عندما نعاني من حدث مؤلم، صدمة أو حالة وفاة، نتمنى حينها لو بإمكاننا أن نوقف عجلة الزمن ونزيل تلك الذكرى من أدمغتنا. وفي فيلم الخيال العلمي والرومانسية «Eternal sunshine of the spotless mind»، رأينا الأطباء قادرين على منح الأبطال النسيان باستخدام التكنولوجيا الحديثة والحواسيب الآلية، عبر أسلاك وبرامج يجرى ربطها بأدمغة البشر تتحكم في ذكرياتهم.

كان الخيال أشبه بالصورة التقليدية لسيطرة الآلة في المستقبل على الدماغ البشري، لكن هل بإمكاننا فعلًا في العالم الواقعي التحكم بذكرياتنا؟ أكثر من دراسة علمية جديدة تثبت لك أنك تستطيع.

هل يمكننا التلاعب بالذاكرة؟

بالنسبة إلينا، تعد الذكريات مجموعة من المشاهد والمشاعر المختلطة ما بين الرضا والغضب والقلق والخوف. صور تتنقل في أدمغتنا لأحداثٍ وأماكن وروائح وأشخاص، إلا أن الأمر بالنسبة إلى الباحثين والعلماء شيء مختلف؛ إذ تعد الذكريات مجموعة من التغيرات الكيميائية والفيزيائية، تشهدها الدماغ. نبضات كهروكيميائية تنتقل من عصبٍ لآخر، ومعها يُشفر كل شيء له علاقة بالذاكرة. وهنا يكمن التساؤل عن ماهية هذه التغيرات، وهل يمكن التلاعب بها؟

عام 2014، نشرت مجلة «ناتشر (Nature)» العلمية بحثًا هامًا، قدم فيه العلماء إجابات واضحة، تشير إلى إمكانية انتقاء الذكريات التي نريد أن نحتفظ بها. فسر العلماء آلية عمل الدماغ في ربطِ الذكريات بالمشاعر والعواطف، وكيف يمكن لنا أن نتلاعب بهذه الآلية من أجل تحييد الذكريات السيئة، تمهيدًا إلى النسيان.

«بإمكاننا تتبع الذكريات السيئة داخل الدماغ، وتغيير المشاعر المؤلمة المرتبطة بها» *مجلة «ناتشر»

خلال هذه الدراسة، تمكن العلماء لأول مرة من تحديد أماكن الذكريات الجيدة والسيئة داخل الدماغ البشري، وكيف يمكن تبديل الطبقات العاطفية لهذه المشاعر، وذلك عن طريق تقنية جديدة ابتكروها وأطلقوا عليها «علم البصريات الوراثي»؛ إذ تمكن الباحثون عن طريق هذه التقنية من تتبع الذاكرة العاطفية.

أجرت التجربة العملية على فئران التجارب؛ وذلك عن طريق تقسيم الفئران إلى مجموعتين وضعت كل منهما في صندوق، وخضعوا لتجربتين معكوستين، إحداهما جيدة، مثل قضاء ساعة مع فئران إناث. وأخرى تجربة سيئة، إذ تعرض الفئران إلى صدمة كهربائية طفيفة. أراد الباحثون أن يعرفوا أي التجربتين ستطغى على الأخرى، ولهذا خضعت المجموعة الأولى للتجربة الجيدة أولًا ومن ثم للتجربة السيئة. أما المجموعة الثانية فقد خضت للتجربة السيئة ومن بعدها التجربة الجيدة.

 أثناء وبعد التجربة، حقنوا الفئران بأحد أنواع البروتينات في الخلايا العصبية. كان البروتين يتفاعل مع موجة زرقاء محددة من ضوء الليزر، مُسلطة على رؤوس الفئران. حينها اكتشفوا أن الفئران قادرة على استعادة العاطفة المرتبطة بالتجارب سواء الجيدة أو السيئة، حتى بعد انتهاء التجربة وفي غياب المحفز الأساسي لهذه المشاعر؛ إذ بوضع الفئران في صندوق جديد كليًا، اكتشف الباحثون أنه وبمجرد أن سُلط الضوء الأزرق عليهم، استدعوا ذاكرة الخوف.

(شرح التجربة في TED)

أتاحت هذه التجربة للعلماء، تحديد الأماكن الخاصة بالذكريات السيئة والجيدة في الدماغ، وذلك من خلال الخلايا العصبية في الدماغ المسؤولة عن تخزين ذاكرة معينة، لكن هل يمكننا الآن التحكم في هذه الذكريات، بعد أن حددنا أماكنها؟

كان الاكتشاف الحقيقي، عندما اختبر الباحثون مدى مرونة العلاقة ما بين النسيان والتعرض للصدمة والذاكرة؛ كان للبروتين والضوء الأزرق عامل هام في عمل «مفاتيح تحكم» في الخلايا الدماغية، تمكنا من التلاعب بالذاكرة، يقول الباحثون: «ماذا لو أعطينا للفئران تجربة ومشاعر جديدة، تندمج مع هذه المشاعر القديمة؟».

سمح الباحثون للفئران ممن تعرضوا للتجارب السيئة، قضاء بعض الوقت مع الإناث، لمعرفة مدى تأثير الصدمة على الشعور بالمتعة. عن ذلك يقول أحد الباحثين أن الدوائر المسؤولة عن المشاعر السلبية والايجابية كانت تتنافس مع بعضها البعض، والغلبة في النهاية تصبح للعاطفة المهيمنة. ويضيف: «يمكننا التلاعب بالذكريات القديمة المؤلمة، وإدخال عناصر جديدة إليها»، من أجل أن تبدو أقل ألمًا.

كانت تلك الملاحظات ثمينة بالنسبة لآليات العلاج النفسي؛ إذ لاحظ العلماء أن الفئران كلما تعرضت للظروف نفسها التي عانت فيها من الصدمة -العودة إلى الصندوق-، كان شعورها بالخوفِ أقل. مما يعني أن استعادة الذكريات المؤلمة قد يكون الطريق الأمثل، للتخلصِ منها، مما قد يساعد على التعافي.

7 نصائح بسيطة تساعدك في تحسين ذاكرتك ومحاربة النسيان

الزينون.. غاز مخدر بإمكانه أن يمنحنا النسيان

يعتبر غاز زينون، عنصرًا كيميائيًا شائع الاستخدام؛ إذ يصنع منه بعض أنواع المصابيح الضوئية، ويستخدمه أطباء التخدير بشكلٍ أساسي في أوروبا، إلا أن العلماء قد اكتشفوا في السنوات الأخيرة قدرته على تجريد ذكرياتنا من المشاعر المؤلمة أو السلبية، وتحييد الذكرى بشكلٍ أساسي. تشير الدراسة إلى أن هذه التقنيات قد يكون لها دور عظيم في علاج حالات الاكتئاب، واضطراب ما بعد الصدمة.

كان إدوارد ميلوني، أستاذ مساعد الطب النفسي بـ«جامعة هارفارد»، ومارك كوفمان، مدير مختبر «مستشفى ماكلين»، يعملون سويًا على تجربة تختبر غاز زينون على فئران التجارب، عندما اكتشفوا قدرة هذا الغاز المستخدم في التخدير على محو الذكريات والمشاعر السيئة. «قد يكون غازًا عديم اللون والطعم والرائحة، إلا أن له قدرة السحر على محو شعور الخوف المرتبط بالصدمات النفسية»، هكذا أشار الباحثون.

أثناء التجربة، قسم الباحثون الفئران إلى مجموعتين، وضعوا كلًا منهم في أقفاصٍ حديدية، ومن ثم عرضوهم لصدماتٍ كهربائية خفيفة، وذلك أثناء سماع بعض أصوات الضوضاء، وعندما قاموا بنقل الفئران إلى أقفاص جديدة، وبمجرد سماع صوت الضوضاء مرةً أخرى استعادوا ذكرى التجربة السيئة التي عانوا منها في الصندوق الأول؛ إذ ظهرت عليها أعراض الخوف، و تجمدوا في أحد أركان الصندوق.

Embed from Getty Images

في وقتٍ لاحق، أعطى الباحثون المجموعة الأولى من الفئران جرعة منخفضة من غاز الزينون، أما المجموعة الثانية لم تأخذ هذه الجرعة، ومن ثم أعادوا التجربة، كانت النتيجة تفاعل المجموعة الأولى مع صوت الضوضاء بشكلٍ أقل، كما انخفضت مشاعر الخوف والتجمد، وذلك في الفئران التي خضعت لغاز الزينون. يقول عن ذلك ميلوني: «كانت النتيجة كما لو أن الفئران قد فقدت جزءًا من الذكريات المرتبطة بالصوت»؛ إذ يعمل الزينون على حجب مستقبلات معينة تسمى «NMDA»، وهي المسؤولة عن عملية التذكر واستعادة الذكريات.

يشير الباحثون إلى أن الغاز يساعد في الحد من تأثير الألم العاطفي المرتبط بالتجربة المؤلمة، وبالتالي يعمل على تحييد الذكريات، وهو ما يؤهله ليصبح مكونًا رئيسيًا في الأدوية التي تعالج الاكتئاب واضطراب ما بعد الصدمة. عن ذلك يقول ميلوني: «على عكس الأدوية التي تعمل على مستقبلات «NMDA»، يعتبر الزينون هو الأسرع في الدخول والخروج من الدماغ، لكن يجب أن يستعمل في الوقت المناسب، أثناء نشاط الذاكرة، ولفترة زمنية محددة».

وفي تجربةٍ أخرى نُشرت بمجلة «ناشيونال جيوغرافيك»، تمكنت عالمة الأعصاب بـ«جامعة تورنتو»، شينا جوسلين، من القضاء تمامًا على مشاعر الخوف داخل فئران التجارب؛ إذ استهدفت الخلايا المسؤولة عن المشاعر السيئة داخل الدماغ، وذلك بعدما حقنت الفئران بعقار «التوكسين»، والذي استهدف هذه الخلايا وقتلها. تقول عن ذلك: «بعدما اختفى هذا الجزء الضئيل من الخلايا، لم تعد الفئران تشعر بالخوف».

قوة النسيان تكمن في التركيز على الذكريات السيئة

في الآونة الأخيرة، يبحث العلماء عن طرقٍ جديدة لمعالجة اضطراب ما بعد الصدمات، وذلك لتخفيف ألم الذكريات المؤلمة عن العائدين من الحروب، أو ضحايا العنف والاغتصاب، أو حتى من يعانون إثر تجارب عاطفية مؤلمة؛ وذلك عن طريق «محو» مسببات الألم من الذاكرة، وهو ما يمكن أن نطلق عليه «العلاج بالنسيان».

في دراسة علمية جديدة، أجراها علماء بـ«جامعة تكساس» الأمريكية، في مارس (آذار) الفائت، جرت الإشارة إلى أن النسيان يرتبط عادةً بزيادة تفاعل المخ مع الذكريات غير المرغوب فيها، ويفسر ذلك العلماء بقولهم: «لكي تنسى شيئًا، كل ما عليك فعله هو التركيز عليه»؛ إذ اكتشف الباحثون أن المستوى المعتدل لنشاط الدماغ أمر حاسم بالنسبة إلى آلية النسيان، ويشير عالم النفس تريسي وانج إلى أن هناك آلية خاصة تتيح للناس التعافي من التجارب والعواطف المؤلمة.

Embed from Getty Images

«يمكنك نسيان أي شيء تريد تجاهله طواعيةً، لكن السؤال هنا عن كيفية عمل أدمغتنا لتحقيق ذلك»، يشير العلماء إلى أن الدراسات السابقة قد ركزت على نشاط القشرة الأمامية للدماغ ومركز الذاكرة، إلا أن الدراسة الجديدة، راقب فيها الباحثون جزءًا مختلفًا من الدماغ وهو القشرة الزمنية البطنية.

أجرت التجربة على 24 شابًا يتمتعون بصحةٍ جيدة، وكان الجزء الأول منها قد تناول عرض صور لوجوه أشخاص أو لأحداث، ومن ثم طلب الباحثون من الشباب إما تذكر أو نسيان كل صورة، وأثناء التجربة جرى مراقبة نشاط المخ عن طريق أجهزة «الرنين المغناطيسي»، وعندما فحص الباحثون القشرة الزمنية البطنية، وجدوا أن فعل النسيان يستهلك قوة دماغية أكبر من التذكر؛ إذ أشار الباحثون في الورقة العلمية أن نشاط القشرة البطنية في الصور التي أعقبتها تعليمات النسيان، كان أكبر من ذلك الذي أعقب الصور المطالبون بتذكرها.

يشير الباحثون إلى أن نسيان صور محددة في تجربة مخبرية مفتعلة بالطبع يختلف جذريًا عن محو الذكريات واللحظات المؤلمة التي نختبرها في العالم الواقعي، إلا أن آليات عمل الدماغ واحدة في الحالتين، واكتشاف كيفية تفعيل آلية النسيان قد يكون مفيدًا للأشخاص الذين يعانون في جميع أنحاء العالم من الصدمات والتجارب السيئة.

يقول وانج: «من المهم أن نقوم بالتركيز على الذكريات التي ننوي نسيانها، وذلك لمساعدة المخ على الوصول إلى بقعة محددة في الجزء الخاص بالذاكرة، وعندما يصل التنشيط إلى المستوى المعتدل، حينها يحدث النسيان». كل هذه التجارب قد أثبتت أننا على بعد خطوات من إيجاد حل لذكرياتنا المؤرقة والمؤلمة.

التذكُّر من النسيان! 6 حقائق مهمّة لتعرفها عن ذاكرتك

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد