عندما تذكر كلمة ضغوط العمل يتبادر إلى الذهن ساعات العمل الطويلة والمرهقة، والصداع الذي يرافق تكدس المهام والمواعيد النهائية، وذلك المدير السيء الذي يتذمر باستمرار، ويدفع موظفيه إلى حافة الانهيار. وأن كلًا من تلك الأسباب يشكل العوامل الرئيسة المؤثرة بالسلب في الصحة، وقد يصل الأمر للانتحار نتيجة لهذه الضغوط أو للأزمات الاقتصادية الطاحنة ففي نهاية المطاف يقضى الموظفون غالب أوقاتهم في العمل ونعاني جميعنا من موجات الاقتصاد المتقلب.

زملاء العمل قد يقتلونك دون أن تدري

زملاء العمل لديهم التأثير الأكبر على الصحة

قد تظن أن تلك العوامل السابقة تشكل العامل الأكبر في المشاكل الصحية الناتجة عن العمل. إلا أن هذا غير صحيح على وجه الدقة؛ فزملاؤك بالعمل يشكلون النسبة الأكبر في التأثير في صحتك. وهو ما أثبته باحثون في «جامعة تل أبيب»؛ في دراسة على مدار 20 سنة نشرتها مجلة «الصحة النفسية»، جرى خلالها مراقبة 860 بالغًا يعملون بمختلف الصناعات بمتوسط 8.8 ساعات باليوم.

خلصت نتائجهم إلى أن توقعاتهم بشأن العوامل التي يمكن أن تشكل أكبر تأثير على صحة الموظفين ليس لها سوى وقع ضئيل. وهو ما كان صادمًا، فبعدما فحص الباحثون المشاركين صحيًا قبل البدء وخلال فترة الدراسة، وسؤالهم عن ظروف أعمالهم، وعلاقاتهم مع زملاء العمل، وماهية سلوك مديريهم. ثبت أن زملاء العمل لديهم التأثير الأكبر على الصحة.

فكلما زادوا سوءًا، زادت احتمالية التعرض للوفاة. ويأتي تأثير المديرين في شعور موظفيهم بالضغط بالمرتبة التالية. حيث كان الموظفون الأقل حصولًا على دعم زملائهم أكثر عرضة للوفاة خلال هذين العقدين بنسبة 140% أكثر من أقرانهم.

أثبتت الدراسة أن مفهوم الدعم العاطفي عند الموظفين أقوى مؤشر على صحتهم المستقبلية.

صراعات العمل قد تكون قاتلة

بيئة العمل السيئة يمكن أن تكون قاتلة

يتعرض الموظفون للاختناق بسبب الازدحام المروري، والصراعات في بيئة العمل مع العملاء والزملاء والتي قد تتكرر يوميًا، مما يمكن أن تنتج منها تأثيرات قد تكون ضارة وقاتلة. حيث تربط دراسات بينها وبين أمراض تشمل: «ارتفاع ضغط الدم، والسكتات الدماغية، والنوبات القلبية، ومرض السكري، والقرحة، وآلام الرقبة وأسفل الظهر وغيرها». بجانب مشاكل في التمثيل الغذائي وأمراض القلب، وحتى الوفاة.

على الجانب الآخر، يتسبب الإجهاد الناتج عن ضغوط العمل في إهدار أكثر من 500 مليار دولار من الاقتصاد الأمريكي، وفقدان أكثر من 550 مليون يوم عمل كل سنة بالولايات المتحدة من جراء الضغوط وذلك وفقًا لنتائج المسح الإلكتروني الذي أجرته «الجمعية الأمريكية لعلم النفس» على مستوى الولايات المتحدة، ونشرت نتائجه في فبراير (شباط) العام الماضي تحت عنوان «الإجهاد في أمريكا.. ندفعه من صحتنا».

الصعوبات المالية قد تؤدي إلى قرارات سيئة

يؤثر الإجهاد على الوضع الصحي وطول العمر

كشف التقرير أيضًا أن نحو 72% يشعرون بالضغط بسبب المال لمرة واحدة على الأقل خلال بعض الفترات. وتظهر المؤشرات أن معدل الإجهاد مستقر في غالب الأحيان بنسبة59% ويزيد بمعدل 29% ويقل نحو 12% فقط.

وأن هذه النتائج تدعم الأبحاث السابقة التي تبرز التأثير العميق للإجهاد على الوضع الصحي وطول العمر. فيما تظهر أبحاث أخرى أن الصعوبات المالية تقيد قدرات المرء المعرفية، وقد تدفعه لاتخاذ قرارات خاطئة، مما يمكن أن يتسبب في استمرار تلك الأوضاع المادية والصحية السيئة.

فهناك فرد من كل خمسة أمريكيين فكروا في عدم الذهاب إلى الطبيب في العام الماضي بينما كانوا في حاجة للرعاية الصحية؛ وذلك بسبب المخاوف المالية. في حين أن نحو %60 إلى 80% من حوادث العمل ترجع إلى الإجهاد، وأن أكثر من 80% ممن يذهبون إلى الأطباء يذهبون نتيجة لضغوط العمل.

مديرك السيء، مضر بصحتك

مديرك السيء قد يتسبب في إصاباتك بأمراض القلب

قد يكون من المنطقي أن يكون المديرون أكثر ميلًا للإصابة بأمراض القلب نظرًا لحجم المسؤوليات المنوطة بهم. إلا أن الحقيقة هي العكس تمامًا، فكلما انخفض موقعك في التسلسل الهرمي بالمؤسسة كلما زادت احتمالات الإصابة بأمراض القلب والأوعية الدموية والموت من جراء النوبات القلبية. فهذا ما ذكرته الأطروحة التي أجرتها «آنا نبرغ» بـ«معهد كارولينسكا» والتي اعتمدت على قاعدة بيانات تضم أكثر من 20 ألف موظف.

فقد تضمنت هذه الدراسة البحث حول عدد من العوامل منها: العلاقة بين سلوك القيادة الإدارية، وتقييم الموظفين لمديريهم، وعلاقته باحتمالية الإصابة بأمراض القلب والأوعية الدموية في وقت لاحق.

كشفت الدراسة أن الموظفين الذين أعربوا عن عدم رضاهم عن مديريهم أكثر عرضة بنسبة 25% للإصابة باحتشاء عضلة القلب، وذلك خلال فترة الدراسة التي استمرت عشر سنوات. وأن ازدياد مدة العمل يرافقه ازدياد في نسبة الإصابة أيضًا.

بيئة مناسبة وعلاقات اجتماعية من أجل موظف راضٍ

العلاقات الجيدة بين زملاء العمل تقلل من المخاطر الصحية الناتجة من الضغوط

لذا تشير هذه الدراسات أن تقديم الدعم العاطفي يمكن أن يقلل من الضغوط المتعلقة بالمال، ويزيد من القدرة على مواجهة الإجهاد وإدارته بطرق صحية. وتنصح بضرورة خلق بيئة عمل يمكن للموظفين من خلالها بناء علاقات اجتماعية.

فيما تقترح «شارون طوكر» الباحثة بجامعة تل أبيب أن تخصص الشركات مكانًا يمكن من خلاله أن يجتمع الموظفون من أجل تشارك الحديث والجلوس وربما اللعب وكل ذلك خارج إطار العمل.

بجانب إنشاء شبكة اجتماعية افتراضية داخلية كمنصة تتيح للموظفين التواصل والمناقشة حول المشاكل، وتنفيس الضغوط والبحث عن حلول يمكن أن تقلل من مستويات الضغط لديهم.

اقرأ أيضًا

كيف يؤثر المديرون والزملاء على مستوى الإنتاجية والرضا عن العمل؟

دليلك لحياة أكثر سعادة.. كيف تعيد الشغف لحياتك وعملك؟

دليلك لوضع خطة مهنية ناجحة

عرض التعليقات
تحميل المزيد