شهدت أسواق بيع السيارات في الجزائر شللًا شبه تامٍ بعد الحملة التي أطلقها روّاد مواقع التواصل الاجتماعي، المتعلقة بمقاطعة عملية لشراء السيارات؛ وسمّيت الحملة بشعار «خليها تصدي» أي بمعنى اتركها تصدأ. وتأتي هذه الدعوات للمقاطعة غداة كشف وزارة الصناعة والمناجم على الأسعار الحقيقية للسيارات المركّبة في الجزائر، وهي الأسعار التي أشعلت جدلًا كبيرًا حول قيمة هامش الربح الخيالي الذي تحصّله الجهات المسؤولة عن تسويق السيارات في الجزائر، ليتخذ الجزائريون بهذه الحملة استراتيجيّة المقاطعة من أجل خفض الأسعار.

السيارة في الجزائر.. لمن استطاع إليها سبيلًا

أرجع مستشار وزير الصناعة والمناجم «عبد الكريم مصطفى» في حديثٍ سابقٍ له مع الإذاعة الجزائرية، ارتفاع أسعار السيارات المركّبة في الجزائر إلى جملة من الأسباب: من بينها الشروط المفروضة على المصنّعين، خاصة فيما يتعلق بمعايير السلامة وذلك ابتداء من أواخر 2015، وزيادة على ذلك، دخول نظام رخص الاستيراد الذي أحدث خللًا حسبه في نظام العرض والطلب؛ إضافةً إلى تراجع قيمة الدينار مقابل الدولار، خاصة وأن الجزائر تستورد قطع الغيار ومعدات الصيانة من الخارج، ناهيك عن قيمة الضرائب والجمارك البالغة 19%.

لكن بعض المراقبين يرون أنّ هنالك دورًا لـسماسرة السيارات في ارتفاع أسعار السيارات في الجزائر، إذ يعيش أغلب سماسرة السيارات هذه الفترة على أعصابهم بسبب حملة المقاطعة التي يشنها الجزائريون على شراء السيارات، ويتخوّف السماسرة من أيّ مفاجأة قد تعرفها أسواق السيارات بعد بروز بوادر نجاح الحملة، علمًا أنّ الزيادات التي يضيفها السماسرة على ثمن السيارة تصل إلى 300 ألف دينار جزائري، وهي الزيادات التي جعلت من أسعار السيارات خارج متناول قطاعات واسعة من المواطنين.

ويرى «لحرش عبد الرحمن» صاحب إحدى الوكالات المسوّقة للسيارات في حديثه مع «ساسة بوست» أن ارتفاع أسعار السيارات المستعملة بدأ مع تطبيق الحكومة الجزائرية ما يعرف بنظام رخص الاستيراد، إذ جعل الجزائر البلد الوحيد في العالم الذي يمكنك أن تشتري فيه سيارة وتستعملها سنوات ثم تبيعها بنفس سعر شرائها.

جديرٌ بالذكر أن الحكومة الجزائرية باتت تعمل بنظام رخص الاستيراد بداية من سنة 2016 للحد من التكلفة الباهظة للاستيراد خصوصًا بعد الأزمة المالية التي عصفت باقتصاد البلاد؛ لكن سرعان ما أعلن وزير التجارة الجزائري «محمد بن مرادي» عن قرار الحكومة الجزائرية إلغاء نظام رخص الاستيراد بعد أن أثبت النظام محدوديته، وأدى إلى تعطيل آلة الاقتصاد الوطني بسبب توقف النشاط ما انجر عنه التهاب الأسعار.

وقال الوزير ابن مرادي إنه «سيتم إلغاء هذا النظام المطبق على المنتجات المستوردة باستثناء واردات السيارات، التي ستبقى خاضعة لهذا النظام»، مشيرًا إلى أن مصنعي السيارات في الجزائر التزموا بإنتاج 150 ألف سيارة العام المقبل، وفي حال تسجيل طلب يفوق قدرات المنتجين المحليين سيتم منح تراخيص للاستيراد، وكانت وزارة التجارة قد أعلنت مطلع هذا العام عن مناقصة لمنح رخص استيراد السيارات النفعية والسياحية لعام 2018.

الحكومة تطعن مصانع التركيب.. وتنشر الأسعار الحقيقية للسيارات

في خطوة مفاجئة، نشرت وزارة الصناعة والمناجم ما وصفتها بالأسعار الحقيقية للسيارات المركّبة عند خروجها من المصنع، وحسب قائمة الأسعار التي نشرها وزير الصناعة والمناجم الجزائري «يوسف يوسفي»؛ فإن الزيادات في الأسعار بين سعر السيارة الحقيقي عند خروجها من المصنع، والسعر النهائي المعروض على المواطن، تراوحت ما بين 100 ألف دينار جزائري (881 دولارًا) إلى أكثر من 300 ألف دينار (2640 دولارًا) حسب نوعية السيارة.

وعدّدث الوثيقة الصادرة من مصالح وزارة الصناعة أربعة شركاء معتمدين في تركيب السيارات بالجزائر هم: الشركة الفرنسية رونو المسوقة للعلامة «رونو سيمبول»، والمتعامل الجزائري «طحكوت» المحتكر لعلامة «هيونداي»، والشركة الألمانية «سوفاك» المركّبة للعلامة «فولسفاغن»، والشركة «GLOVIZ» المنتجة للعلامة «كيا». وحسب الأرقام التي كشفت عنها وزارة الصناعة الجزائرية، فإن أسعار السيارات المجمّعة محليًا المُصرح بها من طرف المُصنعين لدى الحكومة الجزائرية، تعدّ أقل من الأسعار المعروضة في قاعات العرض بأكثر من 500 ألف دينار (نحو 5 آلاف دولار)، وتصل في بعض الأحيان إلى أكثر من مليون دينار (نحو 8810 دولارات).

الأسعار الحقيقية لسيارات هيونداي بالجزائر.

فمثلًا سيارة «سامبول» المركّبة في المصنع الفرنسي للسيارات «رونو» بمنطقة وادي تليلات بمحافظة وهران والتي يعرضها المصنع للبيع بقيمة 11 ألفًا و800 دولار، لا يتجاوز سعرها الحقيقي عند الخروج من المصنع 10 آلاف دولار. فيما لا يتجاوز سعر سيارة «إيبيزا» المركّب في مصنع فولسفاغن بمحافظة غليزان المعروضة بمبلغ 19 ألفًا و300 دولار، سعر الـ15 ألفًا و800 دولار.

الأسعار الحقيقية لسيارات كيا بالجزائر.

وتأتي هذه الخطوة من وزارة الصناعة الجزائرية ضمن الإجراءات الجديدة التي كشف عنها وزير الصناعة «يوسف يوسفي» مؤخرًا، للحد من ارتفاع أسعار السيارات المركبة في الجزائر، إذ أكّد «الوزير أن الأسعار التي تسوق بها السيارات المحلية جد مبالغ فيها».

الأسعار الحقيقية لسيارات سوفاك بالجزائر.

وفي تعليقه على فضيحة التلاعب بالأسعار، قال المدير العام لمجمع «السيكوم كيا» الكورية الجنوبية، عبد الرحمن عشايبو: «إن الأرقام لا تحتوي على ضريبة اقتناء سيارة جديدة ومصاريف النقل»، وأضاف عشابيو: «السيارات ليست الزيت والسكر ليتم ضبط أسعارها بتلك الطريقة، في ظل تحكّم العرض والطلب في السعر وتبنّي سياسة اقتصاد السوق منذ سنوات».

على غرار المصريين.. «خليها تصدي» حملة الجزائريين لمقاطعة شراء السيارات

تيمنًا بالحملة الشهيرة التي أطلقها المصريّون سنة 2016 لمقاطعة السيّارات؛ أطلق نشطاء جزائريون حملة «خليها تصدي» على شبكات مواقع التواصل الاجتماعي رافقتها حملات ميدانية، احتجاجًا على ارتفاع أسعار السيارات بشكل جنوني مؤخرًا. وأمام هذا الوضع لقيت الحملة تجاوبًا كبيرًا في الشارع الجزائري، إذ تراجع العديد من المواطنين عن شراء السيارات بعد تفجير فضيحة «التلاعب بالأسعار».

وفي تعليقه عن حملة «خليها تصدي» قال أستاذ الاقتصاد بجامعة الجزائر فرحات آيت علي: «إن مثل هذه الحملات على الرغم من أنها لا تتسم بالرسمية، إلا أن ذلك لا يلغي أهميتها، لأن الزبون في كل بلدان العالم هو الذي يتحكم في السوق، وما دام يتمتع بوعي استهلاكي يمنعه من الرضوخ للمتعاملين الاقتصاديين، فبإمكانه التحكم بقانون العرض والطلب، وبالتالي التحكم بطريقة غير مباشرة ببورصة الأسعار».

بدوره أشاد الدكتور بجامعة سعد دحلب بالبليدة «فارس مسدور» بما سمّاه «تعبئة المستهلك الجزائري لمقاطعة شراء السيارات» مؤكدًا أن المقاطعة «سلوك حضاري يساهم بشكل ملموس في دفع عجلة الوضع الاقتصادي نحو الأفضل».

وعن حجم المبالغة الكبيرة في زيادة أسعار السيارات أكّد فرحات: «إن السيارات المركبة محليًا أصبحت أغلى حتى من أسعارها في بلد العلامة الأصلي، وبالتالي أصبح الأمر يشبه إلى حد كبير شبكات تتاجر بالسيارات وتحتكرها، وتتحكم كما تشاء بهامش الربح دون أيّ رقابة حكومية، وهو ما يدخل في خانة النصب والاحتيال، وبلجوء المستهلك للمقاطعة سيؤثر على السوق وسيجبر الشركات على خفض الأسعار، مع أن المستهلك يتقاسم مسؤولية الغلاء الفاحش الذي أصبحت تعرفه أسعار السيارات».

وانضم بعض نوّاب البرلمان الجزائري لحملة «خليها تصدي» معتبرين حملة المقاطعة هي من الطرق التي تجعل الجزائريين يحاربون فوضى القطاع والمضاربة. في السياق ذاته كشف النائب عن الاتحاد من أجل النهضة والعدالة والبناء «مسعود عمراوي»، أنه سيوجّه مساءلة للوزير الأول أو وزير الصناعة بشأن فوضى قطاع تركيب السيارات في الجزائر.

بشائر النصر.. المقاطعة تجبر الشركات على مراجعة الأسعار

موازاةً مع حملة مقاطعة شراء السيارات التي تعرفها الجزائر؛ وكشف وزارة الصناعة الجزائرية الأسعار الحقيقية للسيارات المركبة بالجزائر؛ تناقلت وسائل الإعلام الجزائرية إعلان شركة «رونو» عن فتحها تحقيقًا بخصوص أسعار فرعها في الجزائر، والسعي إلى تخفيضها مستقبلًا، خصوصًا بعد التراجع الرهيب لمبيعاتها في الفترة الأخيرة. كما قرّرت الشركة ذاتها التحقيق في الصور المتداولة عبر مواقع التواصل لأحد مصانعها، والذي كشف عيوبًا موجودة في سيارات رونو سامبول.

وبحسب ما نقلته مواقع جزائرية فإن الإدارة الرئيسية لشركة «رونو»، قد قررت تخفيض أسعار سياراتها المنتجة بمصنع وادي تليلات بمحافظة وهران، بعد التراجع الكبير لمبيعاتها في الجزائر، والذي جاء نتيجةً لحملة المقاطعة التي يشنها الجزائريون في الفترة الأخيرة ضد غلاء السيارات المركبة بالجزائر، مقارنةً بأسعارها في الدول المجاورة، إذ وصل مثلًا سعر سيارة «رونو-سامبول» المنتجة بالجزائر إلى ما يقارب ضعف سعرها في المغرب.

وحسب المصادر ذاتها فإن شركة «رونو» قد أوفدت ممثلين عنها إلى الجزائر من أجل الوقوف على الخسائر التي تكبدها فرعها بوهران، بعدما تجاوز سعر السيارة الواحدة 170 مليون سنتيم (حوالي 15 ألف دولار).

ومن المنتظر أن تمتد سياسة مراجعة الأسعار إلى شركتي «هيونداي» الجزائر لمالكها رجل الأعمال الجزائري «محيي الدين طحكوت»، وفرع العملاق الألماني لصناعة السيارات «فولكسفاغن»، خصوصًا وأن أسعار تلك العلامات لا تختلف كثيرًا عن أسعار شركة «رونو»، وتعتبر جد مرتفعة مقارنة بأسعار مثيلاتها المستوردة في كل من تونس والمغرب.

وشهدت مواقع التواصل الاجتماعي انتشار عدّة مقاطع من الفيديوهات توضح تلاعبات في تسويق السيارات من طرف الشركات المعتمدة، كان آخرها فيديو نشر لشركة رونو يظهر مئات السيارات من نوع «سيمبول» مركونة في أحد المستودعات؛ في مشهد يظهر تلاعب الشركة في وقت تسليم السيارات لأصحابها.

حلول «النقد الدولي» لإنقاذ اقتصاد الجزائر.. علاج مؤجل ونتائج ضبابية

المصادر

تحميل المزيد