السينما والأدب صورا آكلي لحوم البشر في هيئة أسطورية، غالبًا ما تنتفي عنها أية صفة مرتبطة بالواقع والحقيقة، لكن، وكما يخبرنا المثل الشهير: “لا دخان بدون نار”، فكذلك أسطورة آكلي لحوم البشر نار لها دُخانها الضارب في تاريخ البشرية.

قد ترى أن الأمر غريب ومقزز، وربما أيضًا وحشي، لكن الحقيقة هي أنه لا تكاد تخلو حضارة من الحضارات البشرية من وجود لآكلي لحوم البشر فيها، على الأقل وفقًا لما تُخبرنا به المرويات التاريخية المتعددة.

كيف أكل البشر بعضهم بعضًا مُنذ القدم؟

كما ذكرنا، لم يخل يومًا تاريخنا الإنساني من أكل لحوم البشر. على مر العصور ثمّة حكايات ومرويات عن آكلي لحوم بشر هُنا وهُناك بذرائع مختلفة، للظروف الخارجة عن الإنسان دورٌ فيها، كما للمعتقد أيضًا دور في بعضها.

في كتابه “البخلاء” يشير الجاحظ إلى وجود آكلي لحوم البشر في المجتمع العربي، وكيف أن شعراء عرب هجوا هؤلاء، كما هجوا آكلي لحوم الكلاب، وغيرها من الكائنات التي لم يعتد العرب أكلها. وقد أفرد الجاحظ لهذه الحوادث بابًا أسماه: “باب الطعام المذموم عند العرب”، أورد فيه شعرًا هجاءً لبعض أكلة لحوم البشر بين القبائل، والذين كانوا بسبب فعلتهم يوصمون قبائلهم كُلها بذلك، أو كما يقول الجاحظ: “والعرب إذا وجدت رجلًا من القبيلة قد أتى قبيحًا ألزمت ذلك القبيلة كُلّها”.

وفي المرويات والكتب التاريخية التي تناولت مجاعة الشدّة المستنصرية التي أصابت مصر لسنوات؛ ما يُحكى عن أكل الناس بعضهم بعضًا أحياءً وأمواتًا. في كتابه بدائع الزهور في وقائع الدهور يروي ابن إياس مظاهر المجاعة، وكيف كان الناس يأكلون بعضهم، بقوله:

الناس أخذوا في أكل الأحياء، وصنعت (الناس) الخطاطيف والكلاليب لاصطياد المارة بالشوارع من فوق الأسطح.

ورواية ابن إياس لا تختلف كثيرًا عما ذكره المقريزي في كتابه “إغاثة الأمة بكشف الغمة”، أو غيره من الكتب التي أرّخت للمجاعة.

اقرأ أيضًا: ثورات الجياع عبر التاريخ المصري

بالطبع لم يتوقف الأمر عند العرب كما لم يبدأ معهم، فوفقًا لما يرويه لنا التاريخ، غالبًا ما تشهد المجاعات قديمًا وحديثًا أمورًا تفوق التصوّر البشري في الظروف الطبيعية. العهد القديم يؤكد لنا هذه الحقيقة بالحكاية المشهورة، والتي جاء ذكرها في الإصحاح السادس من سِفر الملوك الثاني: “وكان جوعٌ شديد في السامرة (…) فقالت: إن هذه المرأة قد قالت لي: هاتي ابنك فنأكله اليوم، ثم نأكل ابني غدًا، فسلقنا ابني وأكلناه، ثم قلت لها في اليوم الآخر: هاتي ابنك فنأكله فخبأت ابنها”.

الصليبيون أنفسهم أكلوا لحوم البشر في المدن التي حاصروها. هذه اللوحة توضح بعضًا مما حدث في مذبحة المعرة


ومما يُذكر عن أكل لحوم البشر في سياق ديني ما جاء في الإصحاح السادس من إنجيل يوحنّا: “فقال لهم يسوع: الحق الحق أقول لكم، إن لم تأكلوا جسد ابن الإنسان وتشربوا دمه فليس لكم حياة فيكم. من يأكل جسدي ويشرب دمي فله حياة أبدية وأنا أقُيّمُه في اليوم الآخر”.

هذا وقد أفتى بعض علماء المسلمين بجواز أكل لحم الإنسان الميّت أصلًا في حال الضرورة، من هؤلاء بعض المالكية وفقًا لما ورد في كتاب “بلغة السالك لأقرب المسالك” المعروف بحاشية الصاوي على الشرح الصغير. وبحسب ما جاء في موسوعة فتاوى الأزهر، فقد ورد عن الشافعي قوله: “يؤكل لحم ابن آدم ولا يجوز له أن يقتل ذميًا؛ لأنه محترم الدم، ولا مسلمًا ولا أسيرًا؛ لأنه مال الغير. فإن كان حربيًا أو زانيًا مُحصّنًا جاز قتله والأكل منه”. وجدير بالإشارة إلى أنّ هذين الرأيين يأتيان في مُقابل جُملة من الآراء الفقهية الأخرى التي تُحرّم الأمر جملة وتفصيلًا كما عند الأحناف والحنابلة وبعض المالكية وكذا الظاهرية.

كلمة Cannibalism والتي تعني أكل لحوم البشر، يُقال إنها مُشتقة من كلمة كاريب التي استخدمها كريستوفر كولومبس للإشارة إلى قبائل سكنت الجزر الأمريكية أو ما اعتبرها كولومبس جزر الهند الغربية. والمفترض أن كلمة كاريب أو Caribal تعني بالإسبانية “الوحشية”، وقد أطلقها كولومبس على تلك القبائل لأنها كانت تأكل لحم البشر.

على هذا المنوال، ذهب علماء أنثروبولوجيا إلى أن العديد من شعوب العالم القديم قد مارسوا أكل لحوم البشر من منطلق مرتبط بالمعتقدات الدينية، مثل شعب الأزتيك (السكان الأصليون للمكسيك) الذين اعتقدوا أن أكل لحوم أسرى الحروب وضحايا الأعداء نوعٌ من القرابين المُقدّمة للآلهة. نفس الأمر يُعتقد أن سُكان أستراليا ونيوزيلندا الأصليين قد مارسوه لكن مع الموتى من أبناء القبيلة، لاعتقادهم أن هذا الطقس سيساعد في بقاء روح المتوفى دون أن تهلك مع الجسد.

ومن أستراليا إلى الشمال حيث قبائل الفور الإفريقية التي يُقال إنها استمرت على طقوسها في أكل لحوم البشر حتى خمسينات القرن العشرين. وفي الهند لا تزال قبيلة آجوري تُمارس طقسها المفضل في أكل لحوم الموتى كي تمدهم بالطاقة الروحية والجسدية.


متى أصبح الجنس شريكًا في «جريمة» أكل لحوم البشر؟

عام 1936 تحققت أمنية الأمريكي ألبرت فيش بأن يلقى حتفه على كرسي كهربائي حين تم إعدامه بتهمة اغتصاب أكثر من 400 طفل وطفلة وتعذيبهم وقتلهم وأكل لحمهم.

وعلى ما يبدو، ووفقًا للرسائل التي كان يُرسلها باسم مُستعار إلى الصحف، والأخرى التي كان يُرسلها لأهالي ضحاياه، فقد كان فيش يتلذذ “جنسيًا” بجرائمه التي تبدأ بالاغتصاب مرورًا بالتعذيب وأكل لحوم ضحاياه وهم أحياء قبل قتلهم تمامًا. من تلك الرسائل واحدة أوقعت به بعد سلسلة طويلة من الجرائم. حملت الرسالة التي بعث بها لأسرة طفلة من ضحاياه وصفًا لما ارتكبه في طفلتهم.

وأكّد ألبرت فيش – أو “وحش أمريكا” كما يُطلق عليه- في الرسالة على تلذذه بطعم لحم الطفلة الذي قال إنّه من أشهى ما تناول في حياته. اللافت للانتباه هي الجُملة التي اختتم بها الرسالة، والتي أكّد فيها على أنّه لم يغتصب الطفلة قبل قتلها: “لا تقلقوا على طفلتكم، لقد أكلت لحمها فقط. ولكن اطمئنوا فقد ماتت عذراء”!

وحش أمريكا ألبرت فيش


قبل فيش كان هُناك فريتز هارمان أو مصاص دماء ألمانيا الذي كان يُفضل القضاء على ضحاياه الأطفال بعضّهم حتى الموت، ثُم مص دمائهم وأكل لحومهم. وقد كان مدخله إلى أكل لحوم البشر والاتجار فيها (كان يصنع شرائح اللحمة والسجق من لحوم ضحاياه ويبيعها للجزارات) هو شغفه المرضي باغتصاب الأطفال.

ومثل النموذجين السابقين، شهد العصر الحديث العديد من جرائم أكل لحوم البشر المُرتبطة بالجنس سواءً بشكل مُباشر كالاغتصاب والاعتداء الجنسي، أو غير مُباشر كجريمة أرمين مايفيس الغريبة. في 2001 أعلن مايفيس عبر شبكة الإنترنت عن حاجته لـ”شاب قوي البنية ما بين 18 و30 عامًا، للذبح”! وبالفعل أجابه المهندس أرماندو برانديس، ليلتقي كلاهما في منزل مايفيس الذي يتفق مع الضحية على البدء بقطع عضوه الذكري وطهيه ليأكلاه سويًا. وبعد الانتهاء من هذه الوجبة قتل مايفيس ضحيته برانديس كما يقتضي الاتفاق بينهما!

اقرأ أيضًا: أكل لحوم البشر انتقامًا.. المسلمون في إفريقيا الوسطى

عرض التعليقات
تحميل المزيد