تـُعدّ الحواس الخمس من الأشياء المتفق عليها تقليديا, وإن كان علماء الأعصاب يجادلون في ذلك عادةً, حيث أنهم يضيفون للقائمة قدرات أخرى فطرية تمكّن الإنسان من كشف المنبهات مثل: الإحساس بالحرارة, التوازن, الألم, استقبال الحسّ العميق (وهو ما يجعلك تدرك الموضع الذي توجد فيه أجزاء جسمك بالنسبة لأجزاء جسمك الأخرى), والإحساس بالمحفزات الداخلية (الإحساس بالأعضاء الداخلية والكشف عن بعض المنبهات الكيماوية وغيرها).

تعتبر الحواس أداة تواصلنا الرئيسية مع الواقع الخارجي, وخلاصة هذه الحواس ببساطة, تُحدّدنا, بمعنى أنها تجعلنا ندرك جزءًا صغيرًا ومحددًا مما يجري في العالم المحيط. يمكنُ أن نتواجد في موقع يصخب بالأشعة الراديوية التي تصدم أجسادنا ولا نستشعر ذلك أبدا, تجعلنا الحواس أيضا نظن أن هذا هو ما عليه الواقع ولا شيء آخر, بينما لا يشاركنا تصورنا هذا عن الواقع الأفاعي التي تستشعر الأشعة تحت الحمراء (الإحساس الحراري) مثلا ولا النحل الذي يرى الأشعة فوق البنفسجية القريبة ولا الخفافيش التي تستشعر الضغط الجوي أو غيرها من حيوانات تستشعر الحقول المغناطيسية والكهربائية وضغط المياه والتيارات والضوء المستقطب! ولا حتى الحالات البشرية التي تختبر نوعا من ترابط الحواس المعروف علميا باسم Synesthesia.

جميع الحيوانات المذكورة أعلاه ترى الواقع بشكل مختلف عما نراه, وتمكّنها حواسها الموهوبة لها من إجراء أمور مميزة خاصة بها تساعدها في حياتها اليومية.

هل يمكننا ككائنات بيولوجية الخروج من معطياتنا الطبيعية؟

“إنه شيء لم يحلم أحد بأنه يمكن أن يحصل” *د.ميغيل نيكوليلس.

أول محاولة ناجحة حصلت على الإطلاق في 14/فبراير/2013, حيث تمكن الباحثون من جامعة Duke في ولاية كارولينا الشمالية من زرع أقطاب كهربائية ميكروية تحفيزية ووصلها بالجزء من القشرة الدماغية المتحكم باللمس عادة عند الفئران, وعبرها تمكّن الفئران من استشعار واستقبال الأشعة تحت الحمراء, بدأت الفئران بالبداية بالتفاعل مع الإشارات تحت الحمراء على أنها “شيء يلمسها”, وبعد شهر من التدريب استطاعت الفئران الخاضعة للتجربة دوريا أن تحدد مصدر الأشعة تحت الحمراء و”تشعر بها”.

تُعدّ هذه التجربة أول تجربة تعطي قدرة جديدة لمخلوق حيّ, بدلا من مجرد تعويضه عن قدرة ناقصة أو توسيع قدرة حاسة موجودة أصلا.

يقول الباحثون أن “الأمر كان يشبه تقريبا أن القشرة قد قسّمت نفسها بالتساوي, بحيث تعالج كلا النوعين من المعلومات, لم تؤثر الإشارات الجديدة على حاسة اللمس الأصلية ولم يقلل نهائيا من معالجتها”.

وهذا يعني أن الجزء من الدماغ “المصمّم” لمعالجة نوع من المعلومات, يمكن مقاطعته بمعلومات حسية من نوع مختلف.

الفكرة من وراء كل هذا: أنه يمكن أن يتم توصيل الدماغ بـأجهزة تعويضية خارجية قادرة على استشعار ظواهر معينة, بحيث يتلقى الدماغ البيانات منها بشكل مباشر, ويعالجها, جاعلاً صاحبه يدرك تلك الظواهر كتجربة شعورية ذاتية حقيقية كما يتم إدراك الألوان والأصوات والظواهر الواقعة في نطاق الإدراك البشري المتعارف عليه.

يقبع الدماغ في الجمجمة في صمت وظلام, حيث تصله الإشارات الكهروكيماوية حاملة المعلومات, لا يعرف عقل الإنسان ولا يهتم من أين حصل على المعلومات, إن مهمته أن يعالجها فقط ويتصرف على أساسه” *عالم الأعصاب الأمريكي ديفيد إيجلمان.

ماذا علينا أن نتوقع من تطبيقات؟

التطبيقات المحتملة والمأمولة:

تلافي آثار حالات العطب في جزء من القشرة الدماغية: من الناحية النظرية يمكن أن يستعيد شخص بصرَه الذي فقده بسبب عطل في القشرة الدماغية البصرية, عبر استخدام أجهزة تعويضية لاستعادة الحاسة المطلوبة بالاستعانة بجزء مختلف من الدماغ!

القدرة على استشعار أمور جديدة: يمكن أن توجد أجهزة حساسة/ مستشعرات لأي طاقة فيزيائية معروفة على الأرض, بحيث تمكّن الإنسان مثلا من إدراك أجزاء من بقية الطيف الكهرومغناطيسي من الأشعة الراديوية وتحت الحمراء وفوق البنفسجية والسينية وأشعة جاما, أو إدراك الترددات فوق الصوتية وغير ذلك، ما يتبع للتجربة نفسها.

“هناك أكثر من مليار عصب في الدماغ يرتبط كل منها بآلاف الأعصاب الأخرى.

يشبه العقل البشري في الحقيقة آلة تعلّـم, شبكة عصبونية, تقوم دوما بإعادة توصيل نفسها إثر تعلّم مهمة جديدة” الفيزيائي ميشيو كاكو.

التطبيقات الأولية التي في طور التنفيذ:

تلقي البيانات من الإنترنت بشكل مباشر ومحسوس: يبدو عالم الأعصاب الأمريكي الشهير ديفيد إيجلمان مبتهجًا في الفيديو أدناه, وهو يستعرض “الصدريّة” التي يرتديها والمجهزة بمستشعرات متطورة, تحوّل البيانات الرقميّة (مثل تحديثات الطقس وبيانات الأسهم والتويتات) المتلقاة من الإنترنت إلى منبهّات حسيّة تمكّن من يرتديها من الشعور بما يجري في الإنترنت دون الحاجة للسماع أو النظر إلى جهاز الكمبيوتر.

ويتوقع أن يصبح هذا النوع من الصدريات متوفرا في السوق في غضون ثمانية أشهر, كما أن ديفيد إيجلمان يتحدث عن احتمالات استخدام أخرى كثيرة لصدريات مماثلة في المستقبل من مثل الإحساس بمدى قرب العدوّ في ميدان المعركة, أو مدى قرب أصدقاء “الفيسبوك”!

 – سترة تمكّن الصمّ من استشعار الصوت: تحوّل الأصوات إلى أنماط معيّنة ومعقدة من الاهتزازات, وتُرسَل الإشارات لاسلكيا إلى ظهر السترة, حيث يتلقاها الجسد على شكل إحساسات لمسيّة, ومن ثم يتمكن الدماغ مع الزمن والتدريب من ترجمة هذه الأنماط, ما يجعل الأصمّ قادرًا على فهم هذه الإشارات ومعرفة المقصود منها مباشرة, ومن ثم القدرة على السماع بمرور 3 أشهر كما هو متوقع وصولا في النهاية إلى استشعار الموسيقى!

يتوقّـع إطلاق هذه السترة في شهر مايو من العام الجاري, بتكلفة أقلّ بكثير من عملية زرع قوقعة الأذن.

..

وهذه هي بداية الطريق وحسب!

لكَ أن تتخيل الاحتمالات الواعدة من هذه التقنيات التي تفتح الإدراك البشري على آفاق جديدة كليًا للتجارب الإنسانية, حيث يمكنك أن تجعل الدماغ “يشعر” بأيّ نوع من المعلومات بشكل مباشر. ولعلنا سنصل في النهاية إلى النقطة التي وصفها أحد المهتمين بأدب الخيال العلمي كالتالي:

 “ربما في النهاية سيكون الحل في دمج تقانة الكربون (الإنسان) مع تقانة السيليكون (الروبوتات).

ربما سنندمج في النهاية مع مخلوقاتِنا”!

عرض التعليقات
تحميل المزيد