ملأوا الأرض ضجيجًا، ودماءً، ملأوا السجون ومراكز التعذيب بمعارضيهم السياسيين، خطفوا أطفالهم، اغتصبوا النساء، وتكاثرت ثرواتهم، وانهارت اقتصاديات بلادهم، كل هذه كانت آثارهم، فهل يمكن محاكمتهم بعدما كانوا على قمة هرم السلطة؟ هذه بعض التجارب التي ستجيبك، تعرَّف على بعض هذه التجارب.

خورخي فيديلا رافائيل: لن تنجو بفعلتك في الأرجنتين

6 انقلابات عسكرية في أقلّ من خمسين عامًا، هذه هي حصيلة الانقلابات في الأرجنتين، آخر هذه الانقلابات كان عام 1976 وكان أكثرها وحشية وتدميرًا، نعم أكثرها تدميرًا فقد ترك الأرجنتين في وضع اقتصادي مزري، وشاركت قواته في قمع العمَّال المحتجين لدى شركات السيارات الأمريكية والأوروبية الكبرى في الأرجنتين مثل شركة فورد وبيجو وفيات ومرسيدس، هذا على الصعيد الاقتصادي، أما على الصعيد الداخلي، فإنك سوف تصبح مذهولاً.

[c5ab_gettyimages c5_helper_title=”” c5_title=”” ]

[/c5ab_gettyimages]

“الجنرال خورخي فيديلا”

قائد الانقلاب والحاكم كان الجنرال خورخي فيديلا رافائيل، وقد تميزت ديكتاتوريته بنوع آخر من الوحشية. اختطاف المواليد لمعارضيه السياسيين، من القضايا التي واجهها الديكتاتور خطف 500 طفل من ذوي معارضيه السياسيين ـ ومنحوا بالتبني إلى مسؤولين أو مقربين من النظام لتربيتهم ليصبحوا جنودًا للنظام، اعتقال ما يقارب 30 ألف رجل وامرأة وطفل خلال خمس سنوات من الحكم فقط، 500000 أرجنتيني تم نفيهم إجباريًّا أو اختياريًّا. بالجملة سميت الخمس سنوات من حكم خورخي بسنوات حكم الرصاص.

خورخي لم يكمل أكثر من خمس سنوات. حليفته الأقوى والداعمة له دائمًا هي الولايات المتحدة، كان خورخي يعلم أنه يواجه معارضة قوية جدًّا داخل بلاده، فبادر بصنع قضية “وطنية” بحرب مع بريطانيا سببها بعض الجزر المختلف عليها، سميت الحرب بحرب جزر الفوكلاند، منيت الأرجنتين بهزيمة ساحقة تمامًا، هزت صورة النظام، ومع الاحتجاجات الشعبية المتزايدة أجبر المجلس العسكري على تقديم استقالته وبداية انتخابات ديمقراطية، فاختارت الجماهير أول رئيس مدني راؤول ألفونسين، الذي سرعان ما حاكم العسكريين محاكمات عادلة، ويعتبر ألفونسين الأب الروحي للديمقراطية في الأرجنتين.

[c5ab_gettyimages c5_helper_title=”” c5_title=”” ]

[/c5ab_gettyimages]

“فيديلا أثناء المحاكمة 2013”

حوكم خورخي فيديلا محاكمة عادلة، فقضى عقوبته منذُ عام 1985 في السجن حتى انتهت حياته في زنزانته في مايو عام 2013، عجوزًا، وحيدًا، تصاحبه لعنات مئات الآلاف ممَّن آذى ذويهم، وعشرات الآلاف من الأرواح التي أزهقها في خمس سنوات فقط. الحكم جاء عليه أكثر من مرة بالسجن لمدة خمسين عامًا كاملة.

الأرجنتين لم تقدم خورخي فقط للمحاكمة وإنما قدمت أيضًا ثمانية عسكريين آخرين من أركان حكمه، أحدهم حُكم عليه بالتأبيد إلى جانب خورخي. استمرت المحاكمات لفترة قريبة، حيث التحقيقات كانت مستمرة منذ 1985 فقد حكم على أربعة عسكريين بالمؤبد في العام الماضي (2014) بسبب قضايا تخص حقوق الإنسان من خطف أطفال وتعذيب المعارضين وغيرها.

في البرازيل ستتم محاكمتك بعد ثلاثين عامًا من جرائمك!

في العاشر من ديسمبر الماضي بكت الرئيسة البرازيلية ديلما روسيف وهي تستمع للتقرير الخاص بالجرائم الوحشية التي ارتكبها الحكم العسكري ما بين 1964 و1985، كيف لا تبكي الرئيسة وهي التي اعتقلت وخضعت لألوان من التعذيب مدة سنتين لأنها كانت عضوًا بمنظمة يسارية في شبابها تكافح ضد الحكم العسكري بشكلٍ مسلح. للعسكر في البرازيل قصتهم، الحكم العسكري امتدّ لعشرين سنة، لكنهُ لم يلقَ جزاؤه حتى بعد سقوطه أمام الحكم المدني منذ ثلاثين عامًا في انتخابات 1985. فقد أصدر العسكر قانونًا للعفو العام سنة 1979 ليتمكنوا من تأمين أنفسهم ضد أي أنواع للمحاسبة.

[c5ab_gettyimages c5_helper_title=”” c5_title=”” ]

[/c5ab_gettyimages]

“الرئيسة البرازيلية تبكي وهي تستمتع للتقرير”

لم يكن النظام العسكري البرازيلي بوحشية النظام العسكري في الأرجنتين، إلا أنه كان يستحقّ المحاكمة أيضًا. عمد الجنرالات إلى تسويق مشروعهم الاقتصادي الذي أطلقوا عليه “المعجزة الاقتصادية”، لكنك ستتعجب عندما تعلم أنَّ هذه “المعجزة الاقتصادية” كانت تهتم ببناء ملاعب كرة القدم أكثر من اهتمامها ببناء المستشفيات والمدارس، في محاولة منها لإلهاء الشعب عن القضايا الرئيسة، كانت نسبة بناء الملاعب إلى المستشفيات والمدارس في الحقبة العسكرية 4:1.

العسكريون في البرازيل لم تتم محاكمتهم سريعًا، فقط عندما استطاع المدنيون أن يحكموا قبضتهم على السلطة، استطاع الرئيس السابق لولا دا سيلفا الإطاحة بوزير الدفاع عند اكتشاف قضايا فساد في الجيش، وعين بدلاً عنه الرئيسة اليسارية الحالية ديلما روسيف، ديلما أكملت المشوار عندما شكلت عام 2012 لجنة للحقيقة، والتي أنهت أعمالها في ديسمبر الماضي.

Marshal Castelo Branco.

المارشال كاستيلو برانكو حاكم البرازيل من عام 1964 وحتى 1967

تعترف البرازيل رسميًّا بمقتل واختفاء حوالي 400 شخص، وتعذيب 20 ألفًا.

كشف التقرير أيضًا عن 434 حالة اغتيال سياسي، و210 في عداد المفقودين حتى الآن، الضحايا حقوقيون وسياسيون يساريون عارضوا الحكم العسكري، حسب أعضاء اللجنة فإن هذه الأرقام قابلة للزيادة، وهناك عدد كبير جدًّا من المفقودين لم تصل اللجنة إلى إدراجهم في تقريرها. التقرير يتهم 377 مسؤولاً عسكريًّا عن الجرائم، منهم 200 على قيد الحياة، وهم الذين ستتم محاكمتهم.

ديكتاتور لمدة سنة، وثلاثون عامًا في السجن!

لويس غارسيا ميزا تيخادا، ديكتاتور بوليفيا الذي حكم لمدة 13 شهرًا فقط، العسكري الذي قتل خلال حكمه القصير جدًّا ما يقارب الألف بوليفي. تورط ميزا في العديد من أنشطة المخدرات، المعارضة الشرسة التي واجهته وتخلي حليفته الأهم الولايات المتحدة عنه بسبب تورطه في تجارة المخدرات في قارة أمريكا اللاتينية جعلته يهرب من بلاده عام 1981. في بلاده أصدرت أحكام بالسجن لمدة ثلاثين عامًا، لكنَّ ميزا كان هاربًا. في عام 1995 ولأنَّ الديكتاتورية العسكرية في البرازيل قد انتهت سلطتها، فقد سلمت البرازيل ميزا لجارتها بوليفيا ليقضي 30 عامًا في السجن، ما زال حتى الآن يقضيها.

[c5ab_gettyimages c5_helper_title=”” c5_title=”” ]

[/c5ab_gettyimages]

“ميزا أثناء وصوله بوليفيا بعد موافقة البرازيل على تسليمه”

لم تكن هذه هي المحاكمة الوحيدة التي أجرتها بوليفيا، وزير الداخلية ـ إبان فترة حكم ميزا ـ لويس أركي غوميز والذي كان يُلقب بـ “وزير الكوكايين” لأنه فتح الباب أمام عصابات المخدرات حوكم أيضًا، يتهم غوميز بتحويل دولته لدولة مخدرات. حُكم على غوميز غيابيًا بثلاثين عامًا أيضًا كرئيسه، كان هذا عام 1993 لكنَّ غوميز كان يقضى عقوبه أخرى في الولايات المتحدة، فقد قضى 18 عامًا في سجون الولايات المتحدة بتهمة تهريب المخدرات لأمريكا، ثم تم ترحيله لبوليفيا ليقضي عقوبته، وزير الداخلية المتورط في قضايا فساد وتهريب مخدرات وقتل معارضين، يقضى الثلاثين عامًا في سجون بوليفيا الآن،

في تشيلي لن يهرب الجنرال طويلاً

في الواحدة والتسعين من عمره، موت الجنرال والأبّ الروحي للحكم العسكري الديكتاتوري في تشيلي تحت الإقامة الجبرية، بعد تعرضه لنوبة قلبية شديدة. الجنرال بينوشيه المنفذ الحقيقي لسياسات الولايات المتحدة في أمريكا اللاتينية. قاد الانقلاب العسكري عام 1973 على الحكومة اليسارية بقيادة سلفادور الليندي، قتل الرئيس المنتخب وسيطر على الحكم في تشيلي.

الجنرال الأبرز في أمريكا اللاتينية

“العدالة يمكن أن تتأخر خمسة وعشرين عامًا، لكنها تتحقق في النهاية. فقضية محاكمة بينوشيه ليست مسألة ثأر، وإنما قضية عدالة، يمكن أن تهيئ فرصة للتشيليين ليكونوا أكثر صدقًا مع ذاتهم، فيذكرون الجرائم باسمها”. *إيزابيل الليندي ابنة أخ سلفادور الليندي تعليقًا على محاكمة بينوشيه

ألف ومئتا مفقود في تشيلي، إضافةً إلى مقتل ما يقارب 3000 في عهده من المعارضين السياسيين والعمال، هذه كانت أبرز اتهامات الجنرال الهَرِم. الجنرال كان قد أصدر قانونًا بالعفو عن كل انتهاكات حقوق الإنسان التي وقعت منذ عام 1973 ليؤمن نفسه، كان هذا عام 1978، ولم يعرف أبدًا أنَّ المحكمة ببريطانيا ـ حين كان في زيارة لها ـ ستلقي القبض عليه ثم ستحوله ـ بعد مناورات عديدة ـ إلى تشيلي، لتحكم المحكمة بقدرته على الوقوف ومواجهة القاضي ويحاكم. يمكن القول إنَ بينوشيه لم يحاكم كما ينبغي لسفَّاح، وأنَّ داعميه دوليًّا لم يتخلوا عنه تمامًا، فظلت القضايا تؤجل وتدخل دوامات سياسية عديدة ليتم تأخير المحاكمة، لكنَّ الأمر الرمزي في تلك القضية أنه توفي وهو تحت الإقامة الجبرية وهو في الواحدة والتسعين من عمره، وهذا ربما يكفي للتأكيد على حقّ الشعب وقدرته على محاكمة سفاحيه.

أثناء المحاكمة 2006

هذه كانت بعض النماذج فقط، لكنَّ نماذج أخرى عديدة نال فيها الديكتاتور جزاءه، بمحاكمة عادلة وقانونية.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد