بشرٌ مُنهكون، مخيمات للإغاثة وأخرى من أجل اللاجئين، مواطنون يسيطر عليهم الذهول والصدمة، إما نتيجة ويلات الحرب، أو كارثة طبيعية قد حلت على مدنهم، فقدوا على إثرها منازلهم. على الجانب الآخر هناك عالم متخم بالمال، يسيطر عليه حفنة من الأثرياء، يجنون أرباحًا طائلة من استغلال الكوارث، هم صيادو موارد ومقاولو الحروب. يصفهم مفكرو الاقتصاد بالطفيليين تجدهم أينما توجد الكارثة؛ إذ ينمون حول مصائب البشر ويقتاتون على المساعدات. إنه اقتصاد «ماد ماكس»، فما الذي تعرفه عن «رأسمالية الكوارث»؟

في انتظار وقوع الكارثة وىالغنائم

يقول ميلتون فريدمان، عالم الاقتصاد الأمريكي اليميني: «وحدها الأزمة سواء الواقعة أو المُنتظرة بإمكانها أن تحدث تغيرًا حقيقي».

كان فكر فريدمان والذي تتلمذ على يده أغلب المفكرين الاقتصاديين وزعماء الدول والسياسيين، قائمًا على استغلال الأزمات ورأسمالية الكوارث؛ وعلى مدار ثلاثة عقود كان فريد واتباعه يعززون تلك الإستراتيجية؛ «انتظار وقوع الكارثة»، وبينما يعاني المواطنون من الذهول إزاء الصدمة، يمرر اللاعبون سياساتهم، باعتبارها «إصلاحات» اقتصادية طويلة الأمد. وحدها الأزمة – بحسب فريدمان – قادرة على جعل المستحيل في السياسة، حتمية سياسية.

عادةً ما يكدس الأفراد الأغذية المعلبة والمياه، تحسبًا لوقوع الأزمات الكبرى. أما السياسيون يكدسون أفكار «السوق الحر» ليمررونها بسرعة خاطفة إبان وقوع الكارثة. ذلك ما تسميه نعومي كلاين في كتابها «عقيدة الصدمة»، مبدأ الصدمات في سبيل فرض تغيير سريع لا رجعة فيه، يستبق – بحسبها – استيقاظ المجتمع المُرهق من الصدمة.

إنه الوجه الآخر للمجتمع الرأسمالي الغربي، الذي يتخفى وراء النظام لكي يستمر في ممارسة استغلال الشعوب الضعيفة بحسب كلاين. كانت الحالة الأولى التي استخدم فيها فريدمان سياسة الصدمة وعقدية رأسمالية الكوارث، قد وقعت في سبعينات القرن الماضي؛ «الانقلاب العسكري في تشيلي» وما تلاه من تمرير لسياسات الجنرال أوغستو بينوشيه، إبان حالة الذهول من القمع الهائل التي اجتاحت المجتمع التشيلي حينذاك، وكان ذلك الاستغلال للحدث اقتصاديًا بناءً على نصائح أرسلها الاقتصادي المرموق عبر برقية إلى الجنرال العسكري.

(تقرير الجزيرة عن الانقلاب العسكري في تشيلي)

كانت العاصمة التشيلية في حالة حرب أحادية؛ سُميت بأحداث الحادي عشر من سبتمبر (أيلول) 1973، حين زحفت دبابات الجيش التشيلي في سانتياغو، وهي تُطلق الصواريخ على المباني الحكومية، وعلى الرغم من أن بينوشيه قد استطاع أن يهيمن على تلك الساحة منذ البداية، ولم يكن الرئيس سلفادور أليندي يملك جيشًا خاصًا به؛ في وقتٍ سيطر فيه بينوشيه على قوات الشرطة والجيش وأساطيل البحرية، إلا أن الجنرال العسكري سعى إلى تثبيت حكمه بالدمِ؛ فاندلعت النيران في القصر الجمهوري، وحملت جثة أليندي الممزقة على حاملة، بينما كان أصدقاؤه في الشوارع والبنادق موجهة إلى رؤوسهم.

بالرغم من ذلك لم يكتفي النظام العسكري بالقتل، واحتجاز أعضاء الحكومة، بل اتخذوا من إرهاب المواطنين التشيليين وسيلة لضمان بقائهم في الحكم. عندها قبض الجنود على ما يقرب من 13 ألف مدني، وضعوهم داخل الاستاد الخاص بكرة القدم، واستعرض الجنود قوتهم من خلال قتل المئات من المتمردين، حتى بدأت جثثهم الهامدة تطفو في شوارع العاصمة التشيلية، وتحولت الغرف المغلقة في الإستاد إلى غرف تعذيب. كانت الرسالة التي وجهها «العسكر» للشعب واضحة، أية مقاومة سيقابلها الدم.

(الجنرال بينوشيه)

على الجانب الآخر، وبينما كانت الدبابات العسكرية تدك الشوارع، كان هناك «وثيقة اقتصادية» يجري إعدادها في المطابع لتكون جاهزة في اليوم الأول من استلام الطغمة العسكرية الحكم. وقد كانت تلك الوثيقة مشابهة تمامًا لما جاء في كتاب ميلتون فريدمان «الرأسمالية والحرية» من أفكار والتي تكرس لتطبيق رأسمالية الكوارث؛ إذ – وفي الوقت الذي لم يفق فيه الشعب بعد من أثرِ صدمة الانقلاب – مرر بينوشيه كل التعديلات الاقتصادية التي أرادها.

كانت الوثيقة تتضمن الخصخصة والحد من الإنفاق الاجتماعي وإزالة القواعد، مما يجعل السوق الاقتصادية حرة. كانت تلك هي نفس الأفكار التي اعترض عليها الشعب وقوبلت بالرفضِ عندما طرحت للمرة الأولى، إلا أنها الآن لا تحتاج سوى لموافقة بعض العسكريين، وتصبح جاهزة للتنفيذ. وقد كانت نتيجة تلك التعديلات الاقتصادية كارثية عام 1974؛ إذ وصل حجم التضخم إلى 375%، وهو المعدل الأعلى في العالم، وكان هذا من أبرز تجارب رأسمالية الكوارث.

علوم الثورة

منذ 9 شهور
تجربة تشيلي.. كيف تُسقط جنرالًا مجنونًا جاء على ظهر دبابة؟
6228
فريق العمل

«البشر» هم السلعة الأرخص ثمنًا في العالم

في أوائل الخمسينات مولت وكالة الاستخبارات الأمريكية بعض البرامج النفسية، التي تهدف إلى إجراء تجارب دماغية على المرضى النفسيين، وذلك لاستخدامها فيما بعد في عمليات «غسل الدماغ»، للمعتقلين السياسيين. كان من بين تلك الوسائل «الصدمات الكهربائية»، وبعض حبوب الهلوسة. كل هذا من أجل العبث بالعقل البشري، وإعادته إلى حالته الأولى. لوح أملس لم يحظ بالتجارب بعد، ولم يخط كلماته الأولى. ويلي ذلك مرحلة «الإصلاح». فبعد أن يعيد الأطباء النفسيين المرضى إلى مرحلة تشبه الطفولة، يلجأون إلى تكوين شخصيات جديدة لهم. سواء كانت تلك الشخصيات تتماشى مع رؤية وكالة الاستخبارات الأمريكية، أو غيرها.

بعد «الصدمة»، يفقد المرضى بعضًا من ذاكرتهم؛ وتصبح عقولهم مشوشة بشأن بعض الذكريات التي محوت في فترة العلاج. تشبه نعومي كلاين تلك الصدمات الكهربائية، بالصدمات الإقتصادية الخاصة بـ«رأسمالية الكوارث». فالأسلوب الذي استخدمته وكالة الاستخبارات الأمريكية من أجل انتزاع الاعترافات من المعتقلين، ومحو ذاكرتهم، هو نفسه الأسلوب المتبع أثناء حلول الكارثة، تمثل فيه الحرب أو الكارثة الطبيعية «صدمة كهربائية» يتعرض لها المجتمع. حينها يستطيع خبراء الاقتصاد، إدخال أفكار السوق الحرة، وما يعتبرونه «إصلاحات اقتصادية» على المجتمع، دون أدنى مقاومة. فقد انهكت الأزمة البشر، وجعلتهم يعيشون بمحاذاة اللاإنسانية.

(وثائقي عن كتاب ناعومي كلاين: عقيدة الصدمة)

«نحن حمل الأضحية الذي يُذبح لحفنة من الرأسماليين الذين لا يمكن كبح جماح جوعهم المستمر للثروة». *فرانسيس أونا – زعيم مقاومة بوجانفيل

يشير أنتوني لوينشتاين، في كتابه «رأسمالية الكوارث»، إلى أن بابوا غينيا الجديدة كان أكبر دليل على إنهاك الرأسمالية للبشرِ، بهدفِ صنع الثروة. فقد اشتهرت بابوا بمناجم التعدين التي سيطرت عليها الإدارة الاسترالية منذ عهد الاستعمار، وحتى بعد تحقيق استقلال بابوا غينيا الجديدة؛ إذ كانت الشركات الأسترالية بالتعاون مع حكومة بابوا يديران مناجم استخراج الذهب والنحاس حتى نهاية الثمانينات، وذلك من خلال شركات التعدين متعددة الجنسيات.

في ذلك الوقت عرفت بابوا بمنجم «بانجونا» القديم والشاسع في إقليم بوجانفيل، إذ كان الأشهر والأكبر في العالم، وقد سيطرت عليه الإدارة الأسترالية جنبًا إلى جنب الحكومة في غينيا الجديدة، وعاشت الدولة وتنفست عليه، وقد ساهم في أقصى طاقته الإنتاجية بنسبة 20% من الميزانية الوطنية لبابوا غينيا الجديدة. وهو الأمر الذي جعل شركات التعدين هناك إضافةً إلى الحكومة الوطنية، على استعداد لبذلِ أي شئ مقابل استمرار المنجم في العمل، ودر الذهب والنحاس على الدول الرأسمالية، المهتمة فقط بالأرباح.

أما السكان المحليون، فقد عانوا على مدار عقود إثر «مخلفات المعادن»؛ إذ لم تهتم شركات التعدين بإزالة نفايات التعدين؛ وهو ما نتج عنه جبال صغيرة من القاذورات تجري حولها مياه ملوثة؛ بعد أن تعرضت منطقة بوجانفيل لإضرار بيئية مدمرة؛ فنهر جابا الجميل والنقي الذي نبتت من حوله الغابات، قد تحول إلى ممر مائي مملوءًا بـ«نفايات النحاس الأزرق المتوهجة»، أما الغابات فقد أصبحت قفار مهجورة، تشبه الصحراء، حيث لا شئ ينمو في تلك المنطقة التي كانت كثيفة الأشجار فيما مضى. لا حيوانات للصيد، لا مياه نظيفة للشرب والاستحمام، ولا أراضي صالحة للزراعة. هكذا تحولت الدولة الجديدة بعد عقود من مخلفات التعدين.

(بابوا غينيا الجديدة)

عام 1989 أغلق منجم بانجونا. بعد ثورة ناجحة للسكان المحليين، كانت تهدف إلى استقلال إقليم بوجانفيل عن دولة بابوا غينيا الجديدة. ثورة ناجحة استطاع فيها الثوريون الاستقلال بإقليمهم عن الدود الرأسمالي الذي امتص دمه لعقود طويلة. إلا أنهم بالرغم من ذلك قد جنوا الفقر نتيجة لتلك الثورة. على مدار 20 عامًا من غلق المنجم، عاش سكان بوجانفيل جنبًا إلى جنب النفايات السامة، يخيمون بجانب أكوام النفايات، ويستحمون في المياه الملوثة، على أمل أن يجدوا في قاعها بعد بقايا الذهب، حيث أمكنهم بيع الجرام الواحد بحوالي 30 دولارًا، ومن المخلفات يصنعون لقمة عيشهم.

نجحت الحكومات وشركات التعدين بعد الثورة الناجحة، في عزل الإقليم ذاتيًا، فأهالي المنطقة يزرعون طعامهم بالفعل في قطع الأرض المتبقية، ويأملون في الحصول على تعويض لائق مقابل سنوات من الاستغلال، وأن تزيل الشركات النفايات المدمرة للبيئة. إلا أنهم عوضًا عن ذلك وبين عامي 2012 و2014، كان السكان يفكرون في فتح المنجم من جديد. على الأقل لتحقيقِ بعض الاستقلال الاقتصادي. خطوة كانت تنتظرها شركات التعدين من أجل استعادة استغلال موارد الإقليم.

فالشعب الذي يقتات الآن على النفايات وهو يعرف أخطارها الصحية، ويعاني من الفقر والجوع، لا خيار لديه آخر سوى فتح المنجم من جديد لخلقِ الوظائف، أو الاستمرار في الفقر. على الرغم من أن ثورة الاستقلال قد راح ضحيتها أكثر من 20 ألف مواطن محلي بفعل التجويع والقتل، إبان حرب أهلية قد تكون هي الأولى مع شركات تعدين متعددة الجنسيات، والشعب الذي استغل وعانى إبان العمل بالتعدين من الفصل العنصري والتمييز بينهم وبين العمال ذوي البشرة البيضاء، ومات في المناجم مقابل ربحٍ هامشي، وقد حققت الشركات الأرباح الكبرى، يفكر في فتح المنجم مرة أخرى، ويفاوض على حياته.

«ازدهار المرتزقة».. وقود حروب الدول الكبرى

«شركات تبقى على قيد الحياة، بفعلِ الفوضى»، هكذا وصف أنتوني لوينشتاين الشركات العسكرية الخاصة، والتي تمد الدول الكبرى بجنودٍ «مرتزقة»، وقود الحرب في العراق وأفغانستان، وأماكن النزاع الأخرى. يقول لوينشتاين: «لم تكن تلك الشركات تريد للحربِ أن تنتهي»؛ إذ سمحت تلك الشركات لهذا الجانب من رأسمالية الكوارث أن يزدهر في مناطق الحرب الأمريكية.

في كتابه أجرى الصحافي الأسترالي لوينشتاين حوارًا مع أحد أصحاب الشركات العسكرية الخاصة في أفغانستان، كان جاك رجل حرب سابق، قاتلًا باعتباره جنديًا بريطانيًا في أشد حروب العقود الماضية ضراوة؛ من بينها تلك التي نشبت في أفغانستان والعراق وأمريكا الوسطى؛ وعوضًا عن التقاعد، أسس جاك شركته العسكرية الخاصة عام 2002، وقد كانت أول شركة عسكرية في أفغانستان؛ إذ وصل هناك بعد الغزو الأمريكي مباشرةً في نهايات 2001.

أما الآن تعتبر الشركات العسكرية الخاصة في أفغانستان، هي تجارة الحرب الرائجة هناك؛ إذ ازداد عددها في السنين التي تلت الحرب، وتوسعت مجالاتها لتشمل التأمين الخاص للصحافيين والمنظمات غير الحكومية وموظفو الأمم المتحدة، ومباني السفارات؛ وقد دخل الأفغان أنفسهم في هذه التجارة، ويديرون حوالي 75% من هذه الشركات.

يشير جاك إلى أن عمله في الشركات العسكرية الخاصة قد استطاع من خلاله جمع الكثير من الأموال تفوق تلك التي تقاضاها عن عمله كجندي حرب. وقد أصبحت تلك الشركات ملجأً للجنود السابقين ممن يهدفون إلى تحقيق ربح سريع، وقد استخدمتهم دول مثل الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا وغيرهم من أجل حماية القواعد العسكرية في الدول المختلفة. وتتشارك تلك المؤسسات العسكرية الخاصة في المعلومات المخابراتية أيضًا مع ما يعرف باسم دول «العيون الخمس»، والتي تضم كلًا من أمريكا، وبريطانيا، وكندا، وأستراليا، ونيوزيلندا.

(غزو الولايات المتحدة لأفغانستان)

عقب الغزو الأمريكي لأفغانستان في أكتوبر (تشرين الأول) 2001، كانت الولايات المتحدة وبريطانيا تركز جهودها حينذاك مع الشركات العسكرية الخاصة من أجل مطاردة أسامة بن لادن وعناصر «حركة طالبان»، عن ذلك يقول جاك أن العمل كان سهلًا مع وفرة في الذخيرة والبنادق، وقد حظت الشركات الأمنية الخاصة بتسهيلات جمة لشراءِ الأسلحة، وكان يمكنها تنفيذ مهام عملها دون «رقابة رسمية» مزعجة، بحسبه. 

تغير الوضع كثيرًا بعد ذلك إذ سعت الحكومة الأفغانية إلى السيطرة على الشركات العسكرية الخاصة، وصارت تابعة لوزارة الداخلية منذ عام 2014، وعلى الرغم من تذمر الجندي البريطاني السابق من خضوع شركته لسيطرة الدولة؛ إلا أنه يفتخر في الوقت ذاته بتوظيف السكان المحليين؛ قائلًا أن شركته وحدها وظفت حوالي 1200 شخص أفغاني، ومشيرًا إلى أن شركته تلعب دورًا في خدمة المجتمع الأفغاني بهذا الشكل.

يقول جاك: إنه «عندما يأتي الأمر إلى إدارة إمبراطوريات، فإن الولايات المتحدة الأمريكية قد لجأت في احتلال أفغانستان إلى توظيف الشركات العسكرية الخاصة؛ لأن الوسيلة «الأرخص» من إرسال جنودها لغزوٍ عسكري. مُشيرًا إلى أن القوات الأمريكية والبريطانية لا تمتلك من القوات ما يكفي لإعادة بناء الأمم، بحسبه، وبالتالي تحتاج الشركات الخاصة لملء هذا الفراغ وتوفير الحماية والأمان للمقاولين؛ مما جعل هذه الشركات جزءًا أساسيًا في الحربِ، وجزءًا أساسيًا في تطبيق خطة رأسمالية الكوارث».

أما بالنسبة إلى مستقبل شركته فيقول جاك: إنه «سيكون أينما توجد الفوضى؛ إذ يتوقع أن اندلاع مزيد من الحروب في إيران، وشبه الجزيرة الكورية، وأفريقيا، إذا حدث وكانت هناك فرصة لجني الأموال، حتمًا سيشد الرحال إلى هناك.

سياسة

منذ 4 سنوات
كيف استخدمت الولايات المتحدة الأمريكية المقاتلين بالإيجار «المرتزقة» في حروبها العسكرية الحديثة؟
5002
فريق العمل

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد