولوجية الوقوع في الحب المعالجين المتخصصين، في مداواة الأشخاص الذين لم يحالفهم الحظ في تجاربهم العاطفية. عندما يُقدر المعالج قيمة الحب الرومانسي في حياة الشخص المتضرر، والآثار المؤلمة الناجمة عن نهاية مفاجئة وغير متوقعة للعلاقة في بعض الأحيان؛ يُسهل عليه ذلك من توجيه طاقة المتضرر نحو المضي قدمًا، وتعزيز قدرته على الصمود.

يؤمن بعض المعالجين بقدرة الموسيقى الحزينة على مُداواة القلوب المنكسرة، استنادًا على أبحاث تعتمد على العلاج بالموسيقى، وتعدها خطوة أولى في التغلُّب على الاكتئاب المترتب على الانفصال. يقولون إنّ الاستماع إلى الموسيقى التي تتناسب مع الحالة المزاجية الراهنة للفرد، يُكسبه شعورًا بأن أحدهم يفهم حالته جيدًا، ويُقدر ما يجول في أعماقه، ويمنحه إحساسًا بالتحرر الذي يُمكنه من المضيّ قدمًا.

أظهرت دراسة نُشرت عام 2013 في مجلة أبحاث المستهلك (Journal of Consumer Research

)، ميل الأشخاص للاستماع إلى نوع الموسيقى الذي يتوافق مع تجاربهم الحياتية الأخيرة التي مروا بها. بالنسبة لأولئك الذين واجهوا صدمات عاطفية، فيلجؤون إلى اختيار الموسيقى الحزينة، بل في بعض الحالات يعبرون عن تفضيلهم الاستماع إلى لحن انفصالٍ حزين، بدلًا من البكاء على كتف صديقٍ متعاطف.

لا يُشترط أن ينجح نفس النوع من الموسيقى الحزينة الذي منح أحدهم هذا الشعور من الفهم، في إعطائه بنفس القدر لغيره؛ فعلى كل فرد اختيار الموسيقى التي يشعر أنه متصل بها وتعبر عن تجربته الخاصة. تقول مؤلفة الدراسة الدكتورة تشان جين لي: تُظهر تفضيلاتنا الموسيقية الطريقة التي نكون اجتماعيين بها؛ فالموسيقى التي نريد الاستماع إليها مشابهة جدًا للأشخاص الذين نريد أن نكون معهم. علاوةً على ذلك، ترتبط الموسيقى التي نحب الاستماع إليها بالطريقة التي يعاملنا الآخرون بها.

الموسيقى والأمراض العضال

في بعض الأحيان تبدو حالات الانفصال وكأنها نهاية العالم، إلا أنها عادةً ما تكون فترات من الوجع المؤقتة، التي لن تلبث وتمضي سريعًا (وأحيانًا ليس سريعًا). غير أن الاستماع إلى الموسيقى الحزينة بدا ذا فائدة كبيرة في ظروف أخرى أكثر صعوبة.

وفقًا لما تقوله ‹‹كاي نورتون›› الباحثة في مجال العلاج بالموسيقى، والأستاذة المساعدة بقسم تاريخ الموسيقى في‹‹ كلية الموسيقى – جامعة أريزونا››، فإن السماح للأشخاص المصابين بأمراضٍ عضوية في مراحلها الأخيرة، بالاستماع إلى الموسيقى الحزينة والبكاء معها، يُحسِّن من نوعية حياتهم خلال أيامهم الأخيرة.

تُؤكد ‹‹نورتون›› أنّ الاستماع إلى الموسيقى الحزينة له فوائد مذهلة حتى مع الأشخاص الذين يواجهون الموت، من خلال قدرتها على تحقيق التفريغ عن النفس والتحرر، لدى أولئك الذين يعيشون في مضيقات الحياة الأكثر رعبًا.

إلى جانب هذا، تُستخدم الموسيقى في علاج الكثير من الحالات الطبية التي منها: الخرف، والشلل الدماغي، والتوحد، وإصابات الدماغ، بالإضافة إلى بعض الاضطرابات الحركية مثل الشلل الرعاش، فضلًا عن استخدامها في وحدات العناية المركزة لحديثي الولادة. يتناول هذا الوثائقي عرضًا مُوجزًا لتاريخ استخدام العلاج بالموسيقى، والتقدم الذي أحرزه المعالجون في هذا المجال، ويتضمن قصصًا لبعض المرضى الذين ساعدهم العلاج.