أشعل استيلاء تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام على أنحاء كثيرة في العراق جدالاً حول الدور الإيراني؛ فقد تساءل المحللون والنقاد: هل يتعين على واشنطن العمل مع إيران لصد زحف تنظيم داعش المتسارع؟ إن التعاون بين إيران وأمريكا يبدو ممكنًا إن لم يكن مرغوبًا فيه بالفعل. فكل من الدولتين تخشيان من تمدد نفوذ المتشددين السنة، كما قد تقود المفاوضات بينهما حول البرنامج النووي الإيراني إلى تعاون أكبر حول قضايا أخرى وخاصة العراق. إلا أن التعاون بين البلدين تعترضه تعقيدات كثيرة؛ فمصالح أمريكا وإيران لا تتطابق تمامًا في العراق، وقد يؤدي التعاون فيما بينهما إلى تعقيد المفاوضات حول البرنامج النووي بمنح إيران المزيد من النفوذ؛ مما سيسبب غضب حلفاء أمريكا مثل السعودية وإسرائيل، وسيعزز موقف الكونغرس المعارض لأي صفقة مستقبلية حول البرنامج النووي.

ستبذل إيران كل ما في وسعها لمنع سيطرة تنظيم داعش على بغداد وتدمير المراقد الشيعية المقدسة في النجف وكربلاء، فأمر كهذا قد يسبب تهديدًا خطيرًا لمصالح إيران الدينية والجيوسياسية. كما أنه ليس خفيًّا أن الحرس الثوري الإيراني زاد من أنشطته في العراق، كما جند الآلاف من المسلحين الشيعة في مسعى منه لوقف تقدم داعش. ولن يكون مفاجئًا رؤية إيران وهي ترسل المزيد من قواتها إلى العراق، أو حتى أن تتدخل علانية لو باتت بغداد مهددة بالسقوط في أيدي داعش. كان الجنرال محمد علي جعفري – قائد الحرس الثوري- قد صرح مؤخرًا أن إيران كانت “جزيرة للاستقرار” في الشرق الأوسط، وذلك بسبب نجاحها في تحمل الحرب مع العراق التي امتدت بين عامي 1980 و1988. وعلى الرغم من عدم انتصار إيران في تلك الحرب، فإن سقوط نظام صدام حسين وتمكن الشيعة من حكم بغداد برر تضحيات الحرس الثوري الإيراني إبان الحرب. وسيمثل سقوط الشيعة في العراق نكسة استراتيجية للنظام الإيراني.

ولكن هل يعني هذا استعداد إيران للعمل مع الولايات المتحدة؟ يبدو أن حكومة الرئيس حسن روحاني تعتقد ذلك. فقد تحدث مستشارو روحاني بحماس عن إمكانية التعاون مع واشنطن، وينظرون إلى الأمر على أنه وسيلة لتسهيل ليس فقط المفاوضات النووية، ولكن سيدعم اندماج سياسة روحاني الخارجية المعتدلة في السياسة الدولية. إلا أن المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية آية الله علي خامنئي عارض علنًا تلك المساعي. ومن الصعب تصور عمل الجنرال قاسم سليماني – قائد فيلق القدس المسئول عن العمليات الإيرانية في العراق وسوريا– مع رجال يرتدون زي الجيش الأمريكي. ففي نهاية المطاف، قوات سليماني ممثلة في فيلق القدس مسئولة عن مقتل مئات الجنود الأمريكيين إبان احتلال العراق. وبالطبع، يمكن للأمريكيين تبني منطق “عدو عدوي صديقي” والتعاون مع إيران.

كما سيشكل التعاون مع إيران في ملفات غير ملف برنامجها النووي مصدر قلق لتل أبيب والرياض. فالحكومتان الإسرائيلية والسعودية مقتنعتان بأن إيران تهدف للسيطرة على الشرق الأوسط. وهي وجهة نظر قابلة للنقاش، ولكنها يمكن أن تعقد المفاوضات النووية، أخذًا في الاعتبار معارضة الحكومة الإسرائيلية القوية للاتفاق النووي المؤقت الذي أبرم في نوفمبر 2013.

على الرغم من كل هذا، سيكون لإيران دور رئيس في العراق سواء أعجب ذلك واشنطن أم لا. فإذا كانت الولايات المتحدة تسعى إلى حل “إقليمي” في العراق، فإنه لن ينجح دون إيران؛ ويمكن قول الشيء نفسه عن الصراع مع سوريا. فوجود القوات الإيرانية والأمريكية في العراق قد يتطلب اتصالات واضحة ومباشرة بين الجانبين، على الأقل لمنع سوء الفهم والمزيد من الفوضى. ولكن يجب على واشنطن التعامل بحذر والتركيز على المفاوضات النووية في الوقت الراهن. ومن الممكن أن تنتظر لترى ما إذا كان من الممكن أن توفر الصفقة النووية المحتملة فرصًا جديدة للعمل مع إيران في القضايا الإقليمية، ولكن مقولة “عدو عدوي هو صديقي” ربما لا تنطبق على العراق في هذا الوقت.

عرض التعليقات
تحميل المزيد