تعيش كندا حالة طوارئ منذ أسبوعين، ولا يزال الحال قائمًا حتى الساعة، بعد اندلاع حرائق هائلة بالغابات الكندية، عجز رجال الإطفاء عن السيطرة عليها

تعيش كندا حالة طوارئ منذ أسبوعين، ولا يزال الحال قائمًا حتى الساعة، بعد اندلاع حرائق هائلة بالغابات الكندية، عجز رجال الإطفاء عن السيطرة عليها.

وقد أتى الحريق، على أكثر من 355 ألف هكتار، وتسبب في تعطيل إنتاج النفط في المنشآت النفطية القريبة من الحرائق، مما كبد الاقتصاد الكندي وقف ضخ مليون برميل من النفط يوميًا، بخسارة 70 مليون دولار بشكل يومي، طالما لا تزال الحرائق مستمرة، وحتى التعافي من أثرها.

وكانت النيران قد التهمت مدينة فورت ماكموراي الكندية، شمالي مقاطعة ألبيرتا، غرب البلاد، بعد إجلاء سكانها، البالغ عددهم 88 ألف نسمة، إلى مناطق آمنة.

في هذا السياق، جندت الحكومة الكندية أكثر من 1100 رجل إطفاء، و133 مروحية، و27 شاحنة صهريج؛ لمحاصرة الحرائق المشتعلة في مقاطعة ألبيرتا، بالإضافة إلى استنفار عشرات الفرق المختصة في الإجلاء والإنقاذ. كما تستعين السلطات الكندية بطائرات الجيش وفرق خبيرة لتحليل المعلومات والبيانات المرتبطة بالحريق وديناميته، بغية السيطرة عليه.

وتتحمل سلطات الدولة الكندية إيواء الفئات المتضررة من الحرائق، كما تعهدت بإعادة بناء مساكنهم. هذا وأطلق المجتمع المدني الكندي حملات تطوعية لمساعدة المتضررين من الحرائق ماديًا ونفسيًا.

ورغم أن الحرائق المندلعة كلفت كندا خسارة ربع الإنتاج النفطي في البلد، وتسببت في إجلاء ما لا يقل عن 100 ألف مواطن، إلا أنه لم يُسجّل سقوط ضحية واحدة إلى هذه اللحظة.

لماذا لا تصمد «دول أخرى» أمام الكوارث الطبيعية؟

تواجه بعض البلدان كوارث طبيعية مدمرة بصفة متكررة، إلا أنها تتجاوزها على نحو سريع، دون خسارة تذكر، بالنظر إلى حجم خطورة الكارثة.

1

على سبيل المثال، تتعرض الولايات المتحدة الأمريكية لحرائق غابات تقريبًا بصفة دائمة، وقد التهمت النيران، في سنة 2015 فقط، حوالي 10 ملايين فدان، مكلفة الحكومة الأمريكية 2.6 مليار دولار، أُنفقت للسيطرة عليها، بيد أن حصيلة الخسائر لم تتعد 4500 منزل ومبنى، ومقتل 13 من عمال الإطفاء. وفي سنة 2012 اجتاح إعصار جامح (ساندي) 24 ولاية أمريكية بدرجات قياسية، فقدرت حينها أضرار الكارثة بـ20 مليار دولار، وبلغ عدد الضحايا 110 قتيل، وهو رقم يُعد ضئيلًا إذا ما قُورن بحجم الإعصار.

وفي منتصف مايو (أيار) من العام الماضي (2015)، ضربت اليابان، هزة أرضية بدرجة 8.5 على سلم ريختر، فبالكاد خلفت بضعة قتلى، بينما وقع زلزال في باكستان عام 2005، بدرجة 7,5 على مقياس ريختر، فترك وراءه 87 ألف قتيل!

نفس سيناريو باكستان يحدث كثيرًا مع ما تُسمى بـ«دول العالم الثالث» بشكلٍ عام، إذ تتعرض للانسحاق أمام الكوارث الطبيعية، وتكون حصيلة الضحايا بالجملة، فلما إذًا تبدو هذه الدول، التي من بينها البلدان العربية، في غاية الهشاشة أمام ظواهر الطبيعة المدمرة؟

حاول بريان توكر الإجابة عن هذا السؤال، في ورقة بحثية له نشرها سنة 2013، وخلص إلى ما يلي:

نقص التمويل

تعاني معظم دول العالم الثالث من الفقر بدرجة واسعة في أوساط مواطنيها، الذين يضطرون إلى العيش في مساكن سيئة الجودة، أو غير صالحة للسكن، فتنهار من الوهلة الأولى عند حصول زلزال أو فيضان ما. مثلما تعاني الدولة نفسها من فقر في الميزانية، وبالتالي لا تنفق بشكل كاف لتمويل مشاريع لمواجهة الكوارث على أرض الواقع. وأمام القدرة المالية المتواضعة للدولة ومواطنيها سواء، تفشل هذه البلدان في الصمود أمام هول الأخطار الطبيعية.

ضعف الحكومات

يستشري الفساد داخل دول العالم النامي، كما لا تعير اهتمامًا للممارسات الديموقراطية الشفافة، الأمر الذي يؤدي في الأخير إلى بروز حكومات فاسدة وفاقدة للأهلية. ومن ثمة تنتج أجهزة إدارية مفتقرة للكفاءات العلمية والإدارية الكافية لوضع خطط جيدة لمواجهة التحديات الطبيعية، كما ينقصها أيضًا الكوادر المهنية القادرة على أداء عملها بطريقة احترافية أثناء وبعد وقوع الكارثة.

العوائق النفسية الثقافية

يعتبرها الباحث توكر السبب الرئيس الذي يمنع العديد من البلدان النامية، ومنها المنطقة العربية، من مواجهة الكوارث الطبيعية بفعالية. وتتمثل هذه العوائق في الموروثات الثقافية والدينية المتجذرة في المجتمع، حيث تعتبر بعض المجتمعات الزلازل والسيول والأعاصير والكوارث الطبيعية عامة «ابتلاءات أو عقوبات من الرب»، ولا مجال للتصدي لها، بل لا ينبغي ذلك. وهو الأمر الذي يجعل هذه المجتمعات في حالة استسلام تام أمام الأخطار الطبيعية. وبالتالي تصبح عرضة للخسائر الفادحة، التي تتقبلها هذه البلدان برضا تام أيضًا كقدر محتوم، فتحدث الكارثة تلو الأخرى دون محاولة التعلم من أخطاء التجارب السابقة.

ضعف ثقافة حقوق الإنسان

البلدان التي تجيش مواردها المادية والعلمية والإدارية، من أجل إنقاذ حياة بضعة أشخاص من مواطنيها، هي في الحقيقة تفعل ذلك لتقديرها قيمة الفرد لديها، فيصبح الإنسان الغاية الأولى التي يستوجب التضحية بكل شيء من أجلها، بينما قيمة الفرد لدى البلدان المتخلفة لا تعدو أن تكون رقمًا، خاصة إن كان ينتمي للطبقة الفقيرة، مما يجعل حياة المواطنين وإجراءات السلامة غير ذات أهمية لدى تلك البلدان عند تعرضها لكارثة طبيعية.

ضعف الإعلام

تلعب التغطية الإعلامية المتخصصة في الكوارث الطبيعية دورًا محوريًا في إنقاذ حياة الناس، إذ أنها تساعد السلطات في تقييم الوضع وتجبرها على بذل المزيد لتحمل مسؤوليتها أمام الرأي العام. مثلما يساعد هذا النوع من التغطيات الإعلامية في تزويد المواطنين، ولا سيما القريبين من مناطق الخطر، بمختلف المعلومات التي قد يحتاجونها لمواجهة الكارثة.

وقد طرحت الأمم المتحدة، خلال اجتماع دولي بسينداي اليابانية، العام الماضي، خطة عمل لمواجهة الحكومات الكوارث الطبيعية التي تحدق ببلدانها، تتضمن أربعة خطوات: فهم مخاطر الكوارث، وتقوية تنظيم إدارة المخاطر في جميع القطاعات، والاستثمار في إجراءات الحَدّ من المخاطر التي تعزز المرونة، وتحسين التجهيز لمجابهة الكوارث، والاستجابة السريعة للكوارث بحيث تتعافى المناطق المتضررة بشكل أفضل.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد