في جراج البيت أو في الغرفة الصغيرة بسكن الجامعة، بدأ طالب جامعي لم يتجاوز العشرين من عمره، بتطوير تطبيق للهواتف الذكية يساعد الناس على التواصل وتبادل المعلومات والصور. بعد عام واحد من انتشار التطبيق حصل على استثمار من شركة استثمار مخاطر بوادي السيليكون في سان فرانسيسكو بالولايات المتحدة الأمريكية، بعد ثلاثة أعوام من تطوير التطبيق، قامت شركة كبيرة في مجال الاتصالات بشراء التطبيق، بمبلغ تجاوز مليار دولار، ربما تكون هذه القصة بالذات غير حقيقية، لكن مع تغيير بسيط في الأرقام والمسميات والأشخاص ستصبح حقيقية بل ومكررة كذلك.

القصص المماثلة تنتشر يوميًا تقريبًا عن ريادة الأعمال، بخاصة الشركات التي تقدم خدمات عن طريق الإنترنت، ومع انتشار هذه الأخبار، أصبح لدى الجميع شغف واضح واهتمام كبير، بأن يدخلوا إلى هذا المعترك، ربما مع الوقت يمكنهم الوصول لنفس النتيجة وتحقيق نفس الهدف، الكثير من الأموال في وقت قصير مع جهد قليل للغاية، لا يتعدى كتابة كود لتطبيق للهواتف الذكية.

هذا الجانب من القصة مشجع ومملوء بالشغف والنجاحات الصغيرة، ماذا إذًا عن القصة غير المروية، القصة التي لا يتناولها الإعلام ولا تنشرها مجلات الأعمال والمال المنتشرة حول العالم، هل تختلف القصة غير المروية كثيرًا، ماذا عن ملامحها إذاً وكيف يمكن أن تؤثر على تيار كامل من الشباب، يحاول أن يجد في ريادة الأعمال ضالته وطريقه إلى الثروة والنجاح، دعونا نروي بعض ملامح الوجه الآخر من الرواية.

ريادة الأعمال ليست طريقًا سريعة للثروة

العمل كطبيب ناجح أو ربما موظف في شركة من الشركات متعددة الجنسيات، قد يكون طريقًا أسرع للثروة من ريادة الأعمال، المشكلة في الانتقاء الذي تمارسه وسائل الإعلام في التسويق لريادة الأعمال، دعونا ننتقي القصص الناجحة، التي تشكل استثناءً في مسيرة الحياة البشرية، كمؤسس آبل ومؤسس فيس بوك، شابان في مقتبل العمر، استطاعا تأسيس كيانات بمليارات الدولارات، ربما لديها القدرة على التحكم في الاتصالات حول العالم. ماذا إذًا عن ملايين المؤسسين الآخرين الذين لم يحالفهم الحظ، ربما في توظيف 10 موظفين في شركاتهم الناشئة؟ دعونا لا نتحدث عن هؤلاء، العالم يحب سماع قصص الناجحين فقط.

الأرقام تروي بصدق الجانب الآخر من القصة

أفضل الإحصائيات، تقول إن 90٪ من الشركات الناشئة تفشل وتضطر لإعلان إفلاسها في أول عام أو عامين من التأسيس. هناك بعض الإحصائيات تقول إن هذه النسبة قد تصل إلى 98٪ من الشركات الناشئة. هذا يعني إذا أخذنا بالأرقام الأكثر تفاؤلًا، أن 10٪ فقط من الشركات الناشئة تكون قادرة على الاستمرار، أما عن الشركات التي تتحول إلى كيانات ضخمة وعالمية كآبل وفيس بوك، فهي نسبة لا تتجاوز 1٪ من كل الشركات حول العالم، بالطبع هذه ليست دعوة لعدم المحاولة لكنها دعوة لمحاولة فهم الأرقام والبحث بشكل معمق قبل البدء في تأسيس كيان ناشئ.

الشغف لا يكفي.. حقيقة عليك التعامل معها

الأخبار المتتالية عن رواد الأعمال في الولايات المتحدة الأمريكية، الذين تركوا مقاعد الدراسة وتوجهوا بشكل كامل لتأسيس شركات ناشئة ناجحة، تدفع الكثيرين إلى اتباع شغفهم، والعمل على تأسيس شركات، دون وجود رصيد كافٍ من المعرفة، ناهيك عن طبيعة المجتمع والسوق المختلف عن البلاد العربية، إلا أن الأرقام تقول إن النسبة الأكبر من مؤسسي الشركات الناشئة، تتجاوز أعمارهم 40 عامًا، هذا يعني أنهم حصلوا على رصيد كافٍ من الخبرة والعلم، حتى يستطيعوا تأسيس شركات قادرة على النمو والنجاح.

رواد الأعمال لا يصنعون النجاح بين ليلة وضحاها

الشركة التي قامت بإنتاج لعبة «آنجري بيرد» المشهورة، وقامت بتطوير ورسم شخصياتها الكارتونية المحببة إلى كثير من الناس حول العالم الآن، هذه الشركة نفسها قضت سنوات طويلة في تطوير ألعاب فاشلة، لم تحظ بأي اهتمام يُذكر، حتى استطاعت تطوير لعبة «آنجري بيرد» الشهيرة. القصص المماثلة تشكل النسبة الأكبر من قصص الشركات الناشئة، تحتاج الكيانات الناشئة إلى سنوات طويلة من العمل الشاق حتى تمتلك القدرة على المنافسة وكذلك الاستمرار في السوق مع تحقيق النجاح الذي تطمح إليه.

ريادة الأعمال ليست حرية مطلقة

رواد الأعمال يعملون أكثر من غيرهم. الصورة المتخيلة عن رواد الأعمال الذين ليس لديهم الكثير للقيام به مع كثير من الأموال للانتقال حول العالم، هي صورة مثالية ولا تعكس الواقع بأي حال من الأحوال. آلاف من ملاك الشركات الصغيرة والمتوسطة حول العالم يضطرون للاستيقاظ قبل الجميع، والذهاب إلى العمل، والاستمرار في متابعة الكثير من المهام حتى وقت متأخر من الليل، وعندما تأتي نهاية الأسبوع ويحين وقت الأجازة، سيكون على رواد الأعمال تجاهل ذلك تمامًا والاستمرار في حل مئات المشاكل.

الفكرة لا تعني أي شيء

إذا وجدت شخصًا يخبرك بأنه يمتلك فكرة لشركة ناشئة ستحقق له ثراء سريعًا، فربما عليك أن تخبره بهذه الحقيقة: «الفكرة لا تعني شيئًا على الإطلاق». دعني أخبرك كذلك أننا جميعًا نمتلك أفكارًا عظيمة تدور بأذهاننا يوميًا، لكن العبرة بالتنفيذ، تنفيذ الأفكار هو كل شيء وهي المهارة المتوفرة لدى رواد الأعمال، القدرة على تحويل الأفكار إلى شركات ناشئة مهمة صعبة للغاية ولا يجيدها كل الناس، صحيح أنه يمكن لأي شخص تعلمها لكن حتى بعد إتقان هذه المهارة تحتاج إلى كثير من الوقت والجهد وقليل من الحظ السعيد.

الإنترنت ليس دائمًا على صواب

تقديم الخدمات عن طريق الإنترنت أو تأسيس شركات تتخذ من الإنترنت مقرًا لها، كتطبيقات الهواتف الذكية على سبيل المثال. قد يكون حلًّا جيدًا لتقليل نفقات التأسيس حيث أن هذه النوعية من الشركات لا تتطلب الكثير من المال. على الجانب الآخر فشل هذه الشركات سهل للغاية كما هو النجاح، الحفاظ على شركة تتخذ من الإنترنت مقرًّا لها صعب للغاية خاصة مع منافسة شرسة بدون حدود جغرافية. «ماي سبيس» على سبيل المثال كان الموقع رقم 1 في العالم في مجال التواصل الاجتماعي، استطاع شاب صغيرة من غرفة في سكن الجامعة إزاحته عن القمة في سنوات قليلة للغاية.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد