هل تعلم أن الخيارات التي نتخذها كل يوم؛ كالطعام الذي نأكله أو المواد الكيميائية التي نتعرض لها، إلى جانب الأنشطة التي نبذلها وحتى بيئاتنا الاجتماعية يمكن أن تغير من جيناتنا؟ اكتشف العلماء مؤخرًا طرقًا للسيطرة على عدد متواضع من الجينات لدينا، بحيث يمكن إحداث تغيرات في نشاط الجينات دون تغيير الحمض النووي الفعلي لدينا.

وإحدى الطرق التي تمكننا من التأثير على الجينات دون تغيير بنيتها الأساسية هي من خلال الأطعمة التي نتناولها. فإن كانت جيناتنا هي التي تحمل البندقية، فنمط حياتنا هو الذي يضغط الزناد. وتأثير التغذية على الجينات هو ما يطلق عليه علم “المورثات الغذائية”.

جيناتنا تدفع ثمن نمط حياتنا

Man with glowing heart surrounded by healthy eating and lifestyle images

Man with glowing heart surrounded by healthy eating and lifestyle images

 

التدخين هو مثال لمدى تأثير سلوكنا على جيناتنا، كما أنه يتسبب في العديد من المشاكل الصحية. حيث تؤثر المواد المسرطنة الموجودة بدخان السجائر بشكل مباشر على الجزيئات في أجسامنا مما يؤدي إلى نمو السرطان عن طريق تحور الجينات المضادة للسرطان.

لكن على الجانب الآخر العكس صحيح تمامًا بنفس القدر، فأنماط الحياة الإيجابية التي نتبعها وخاصة تناول الطعام الصحي وممارسة الرياضة قد يكون له نفس التأثير على تركيبتنا الجينية. وتؤكد دراستان هذه النقطة، فتشير إحداها إلى أن تناول الطعام الجيد يمكن أن يوقف الجينات التي تعرض الفرد لخطر أعلى لاضطرابات القلب. فيما أظهرت الدراسة الأخرى أن ممارسة الرياضة يمكنها أن تحول الخلايا الجزعية لتصبح خلايا عظام أو دم عوضًا عن الخلايا الدهنية.

وكلا الدراستين تساعدنا على رؤية كيف تعمل التغييرات في نمط الحياة على تعديل المخاطر على المستوى الجيني.

أحفادنا يتأثرون بما نأكله

عندما اتبعت الفئران الحوامل نظامًا غذائيًا مشبعًا بالدهون، وُجد أن كلًا من بناتهن وحفيداتهن كنّ أكثر عرضة لخطر الإصابة بسرطان الثدي. في حين أنه لو أكلت الفئران الإناث في الجيل الأول صحيًا فإن ذريتهن لا تزال في خطر أكبر للإصابة بالأمراض.

وفقا لمجلة «نيو ساينتست» فإنه «قد يسبب اتباع نظام غذائي دهني إلى تعديلات في التركيبة الوراثية يمكن أن تنتقل إلى الأجيال القادمة».

وتظهر الأبحاث الأخيرة أن ما نأكله، وخاصة المرأة الحامل يمكن أن يؤثر ليس فقط على أطفالنا ولكن أيضًا على أحفادنا. في واقع الأمر يمكن لهذه التغييرات الجينية “القفز” أو تخطي جيل، بحيث لا يكون التأثير واضحًا حتى جيلين لاحقين، وحتى لو لم يرث الآباء هذا التغيير الجيني.

الأطعمة السريعة تهدد مستقبل الأجيال القادمة!

وجدت دراسة في عام 2014 أن استهلاك الأطعمة المقلية يمكن أن يتفاعل مع الجينات المرتبطة بالسمنة، مما يؤكد على أهمية الحد من استهلاك الأطعمة المقلية من قبل الأفراد المعرضين جينيًا لخطر السمنة.

وفي دراسة فحص خلالها العلماء جينات الفئران وجدوا اختلافات كبيرة في الجينات الكبدية، حيث أن الكبد هو جهاز يساعد في هضم الطعام. لذلك أوضحت آثار النظام الغذائي المعتمد على الأكلات السريعة تضرر 830 جينًا أي 6.3% من الجينات يتأثر اعتمادًاعلى النظام الغذائي الذي تتبعه الفئران.

وحيث أنه في بعض الحالات يمكن لهذه التعديلات الوراثية أن تنتقل إلى أبنائنا وأحفادنا، فيمكن لنمط حياتنا الصحي أن يمنح أبناءنا وأحفادنا ميزة وراثية لأجيال عدة. وبالمثل، يمكنا لعاداتنا السيئة أن تتسبب في إعاقتنا وأبنائنا وأحفادنا جينيًا.

الأكل القليل للعمر الطويل

المثير للدهشة اكتشاف الباحثين أن الأطفال الذين يولدون خلال سنوات المجاعة، حيث لم يأكل آباؤهم أكلًا زائدًا أو دسمًا عاشوا 32 عامًا لفترة أطول. ولم يتمتع هؤلاء الأطفال بصحة ممتازة فحسب بل أحفادهم أيضًا. على العكس من ذلك، فالأطفال الذين ولدوا خلال السنوات الوفيرة عندما أكثر الناس من تناول الطعام بشكل زائد، واجهوا المزيد من المشاكل الصحية، وتوفوا بعمرٍ أصغر من ذلك بكثير.

يقول أستاذ علم الأوبئة الوراثية في كلية كينغز في لندن ومؤلف Identically Different: Why You Can Change Your Genes أنه “يمكن  للطعام، والتمارين، والإجهاد، وعواطفنا أن تقوم بتشغيل الجينات أو إيقاف عملها”.

كيف يمكن للحميات الغذائية أن توقف جينات السرطان؟

د.دين أورنيش

قام  د.أورنيش، طبيب القلب، بإخضاع 31 من الرجال المصابين بسرطان البروستاتا في مرحلة مبكرة لنظام غذائي نباتي مع أقل من 10٪ من السعرات الحرارية من الدهون. وتم تشجيع الرجال على المشي، والتأمل واللقاء في جلسات جماعية.

وفي نهاية ثلاثة أشهر فقط، وجد أن 48 من الجينات الحاسمة لنمو السرطان صارت أكثر نشاطًا، ولكن كان هناك 453 من الجينات (تلك التي تسيطر على نمو الورم وإنتاج البروتين) أقل نشاطًا في إنتاج البروتينات. وبشكل عام، تحسنت نتائج اختبارات الدم لنشاط سرطان البروستاتا وتقلصت الأورام.

فيما درست مجموعة بحثية بولاية بنسلفانيا 63 من الأفراد المصابين بأمراض القلب الذين تابعوا برنامج أورنيش وقارنوها مع مجموعة من 63 شخصًا لم يتبعوا أي برنامج معين. لم تشهد المجموعة الثانية أي تحسن في الصحة، فيما فقدت مجموعة أورنيش الوزن وانخفض ضغط الدم بحوالي 10٪.

وفي  الأسبوع الثاني عشر، وجد الباحثون أن 26 جينًا أظهروا نشاطًا مختلفًا في مجموعة أورنيش. وبعد عام، أظهر 143 جينًا الشيء نفسه. حيث وُجد أن الجينات التي تتسبب في التهاب وإصابة الأوعية الدموية قد انخفضت بشكل ملحوظ في النشاط. ولم تُظهر المجموعة الثانية أي تحسن نظرًا لاستمرارهم على نظامهم الغذائي العادي خلال العام.

الوجبة الجينية الأمثل

إذا كان بإمكاننا أن نسأل الجينات الخاصة بنا عن أنواع الأطعمة الأفضل لصحتنا فستكون الإجابة هي ثلث من البروتين وثلث من الدهون وثلث واحد من الكربوهيدرات. هذا ما أظهرته الأبحاث الجينية الأخيرة التي أجرتها جامعة العلوم والتكنولوجيا النرويجية موضحة أن هذه أفضل وصفة للحد من خطر معظم الأمراض المرتبطة بنمط الحياة. حيث وُجد أن اتباع نظام غذائي يحتوي على 65% من الكربوهيدرات – وهو غالبًا متوسط ما يأكله النرويجيون في بعض وجبات الطعام – يؤدي إلى إفراط مجموعة من الجينات في العمل.

تقول بيريت يوهانسن، أستاذ علم الأحياء بالجامعة والباحثة في مجال التعبير الجيني منذ 1990: “هذا لا يؤثر فقط على الجينات التي تسبب التهابًا في الجسم، والذي ما كنا نريده أصلًا للدراسة، ولكن أيضًا الجينات المرتبطة بأمراض القلب والشرايين وبعض أنواع السرطان، والخرف، وداء السكري من النوع الثاني، أي جميع الأمراض الرئيسية المرتبطة بنمط الحياة”.

ولذلك يجب ألا يتم اتباع نظام غذائي صحي يتكون من أكثر من ثلث واحد من الكربوهيدرات (ما يصل إلى 40% من السعرات الحرارية) في كل وجبة، وإلا فإننا نتسبب في تحفيز جيناتنا لبدء الأنشطة التي تتسبب في حدوث الالتهاب في الجسم.

وبالتالي يمكننا عن طريق الغذاء الذي نضعه في أفواهنا أن نستخدمه كمفتاح لتشغيل وإيقاف الجينات لدينا لتغيير الوزن وضغط الدم، والكوليسترول في الدم، ونمو السرطان، وحتى فرصنا في قضاء شيخوخة صحية، كما يحدد المستقبل الصحي الذي يحظى به أولادنا وأحفادنا من بعدنا.

المصادر

عرض التعليقات