بعد أيام قليلة من المحاولة الانقلابية الفاشلة في تركيا عام 2016 انحصرت التوقعات آنذاك بأن الانقلاب دبره ضباط من القوات المسلحة التركية معارضين للرئيس رجب طيب أردوغان. غير أن موقع «ميدل إيست آي» البريطاني فجر مفاجأة حين أشار إلى تورط المسؤول الفلسطيني السابق محمد دحلان المقيم في الإمارات العربية المتحدة في محاولة الانقلاب، وحدد الموقع دوره بأنه قدم دعمًا ماليًا لزعيم تنظيم «كولن» فتح الله كولن.

وبالرغم من أن دحلان خاض معركة قضائية ضد رئيس تحرير الموقع ديفيد هيرست، ثم انسحب منها  في شهر سبتمبر (أيلول) من عام 2019، واضطر لدفع تكاليف القضية بقيمة 500 ألف جنيه إسترليني، يبدو أن القيادي الفلسطيني الذي دخل صراعًا إقليميًا منذ سنوات أمام جبهة قضائية جديدة تفتحها هذه المرة ضده أنقرة.

رحلة صراع دحلان مع تركيا

فقد قائد جهاز الأمن في قطاع غزة محمد دحلان غطائه السياسي النافذ بشكل متدرج عقب أحداث الانقسام الفلسطيني الداخلي عام 2007، إذ لم يقتصر الأمر على إخراجه في هذا العام من قطاع غزة على يد «حركة حماس» التي سيطرت على القطاع آنذاك.

الإخراج الأقسى على دحلان جاء من قبل اللجنة المركزية لـ«حركة فتح» التي أصدرت قرار في يونيو (حزيران) 2011، يقضي بفصله من عضوية اللجنة المركزية والحركة بشكل عام، وهو القرار الناجم عن المنافسة الشرسة بين دحلان وحليفه السابق في «حركة فتح» محمود عباس، والتي وصلت عواقبها لحد الحكم على دحلان  بسجن ثلاث سنوات غيابيًا في عام 2016 بتهم تتعلق باختلاس المال العام خلال توليه منصب منسق الشؤون الأمنية للرئاسة الفلسطينية.

في المحصلة ترك دحلان الساحة السياسية الفلسطينية مجبرًا واختار أن يعيش في دولة الإمارات العربية المتحدة، لكن المستشار الأمني لولي عهد أبوظبي محمد بن زايد لم يهدأ في منفاه، وسرعان ما أصبح جزءًا من الصراع الإقليمي، خاصة صراعه مع تركيا القائم منذ سنوات.

كانت أبرز محطات هذا الصراع حين أعلنت تركيا أن دحلان له دور كبير في محاولة الانقلاب الفاشل الذي وقع منتصف يوليو (تموز) 2016، فأنقرة تؤكد أن عدة اتصالات مسجلة تمت بين دحلان والمعارض التركي فتح الله كولن الذي تتهمه تركيا بتدبير محاولة الانقلاب، وتظهر تلك الاتصالات – بحسب أنقرة – أن دحلان كان الممول لكافة تكاليف الانقلاب المالية، وأن الأموال قد حولت من الإمارات قبل الانقلاب بأسبوعين، كما عكفت تركيا على إظهار أن دحلان عمل على نشر الفوضى وزعزعة الأمن عبر عمليات إرهابية تقوم بها عناصر «حزب العمال الكردستاني» المعارض للحكومة التركية.

وقدمت تركيا مزيدًا من الأدلة على تورط دحلان، ففي أبريل (نيسان) 2019 اعتقلت فلسطينيين بتهمة التجسس لحساب الإمارات عبر دحلان، وكشفت المصادر التركية أن الجاسوسين – أحدهما انتحر في محبسه – قد خططا للقيام بتنفيذ أعمال تخريبية داخل تركيا.

كما سجلت قضية اغتيال الصحافي السعودي جمال خاشقجي عام 2018 محطة مهمة في الصراع التركي مع دحلان، فحسب صحيفة «يني شفق» التركية التي نقلت عن مصدر مطلع أن «فريقًا مكونًا من أربعة أشخاص على صلة بدحلان – المقيم في أبوظبي – وصل إلى تركيا قادمًا من لبنان قبل يوم واحد من جريمة القتل، ودخل القنصلية في يوم مقتل خاشقجي، وحاول طمس الأدلة المتعلقة بجريمة القتل».

100 عام من حكم العسكر.. كيف استطاع الشعب التركي كسر شوكة الجيش تدريجيًا؟

لكن لماذا تلاحق تركيا دحلان بهذه القوة الآن؟

أعلنت أنقرة يوم 22 نوفمبر (تشرين الثاني) 2019 أنها ستمنح جائزة قدرها 700 ألف دولار لمن يدلي بمعلومات تؤدي لإلقاء القبض على دحلان نتيجة عمله لحساب دولة الإمارات والمشاركة في محاولة انقلاب عام 2016 ضد الرئيس رجب طيب أردوغان.

دحلان مع إيهود أولمرت (يمين)، نائب رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق

وكذلك تم الحديث عن أن وزارة الداخلية التركية ستدرج اسم محمد دحلان في قائمة «الإرهاب الحمراء» التي تتألف ممن تعتبرهم تركيا – بحسب وصفها – «إرهابيين مطلوبين من تركيا»، ورد دحلان بحدة على هذا القرار التركي فكتب عبر صفحته الرسمية على موقع «فيسبوك»: «أقترح على أردوغان أن يدفع الـ700 ألف دولار لطبيب نفسي بعد انهيار أحلامه وطموحاته في المنطقة العربية»، فيما  أصدرت اللجنة القانونية في «حركة فتح» المحسوبة على دحلان تعليقًا على القرار: «يعتبر تحديًا واضحًا لكل القوانين والأعراف القانونية والأخلاقية، ويمكن اعتباره كذلك تحريضًا بالقتل ضد القائد دحلان يدخل ضمن جرائم الحرب المرتكبة ضد الإنسانية».

لكن لماذا جاء هذا الإعلان الآن على وجه التحديد؟ إذا ما استعنا في البداية بالمصادر الإسرائيلية المعنية بمصير دحلان بشكل أو بآخر، فإنها ترى أن «تركيا تريد استخدام الاتهامات ضد دحلان كجزء من منافستها العامة مع الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية على النفوذ الإقليمي، فأنقرة تريد أن تأخذ عباءة من الرياض لتصبح بطل الأمة لأسباب إسلامية مختلفة»، حسب ما جاء في صحيفة «يديعوت أحرنوت» الإسرائيلية.

فيما ترى الصحافية المصرية المختصة بالشأن التركي صالحة علام أن «هذا الاتهام سينهي الدور السياسي المحتمل لمحمد دحلان في تولي السلطة الفلسطينية، رضوخًا للمطالب الإسرائيلية التي ترى أن أيًا من الأسماء المطروحة لخلافة عباس لن يكون في مقدورها التوقيع على اتفاق دائم يلبي المطالب الإسرائيلية، خصوصًا تلك المرتبطة بالاعتراف بيهودية إسرائيل، وبقاء السيطرة الأمنية الإسرائيلية على الضفة بعد قيام الدولة الفلسطينية، إذ يعتقد الإسرائيليون أن دحلان هو الوحيد الذي يمكن أن يكون شريكًا للسلام، وأن يشكل جسرًا بين الضفة وغزة».

وتضيف علام في تقريرها على موقع «الجزيرة نت»: «كما أن تعرية دحلان بهذه الصورة، وفضح الإمارات التي تقف خلفه تحركه بتعليماتها، يعني إمكانية ضمها رسميًا كطرف رئيس وفاعل في محاولة الانقلاب الفاشلة، وفي هذا إضعاف لجبهة تناصب تركيا العداء وتبذل الكثير من الجهد والمال في سبيل إلحاق الضرر بها».

هل تستطيع تركيا حقًا محاكمة دحلان؟

يقول أستاذ القانون الدولي في جامعة بيت لحم عبد الله أبو عيد: إنه «إذا ثبت ببيانات قاطعة أن دحلان يضر بأمن تركيا فمن حقها أن تقاضيه وتحاكمه ما دامت تملك بيانات صحيحة تؤدي إلى محاكمة عادلة، ومن حقها أيضًا أن تطالب الدولة التي يقيم فيها بتسلميه».

صورة من أحداث محاولة الانقلاب في تركيا

ويوضح أبو عيد: «إذا قدمت تركيا بيانات قاطعة بأن دحلان يتدخل في شوؤنها ويتآمر عليها، يمكن لها أن تحاكمه وفق المعايير الدولية»، لكن أبو عيد يشدد خلال حديثه لـ«ساسة بوست» أن تسليم دحلان ليس أمرًا سهلًا، فبموجب الاتفاقيات الدولية لتسليم المتهمين عن طريق منظمة الشرطة الجنائية الدولية «الإنتربول» هو عملية مقعدة، وتكمن الصعوبات – حسب أبو عيد – في كون علاقة تركيا بالإمارات هي علاقة سيئة، وبالتالي الإمارات غير مستعدة لتسليم دحلان، وكذلك لعدم وجود اتفاقية دولية بين تركيا والإمارات لتسليم المتهمين.

ويقرأ أبو عيد في المكافاة التي قدمتها تركيا لإدانة دحلان أنها جاءت لتسليط الضوء إعلاميًا – بما يخدم تركيا – على وجود مؤامرات عليها بحسبها من قبل دحلان بدعم من الإمارات، وهذا يعطيها مسوغ أن تتصرف ضد الإمارات التي هي ضد محورها، بحسبه.

فيما يقول الباحث في العلاقات الدولية محمود فطافطة أن هناك أسسًا وقواعد أخلاقية بين الدول، أو بين دول ومجموعات وحتى أشخاص، وأهم هذه القيم الأخلاقية هو عدم التدخل في شؤون الآخرين من جهة، وعدم التحالف مع آخرين ضد دولة من جهة أخرى.

سؤال الساعة: لماذا تتقلص شعبية أردوغان في المدن الكبرى بتركيا؟

ويشير فطافطة لـ«ساسة بوست» إلى أنه منذ فشل الانقلاب في تركيا عام 2016، وتركيا تتحدث عن أن دحلان له يد مع بعض الدول في هذا الانقلاب لا يتوقف، ويضيف: «تركيا تحدثت أنها تمتلك بعض الوثائق، لكن يبدو أنها ليست وثائق دامغة قانونيًا، ويظهر أنه حتى الآن لا يوجد لديها ما يدين دحلان إدانة قانونية عدلية وفق المحاكم الدولية، وهي بتحركها الأخير تريد أن تفصل ما بين القضائي والعدلي، وما بين السياسي والصراع الأيديولوجي حتى تكون مقنعة في حال وجدت ما يدين هذا الشخص لارتكاب المؤامرات أو التحالفات ضدها».

المصادر

تحميل المزيد