تساهم تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي مساهمة كبيرة في صناعة حاضرنا وثورتنا التقنية التي نشهدها منذ عقود، وما تزال التكنولوجيا القائمة على تقنيات الذكاء الاصطناعي تعد بالكثير من الإنجازات والطفرات التي يمكن أن تغيّر وجه حضارتنا إلى الأبد. على الجانب الآخر، ومثل كل التقنيات التي يمكن أن تستخدم سلاحًا ذا حدين، بدأت تنتشر في السنوات الأخيرة، الكثير من التطبيقات التي يمكن أن تستخدم تقنيات الذكاء الاصطناعي في فناء البشرية، بحسب تخوفات الكثير من العلماء المرموقين.

 

وصلت بعض التطبيقات القائمة على الذكاء الاصطناعي في الوقت الحالي إلى تحقيق القدرة على اختيار أهداف بشرية متنوعة، وقتلها بدون أي تدخل من البشر؛ إذ تمتلك هذه الروبوتات القدرة على اتخاذ القرارات المختلفة بناءً على خوارزميات يزودها المطورون بها. الكثير من الحكومات أصبحت تمتلك هذه النوعية من الأسلحة شديدة التدمير، وهو الأمر الذي رفع درجة القلق لدى المؤسسات الدولية مثل الأمم المتحدة، لدرجة أنها وصلت حدّ المطالبة بفرض قوانين رادعة للحكومات من أجل منع استخدام هذه النوعية من الأسلحة وتطويرها.

أسرع من البشر 100 مرة

في محاولة يائسة للفت الانتباه تجاه هذا الخطر المحدق، وقدراته التدميرية غير العادية، قرّرت مجموعة من النشطاء والعلماء جذب انتباه العالم إلى خطورة انتشار هذه النوعية من الأسلحة. قامت المجموعة بإنتاج فيلم قصير على درجة عالية من الدقة المرعبة في وصف الإمكانات التي تمتلكها هذه الروبوتات القاتلة. يحاول الفيلم أن يصف حجم الشرور التي يمكن أن تحدث حال وقوع هذه التكنولوجيا، بإمكاناتها الخيالية، في الأيدي الخاطئة.

تظهر في الفيلم مجموعة من الروبوتات الصغيرة بحجم كفّ اليد، وتمتلك هذه الروبوتات الطائرة ذاكرة ومعالجًا قويًّا، إضافة إلى القدرة على تمييز الوجوه (facial recognition)، وتستطيع اتخاذ القرارات وتنفيذها أسرع من الإنسان 100 مرة. تستطيع هذه الروبوتات العمل في الظروف والبيئات التي يستحيل على البشر العمل خلالها، وتستطيع اختراق الحواجز المعدنية والصخرية بسهولة شديدة؛ ما يجعل التحصن ضدها أمرًا مستحيلًا. العامل الأكثر خطورة في طبيعة هذه النوعية من الأسلحة هو النمط شديد التسارع لتطويرها وزيادة قدراتها التدميرية الدقيقة.

 

يحذر ستيوارت روسيل، عالم الذكاء الاصطناعي في جامعة كاليفورنيا، من كون هذه النوعية من الأسلحة ستكون صاحبة أثر مدمر على الحضارة البشرية وأمنها وحريتها. يقول روسيل معلقًا على الفيلم القصير: «التكنولوجيا التي ظهرت في الفيلم هي مجرد تنفيذ القدرات الموجودة بالفعل. إنها ليست خيالًا علميًّا. في الحقيقة، إنها أسهل في تنفيذها من السيارة ذاتية القيادة، والتي تتطلب معايير أصعب كثيرًا للأداء».

«الروبوتات القاتلة».. من السينما إلى أرض الواقع

تناولت الكثير من الأفلام فكرة وجود آلات ذاتية التحكم، تدمر البشر وتقتلهم بدون رحمة، كما في فيلم «Terminator» الشهير، وكذلك فيلم «Ex Machina». قد نصل في المستقبل القريب إلى هذا الشكل من الروبوتات المدمرة التي تتخذ شكل الإنسان، لكن في الوقت الحالي دعك من هذه الفكرة، وانظر في المقابل إلى الروبوت « Samsung Techwin SGR-A1» الذي يجوب الحدود بين الكوريتين.

Embed from Getty Images

يمتلك هذا الروبوت القدرة على إطلاق النار إطلاقًا مستقلًا إذا شعر باختراق للحدود، إلا أنّه الآن لا يعمل إلا من خلال مشغل بشري. الأمثلة الموجودة على هذه التطبيقات كثيرة، ومنها الدبابة الروسية الخارقة «T14 Armata tank» التي يجري التحكم فيها الآن تحكمًا نصف بشري، وكذلك الطائرة البريطانية «BAE Systems Taranis» والتي يمكنها كذلك أن تعمل بنظام نصف آلي. في إسرائيل هناك الدرون المسمى «Harpy»، والذي يتتبع إشارات الرادار في منطقة معينة، وفي حالة ظهور أي إشارة، يُفجّر الدرون المصدر بالقنابل تلقائيًّا.

30 دولة تمتلك الروبوتات القاتلة أو تطورها

في عام 2017، صدر تقرير موجه لإدارة الرئيس دونالد ترامب من «مركز الأمن الأمريكي الجديد»، وجاء في التقرير أن حوالي 30 دولة حول العالم تمتلك أنواعًا متعددة من الروبوتات القاتلة ذات الإمكانات الهائلة أو تطورها، هذه الروبوتات التي تعتمد على تقنيات الذكاء الاصطناعي. أبرز الدول التي أعلنت امتلاكها لهذه النوعية من الأسلحة هي روسيا، والصين، إضافة إلى وزارة الدفاع الأمريكية. وأعلنت وكالة الأخبار الروسية «TASS» في العام نفسه، أن الحكومة الروسية تطور «وحدة قتالية» قائمة على تقنيات الذكاء الاصطناعي؛ وتستطيع التعرّف إلى الأهداف واتخاذ القرارات وتنفيذها.

 

تقارير أخرى تحدثت عن طفرة جديدة في هذه النوعية من الأسلحة، تحاول وزارة الدفاع الأمريكية تنفيذها، وهي صنع روبوتات أرضية وجوية قادرة على العمل الجماعي في كتائب تتكون من 250 وحدة أو أكثر، ويأتي ذلك في الوقت الذي تمنع فيه القوانين الأمريكية من تطوير أي أسلحة مستقلة القرار بالكامل. من المفترض أن تكون هذه الكتائب الخاصة بالروبوتات ذات قدرات قتالية وفنية معقدة، وسوف تكون عونًا للقوات القتالية البشرية. الصين بدورها تعمل على تطوير غواصات تستخدم تقنيات الذكاء الاصطناعي؛ والتي تستطيع أن تساعد القادة العسكريين في اتخاذ القرارات المهمة أثناء فترات الحرب.

Embed from Getty Images

أثارت هذه الأخبار المتسارعة فزع المجتمع العلمي في العالم؛ ذلك أنّهم أكثر من يعلمون مدى سهولة تطبيق هذه التقنيات في الوقت الحالي، كما أنهم يعلمون أيضًا مدى القدرة التدميرية غير المحدودة لهذه النوعية من الأسلحة. يقول توبي والش، أستاذ الذكاء الاصطناعي في جامعة نيو ساوث ويلز: «سوف تكون أسلحة الإرهاب، سيستخدمها الإرهابيون والحكومات الشريرة ضد المجتمعات المدنية. على عكس الجنود البشريين، سوف تتبع هذه الروبوتات الأوامر مهما كانت شريرة. سوف تكون أسلحة للدمار الشامل. مبرمج واحد وطابعة ثلاثية الأبعاد كافية لصنع ما كان يصنعه قديمًا جيش من البشر».

ستيفن هوكينج وإيلون ماسك.. على رأس قائمة المحذرين

تزداد الآن الحركات، التي يقودها علماء وخبراء في الذكاء الاصطناعي، والتي تريد أن تشكل ضغطًا على الحكومات من أجل منع تطوير هذه النوعية من الأسلحة، وتجريم استخدامها دوليًّا قبل أن تتمكن هذه التقنيات من أن تصبح شائعة في مختلف دول العالم فيصعب منعها.

في هذا الإطار، قدم حوالي 4 آلاف من الباحثين المتخصصين في تقنيات الذكاء الاصطناعي والعلماء من المجالات والتخصصات الأخرى، خطابًا مفتوحًا لحكومات العالم يحمل توصيات بضرورة تجريم هذه الأسلحة. أبرز هؤلاء العلماء والباحثين، ستيفن هوكينج، الفيزيائي الراحل، وإيلون ماسك، وستيف وزنياك المؤسس المشارك لشركة آبل، إضافة إلى مصطفى سليمان، المؤسس المشارك ورئيس وحدة الذكاء الاصطناعي «DeepMind» التابعة لشركة «Alphabet» الشهيرة.

Embed from Getty Images

يخشى هؤلاء العلماء والباحثون أن تكون هذه الأسلحة هي «الثورة الثالثة» لأسلحة الحروب، بعد اختراع البارود والقنبلة النووية منتصف القرن الماضي. النمط الذي اشتركت فيه ثورتا البارود والأسلحة هو أنها عندما تبدأ في الظهور، يصبح إيقافها مستحيلًا. من هذا المنظور تصبح الروبوتات القاتلة في عصرنا بمثابة «صندوق باندورا» الذي حالما يفتح، يصبح إغلاقه مستحيلًا.

ما يزيد من ضرورة المجهودات التي تقدمها هذه الحركات، هو تحوّل الأمر بالنسبة للكثير من الحكومات إلى سباق تسلح؛ تكون فيه القدرات التدميرية القياسية هي الغاية لضمان التفوق على الحكومات والدول المنافسة. من بين هذه الحركات، ظهرت حركة «حملة إيقاف الروبوتات القاتلة» (Campaign to Stop Killer Robots) التي تأخذ على عاتقها أمر تعريف المجتمعات حول العالم بخطورة انتشار هذه النوعية من الأسلحة، وكذلك قيادة مراحل من الضغوط على الدول من أجل استمرار الجهود الداعمة لفكرة تجريمها دوليًّا.

الأمم المتحدة تبدأ تحركاتها

في أبريل (نيسان) الماضي، وقع اجتماع للأمم المتحدة في جنيف لمجموعة من ممثلي دول مختلفة، حول ما يمكن أن تفعله المنظمة بشأن هذا الخطر الذي يهدد مستقبل البشرية. كان من بين الأهداف المعلنة للاجتماع، تحديد ومواجهة تحديات الأمن الإنساني والدولي التي تفرضها هذه التقنيات الآخذة في الانتشار، وذلك في سياق أهداف الاجتماع ومقاصده.

منظمة عالمية أخرى تشارك بالكثير من الجهد في السياق نفسه، وهي منظمة «Article 36» التي حاز مديرها العام، ريتشارد مويس، جائزة نوبل للسلام عام 2017 بفضل جهوده في تخفيض التسلح النووي.

 

يقول مويس: «هذه الأسلحة المستقلة يمكن أن تقوّض الإطار القانوني الذي يحكم الحروب في عصرنا، والذي يعتمد على أن البشر يتخذون القرارات بخصوص ما إذا كان استخدام القوة، في موقف ما، قانونيًّا. إن أخذت الآلات حق اتخاذ قرار بالقيام بهجمات، حينها ستكون التقييمات القانونية البشرية لا تعتمد على فهم حقيقي للظروف على الأرض». يخشى مويس بشكل كبير أن تكون هذه الأسلحة بمثابة نزع فتيل الإنسانية من الصراعات في المستقبل.

Embed from Getty Images

لا يمكننا الجزم بمصير المجهودات التي تقودها الأمم المتحدة لمحاولة حظر هذه النوعية من الأسلحة، إلا أن هناك بعض المؤشرات التي يمكن أن تجعلنا متفائلين بشأن قدرة الأمم المتحدة على سنّ القوانين اللازمة لمنع انتشار هذه الأسلحة. تتجه الإدارات الأمريكية منذ إدارة أوباما، وحاليًا إدارة ترامب، نحو دعم العقوبات على الأسلحة مستقلة القرار. قدمت إدارة باراك أوباما عام 2012 توجيهات بأن تكون الأسلحة التي تعتمد على تقنيات الذكاء الاصطناعي في تصميمها على أن «تسمح للقادة والمشغلين بمستويات مناسبة من التحكم البشري في استخدام القوة».

 

وتوصي التوجيهات كذلك بوجود ضمانات للحماية من أي خلل محتمل في أنظمة هذه الأسلحة، والتأكد من عدم قدرتها على شن هجمات من تلقاء نفسها.

في الجهة المقابلة، تقف فرنسا وألمانيا موقفًا معارضًا لتدشين معاهدة جديدة لمنع الأسلحة ذاتية التحكم. ففي الوقت الذي أعربت فيه رئيسة الوزراء الألمانية أنجيلا ميركل أنها تدعم دعمًا كاملًا منع هذه النوعية من الأسلحة، تقف فرنسا موقف المفاوض الذي يفضل الحلول السياسية والقانون الدولي على وجود معاهدة جديدة كليًّا تتم خصيصًا لهذا الغرض. على الجانب الآخر، تعلن 22 دولة وقوفها وقوفًا كاملًا لدعم معاهدة الحظر التام لهذه الأسلحة، فيما انضمت لهذه القائمة أربع دول أخرى وهي: النمسا، وجيبوتي، وكولومبيا، والصين، لكن هل تنهي هذه الاتفاقية وجود هذه الأسلحة حال إتمامها؟

روسيا لا تهتم بوجود هذه الاتفاقية

يجادل الكثيرون حول ما إذا كان نجاح الجهود الرامية لتدشين اتفاقية عالمية لحظر هذه الأسلحة كافيًا من أجل منع تطويرها على أرض الواقع. تختلف الأسلحة ذاتية التحكم عن الأسلحة النووية، والتي وُقعت بشأنها اتفاقيات دولية، في أنها تعبّر عن طيف واسع وشديد التعقيد من الإمكانات. يظهر ذلك في ضبابية الخط الفاصل بين تلك الأسلحة التي يديرها البشر، وتلك التي يمكن أن يطلق عليها ذاتية التحكم بالكامل، وأخرى يكون التحكم بها مشتركًا بين البشر والآلات بدرجات متفاوتة.

Embed from Getty Images

أحد الأسباب الإضافية التي يمكن أن تحول هذه الاتفاقية، حال إتمامها، مجرد كلمات تملأ ملفات الأمم المتحدة هو استمرار الجيوش في العالم، إضافة إلى شركات تصنيع الأسلحة بالاستثمار بكثافة شديدة للحصول على الأسلحة ذاتية التحكم من أجل الريادة في سباق التسلح، أو التربح التجاري بالنسبة للشركات. في السياق نفسه، يتوقع تقرير صادر عن مكتب مدير الاستخبارات الوطنية الأمريكي أن تضخم الأسلحة ذاتية التحكم من القدرات العسكرية تضخمًا هائلًا؛ وهو ما جعل المؤلف المشارك في التقرير، جريج ألين (Greg Allen) يستبعد أن تتوقف الولايات المتحدة وبقية الدول عن تطوير هذه النوعية من الأسلحة.

روسيا، بدورها تقف عائقًا أمام تحول أي اتفاقية إلى رادع حقيقي يمنع وجود الروبوتات القاتلة إلى جوار البشر في جيوش الدول الكبرى، وذلك بعد أن أعلن دبلوماسيون روس، بحسب تقرير لموقع «DefenseOne.com» نشر نهاية 2017، وقوف روسيا الكامل ضد اتفاقية حظر الروبوتات القاتلة. بدا من خلال التصريحات الصادرة عن روسيا أن موسكو سوف تستمر في تطوير الأسلحة ذاتية القيادة بغض النظر عن نتائج مؤتمرات الأمم المتحدة لتوقيع اتفاقية حظر الروبوتات القاتلة.

المصادر

تحميل المزيد