ما تزال تداعيات جائحة كورونا تفاجئ المغاربة كل يوم، بوقوع ما لم يكن في الحسبان، ووقف العادات الحياتية التي دأب عليها الناس منذ زمن، بما في ذلك الطقوس الدينية. فبعد أن منع الفيروس إقامة صلاة التراويح في المساجد خلال رمضان الفائت، وألغى صلاة عيد الفطر ومراسم الاحتفال به، يخشى مربو المواشي في المغرب من احتمال إلغاء مناسبة عيد الأضحى هذا العام أيضًا، بسبب الجائحة.

أزمة مالية طاحنة وكورونا.. دعوات لإلغاء عيد الأضحى

في الفترة الأخيرة، وفي خضم الأزمة المالية الطاحنة التي يعشيها المجتمع المغربي من جراء جائحة كورونا؛ ظهرت دعوات واسعة على مواقع التواصل الاجتماعي، تطالب السلطات بإلغاء عيد الأضحى لهذا العام.

اقتصاد الناس

منذ شهر
كيف تأثر اقتصاد المغرب بجائحة كورونا؟ 5 أسئلة تشرح لك

ويبرر النشطاء على مواقع التواصل الاجتماعي هذه الدعوات، بأن الكثير من المغاربة ليس لديهم الموارد الكافية لشراء أضاحي العيد، ومن شأن هذه المناسبة أن ترهق جيوبهم أكثر، في الوقت الذي يكافحون فيه لتحصيل معاشهم اليومي، داعين إلى منح الأموال المخصصة لعيد الأضحى إلى المحتاجين والفقراء، في إطار التضامن المجتمعي الذي تقتضيه مثل هذه الظروف الاستثنائية.

ولم يتوقف الأمر على المجال الافتراضي، بل وصلت هذه الدعوات إلى قبة البرلمان، فقد تقدَّم «حزب الطليعة الديمقراطي الاشتراكي» بمقترح إلى رئيس الحكومة، سعد الدين العثماني، يروم إلى إلغاء مناسبة عيد الأضحى لهذه السنة، بسبب تداعيات جائحة كورونا.

ورأى «الحزب اليساري المغربي» أن هذه «الفكرة وجيهة، وسبق للمغرب أن طبقها في سنوات الجفاف والحرب في بداية الثمانينيات»، مؤكدًا الحزب أن غالبية المواطنين المغاربة لن تكون قادرة هذه السنة على اقتناء أكباش الأضاحي، داعيًا القادرين على ذلك إلى «المساهمة بمبلغها لصندوق دعم كوفيد-19».

وعلى إثر تداعيات الوباء، تخيم أزمة اقتصادية واجتماعية خانقة على الطبقات الشعبية في المغرب؛ إذ توقفت جلُّ الأنشطة الاقتصادية توقفًا كاملًا طوال ثلاثة أشهر هي فترة الحجر، وسرَّحت الشركات عشرات الآلاف من موظفيها، وتراجع رواج الأسواق، فبات المواطن البسيط بالكاد يستطيع تحصيل قوته اليومي وإعالة عائلته.

إلغاء العيد سيقضي على موردهم الوحيد.. الفلاحون يرفضون

بالمقابل يرفض الفلاحون ومربو المواشي في المغرب فكرة إلغاء عيد الأضحى لهذا العام. إذ إن من شأن ذلك أن يقضي على موردهم الوحيد لعيشهم واستمرار أنشطتهم الفلاحية، بحسب قولهم.

ويتخوف الفلاحون من دعوات إلغاء عيد الأضحى المقبل، بسبب تكالب الجفاف أيضًا علاوة على جائحة كورونا على مواشيهم في هذه السنة، ويقول أحدهم: «الفلاح يتعذب سنة كاملة من أجل هذه المناسبة، ليبيع الخروف ويشتري مأكل الماشية، ولقمة عيشه وأولاده. فدخل الفلاح الوحيد يرتبط بعيد الأضحى».

وفي هذا السياق أيضًا، حذَّر رئيس أكبر غرفة فلاحية بالبلاد، عبد الفتاح عمار، من «كارثة إلغاء عيد الأضحى»، معللًا بأن «الفلاح المغربي يعيش منذ ثلاث سنوات وضعًا استثنائيًّا بسبب الجفاف، ثم جاءت الجائحة، ما سيجعله يعيش كارثة وخسارة كبيرة في حالة إلغاء عيد الأضحى». وأضاف بأنه سيكون على الحكومة في هذه الحالة أن تستعد لتعويض الفلاحين والكسابة إن أقدمت على تلك الخطوة.

بيد أن وزير الفلاحة والصيد البحري، عزيز أخنوش، طمأن فلاحي ومربي المواشي في المغرب بسير استعدادات وزارته لعيد الأضحى المقبل، معلنًا بأنه جرى تلقيح وترقيم مليونين ونصف المليون رأس غنم. وأفاد أيضًا بأن وزارة الفلاحة تبحث مع الداخلية سبل تدبير فترة عيد الأضحى، وتنظيم حركة المواطنين في أسواق الماشية استعدادًا لهذه المناسبة.

مع ذلك فالأمر لم يُحسم رسميًّا بعد؛ إذ أكَّد رئيس الحكومة المغربية، سعد الدين العثماني، أن مسألة إلغاء عيد الأضحى لهذه السنة بسبب أزمة كورونا «هي من اختصاصات الملك»، لكنه أشار في الوقت نفسه إلى أنه ليس هناك أي قرار بإلغائه، حتى الآن.

إلغاء عيد الأضحى هذا العام لن يكون المرة الأولى!

وعلى الرغم من أن عيد الأضحى ليس فريضة دينية في التشريع الإسلامي، وأن القانون المغربي لا يجرم مخالف إقامته، فإنه يكتسي أهمية قصوى في ثقافة المجتمع المغربي، لدرجة أن المواطن البسيط مهما بلغ فقره، لا يجرؤ على التخلي عن شراء كبش العيد؛ إذ يفرض سيف «الوصم الاجتماعي» على كل الأفراد ضرورة شراء الأضحية، مما يضطر العديد من الناس إلى بيع أثاث منازلهم أو الاقتراض لأجل توفير المال لهذه المناسبة.

ولهذا السبب يعول الداعون إلى إلغاء عيد الأضحى على قرار السلطات، حتى ينطبق القرار على الجميع، ولا يكون هناك مجال للوصم، كما حدث في مناسبات سابقة.

وكان الملك الراحل، الحسن الثاني، قد أصدر قرارًا بإلغاء عيد الأضحى وذبح الأضاحي سنة 1996 بسبب سنوات الجفاف، وقال في رسالته التي تلاها عنه وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية آنذاك، عبد الكبير العلوي المدغري، على التلفزة الوطنية «الأضحية سنة مؤكدة، لكن إقامتها في هذه الظروف الصعبة من شأنه أن يتسبب في ضرر محقق»، وقرر الملك ذبح كبش نيابة عن كل المغاربة.

ولم تكن تلك المرة الأولى، فقد سبق أن أُلغيت مراسم العيد وذبح الأضحية سنة 1963، بسبب أزمة اقتصادية شهدها المغرب آنذاك، ثم أتى قرار مشابه عام 1981، عقب تداعيات برنامج التقويم الهيكلي للاقتصاد واشتداد سنوات الجفاف. وكان بعض الرافضين للقرار يضحون سرًّا، ومن افتضح أمرهم يتعرضون لعقوبات.

وفي سياق متصل، أعلن رئيس حكومة مدينة سبتة المغربية الواقعة تحت الاحتلال الإسباني، خوان فيفاس، إلغاء إقامة شعيرة عيد الأضحى بالمدينة هذا العام بسبب جائحة كورونا، وقال إن «بيانات وزارة الصحة خلصت إلى أن إلغاء هذه الشعيرة الدينية أمر ضروري». فيما يترقب المغرب خط تطور الفيروس بحذر شديد مع اقتراب عيد الأضحى.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد