نظرًا للتطور التكنولوجي أغلقنا المحل.

كانت هذه الجملة التي اختار «عم عبده»، الرجل الذي تخطَّى 80 عامًا، أن ينهي بها سنوات طويلة من العمل الشاق،  كتب عم عبده جملته تلك على لوحة كارتونية وقام بتعليقها على «كُشكه الصفيح» الذي قضى فيه سنوات طويلة من العمل في تصليح بواجير الجاز، كان عم عبده قبل سنوات طويلة يكسب كثيرًا من مهنته، واستطاع من خلالها أن يتزوَّج ويفتح بيتًا، ومع التطور وبدء استخدام البوتاجازات بمختلف أشكالها وأنواعها وماركاتها، بدأ استخدام بواجير الجاز يقلّ وهو الآن عادة شبه منتهية.

ضاق الحال بعمّ عبده وأصبح الرزق محدودًا، وتوفيت زوجته وأصبح العمل «مش جايب همه»، بحسب تعبيره، فأغلق المحل الذي يمثل مصدر الرزق الوحيد له، حيث إنه المهنة الوحيدة التي يعرفها، ولأن كبير السن، امتنع عن البحث عن أي فرصة عمل أخرى.

بعد أن أصبح عم عبده يحيا بمفرده بلا أولاد ولا مصدر دخل بدأ جيرانه يتولون أمره ويعتنون به وبأمر مطعمه وصحته، كانت هذه قصة عم عبده كما رواها أصحاب المحلات المجاورة لدكّانه المُغلق بأحد الشوارع الضيقة في خان الخليلي.

قصة «مجانين الشوارع» في مصر.. بين السياسة والفلسفة والجرائم

التكنولوجيا تُنهي وجود مهن كاملة

لم يكن عم عبده هو الوحيد الذي يعاني من آثار التكنولوجيا ويفقد فرصة عمله الوحيدة التي يعرفها ولا يعرف كيف يقوم بغيرها، كثيرون غيره أصبحت مهنهم لا تجد لها سوقًا في شكل الحياة الحالي، وكثير من المهن التي اندثرت بعد أن أفنوا أعمارهم فيها، وبعد أن بلغوا من العمر ما لا يمكنهم من البحث عن مهن أخرى أو تعلم حرف جديدة لكي يتكسبوا منها، فاكتفى الكثيرون منهم بالجلوس في البيت أو النزول إلى الشوارع والتخبط والتسول.

محمد صلاح – 50 عامًا – قرر عدم الاستسلام والمحاربة حتى الرمق الأخير، فهو صاحب محل لإصلاح بواجير الجاز أيضًا، ما يزال فاتحًا أبواب محله في أحد شوارع العتبة، معتمدًا على أن هناك كثيرًا من الفقراء الذين لا يمتلكون بوتاجازات ويعتمدون على الباجور، إذا حدث له أي عطل فإنهم يرغبون في إصلاحه لأنه ليس معهم ثمن غيره، «لسه الفقرا كتير» على هذا يعتمد  صلاح لاستمراره في المهنة التي علمها له والده، ولم يعلمه غيرها ولم يجد لنفسه مصدر رزق غيرها، فعمر عملهم في هذه المهنة هو ووالده قد يصل إلى نحو الثمانين عامًا، منذ أن كان والده شابًا في مقتبل حياته.

يعترف صلاح أن العمل أصبح قليلًا والرزق من تلك المهنة أقل، فبعد أن كان محلهم هذا يقوم بإصلاح 10 و15 باجورًا  يوميًا، أصبح الآن لا يتردد عليه سوى باجورين أو ثلاثة يوميًا، ويحصل في إصلاحهم على أقل القليل من المال، ومع ذلك فلا سبيل أمامه إلا أن يستمر ويقبل الدخل الذي يقل يومًا بعد يوم.

يُدرك صلاح أن مصيره هو أن ييأس ويغلق أبواب محله ويذهب ليعمل عاملًا في أي محل أيًا كان نوعية نشاطه، فقط ليتمكن من تلبية متطلبات بيته المتزايدة في ظل موجات الغلاء المستمرة، فهو يدرك أن هذا اليوم آت رغم عظيم جهده لتأخيره فقط، كل ما حاول صلاح فعله لتأخير حدوث هذا هو أنه أدخل لمحله نشاط بيع أدوات الشيشة، منضدة صغيرة وضع عليها بعض هذه الأدوات لعل بيعها يزيد من دخله قليلًا.

أطباء أم «شماشرجية».. ماذا تعرف عن «ديرتي» أطباء الامتياز في مصر؟

النحّاسون ومحاولة إيجاد بدائل

صابر عبد الرازق رجل طاعن في السن بلغ من العمر نحو 75 عامًا، يعمل صابر مُبيض نحاس،  وبعد أن قلّ استخدام هذه المهنة وأوشكت على الاندثار في الوقت الحالي، وجد صابر نفسه في الشارع بلا أي عمل ولا مصدر دخل لعائلته، هو رب أسرة بار ضاقت به سبل الحياة، وقد تعهد أن يعيل أسرته ويقوم بكامل واجباته تجاهها حتى آخر لحظة في عمره ورمق في صحته، على الأقل يوفر الطعام والدواء له ولزوجته ولا يُحمل أبناءه عبء مصاريفهم.

كل ما يقوم به عم صابر الآن يقتصر على خروجه إلى الشارع صباحًا، ويظل يتجول به طوال اليوم مرددًا «قووول يا رب» فيعطيه البعض مالًا كصدقة، أو تطلبه بعض المحلات إذا كان لديها عمل تحتاجه فيه مثل تحميل البضائع ونقلها لأماكن أخرى.

شهد عم صابر أفضل أيامه، على حد قوله، منذ 20 أو 25 عامًا، عندما كان مُبيض نحاس من حيث العمل الكثير وسعة الرزق، عندما كان الكثيرون ما زالوا يستخدمون الأواني النحاسية والتي تحتاج من وقت لآخر إلى «تبييضها» حتى لا تتعرض للصدأ وتُعرض من يأكلون فيها للأمراض، وقتها لم يكن لديه محل أيضًا، فقط كان يصحو صباحًا ويتجول في الشوارع القريبة من بيته ويصيح قائلًا «مبيض نحاس» لكي تقوم النساء اللاتي يرغبن في تبييض أوانيهم بإعطائها له ليقوم بتبييضهم في منزله ويُعيدهم لهن ويأخذ مقابل عمله.

لم يتعرض صابر لهذا بمفرده فأغلب من كانوا يعملون في تبييض النحاس يعانون من الشيء نفسه، ويعاني معهم من كانوا يصنعون الأواني النحاسية والأثاث النحاسي في وقت كانت فيه المصنوعات النحاسية عنصرًا أساسيًّا في البيوت المصرية، وعندما أوشك هذا على الانتهاء أوشك دورهم هم أيضًا على الانتهاء.

«الجنوبيّ».. 5 وجوه يحملها قطار الصعيد إلى القاهرة

ومن مهنة مبيض النحاس إلى مهنة النحاسين، والتي تقوم على تشكيل خام النحاس سواء المحلي أو المستورد لاستخدامه في صناعة الأواني النحاسية والتحف، ورغم اختفاء الأواني النحاسية من المنازل في ظل غزو الأواني الألمونيوم والاستالستيل، فإن العاملين بتلك المهنة لا يزالون متمسكين بها، ولا يجدون أمامهم بابًا إلا إقبال السائحين على شراء التحف النحاسية لاستخدامها في الديكور، وهو ما لا يكفي بطبيعة الحال لأن يكون سببًا لاستمرار المهنة، وهو ما يجعل العاملين بهذه المهنة في خوف دائم من المستقبل، خاصة في ظل الارتفاع المؤرق في أسعار الخامات المستخدمة في صنع التحف النحاسية.

يؤكد على ذلك عبد الرحمن السكري -55 عامًا- أحد أصحاب محال طلاء النحاس وتصنيع القطع النحاسية في شارع النحاسين بخان الخليلي، ظل السكري يعمل بهذه المهنة نحو 30 عامًا، شاهدها وهي في أفضل حالاتها، منذ كان يعمل مع أبيه في نفس المحل، ويشاهدها الآن وهي تندثر وتنتهي تمامًا، كان السكري يقوم في محله بتصنيع التحف والتماثيل والأواني النحاسية التي كانت تستخدم في المنزل لطهي الطعام، أما الآن فقد اقتصر عمله على صنع التحف النحاسية بحكم كون محله في خان الخليلي، ثم يقوم ببيعها للسائحين، كذلك أصبح يقوم الآن بطلاء بعض قطع الأثاث التي يُحضرها الزبائن له، فأصبح هذا كل عمله الحالي تقريبًا وعلى الهامش تصنيع التحف النحاسية.

يتذكر السكري قائلًا «منذ نحو سنوات كثيرة  كانت العرائس يشترين أثاثهن من هنا حيث الدولاب والسرير النحاسي والأواني النحاسية، ولكن هذا لا يحدث الآن، فإذا صنعنا من سيشتري؟! فنحن نكتفي الآن بطلاء القطع التي تأتي إلينا فقط».

عم سندس إبراهيم -70 عامًا- يعمل مبيض نحاس في أحد المحال بشارع النحاسين في خان الخليلي منذ نحو 55 عامًا، أي منذ كان في الخامسة عشر من عمره، يقول: «لما كانت شغلانة النحاسين بخيرها مكناش أغنياء، بس كنا قادرين نوفر ثمن أكلنا وشربنا ومنحتاجش لحد، دلوقتي حتى دول مش قادرين نوفرهم، ولولا إن عشش بولاق مالهاش إيجار سكن كان بقى السكن كمان بالنسبة لنا مشكلة».  رغم كل ذلك لا يفكر عم سندس في ترك مهنته أبدًا، هي كل سنوات عمره التي عاشها في الدنيا وكان يتمنى أن يعلمها لأولاده لولا خوفه من أن يظلمهم في مهنة لم تعد موجودة.

وعلى النقيض تمامًا من عم سندس يقول فتحي أمين -50 عامًا- يعمل في صناعة النحاس بخان الخليلي منذ نحو 30 عامًا- « لو كان فيه أي بديل للشغلانة دي كنت سبتها فورًا، أنا بيفوت عليّ أيام كتير من غير ما أعمل أي شغل ولا يدخل بيتي ولا مليم».

القلل القناوي في مرمى العاصفة

كانت أسرة شعبان عبد الستار تحيا بأكملها على الدخل الذي تدره عليها تجارة القلل القناوي التي كانوا يتاجرون بها منذ ذلك الزمن البعيد حيث لم تكن الثلاجات الكهربائية قد انتشرت بعد، قام الأب منذ سنوات طويلة بتأجير محل ووضع فيه بضاعته وكان كثير من الزبائن يتردد عليه، ثم تمكن من شراء المحل، ولاحقًا توفر لديه المال اللازم لتوسيعه.

ترك شعبان لأبنائه محلًا كبيرًا ممتلئًا على آخره بالقلل والأواني الفخارية، لا زالوا يجلسون فيه حتى الآن بعد أن وصلت أعمارهم إلى 40 و50 عامًا، يحاولون الاحتفاظ برائحة والدهم وجهده طوال سنوات عمره، لكن طبيعة الحياة لم تمكنهم من ذلك، وهم الآن كنظرائهم في المهن الأخرى يفكرون في بيع محل والدهم أو تغيير نشاطه، وما يُعطلهم أنه لم تعد الآن هناك تجارة رائجة أو مضمونة المكسب في ظل الغلاء الشديد تُمكنهم من تغيير نشاط محل والدهم بمكسب مؤكد.

«اتخذوا من قبورهم مساكن».. ماذا تعرف عن معاناة سكّان القبور في مصر؟

الدلالة والبلانة والخاطبة.. مهن اختفت أيضًا

الدلالة في الأصل هي سيدة كانت تطوف على المنازل تحمل الأقمشة والملابس وتختار أفضل ما في السوق ويناسب زبائنها وتذهب به حتى منازلهم لتبيعه إليهم، أصبحت الدلالة مع الوقت فرد من أفراد الأسرة فهي التي يُسمح لها أن تدخل إلى البيت وترى نساءه وبناته وتشاركهم اهتماماتهم وحكاياتهم، مع الوقت اختفت هذه المهنة، وربما يُعيدها إلى أذهاننا ما تفعله اليوم البائعات الصينيات في بعض المناطق المصرية، حيث يحملن الملابس ويذهبن بها حتى أبواب البيوت ليبعنها.

أما البلانة فهي المهنة التي كانت تعرفها كل سيدة في منزلها، وكل عروس مقبلة على الزواج، وهي المرأة التي كانت تتولى تجهيز العرائس قبل الزواج، حيث تقوم بالدور الذي أصبحت تقوم بها الآن مراكز التجميل.

كذلك اختفت مهنة الخاطبة وهي المرأة التي كانت تدخل البيوت وتحصل على صور بنات البيت وشبابه في محاولة للتوفيق بينهم وتزويجهم لبعضهم البعض، لم تعد مهنة الخاطبة موجودة أيضًا، حيث اختفت لصالح مكاتب الزواج، والمواقع الإلكترونية التي تحاول أن تقوم بنفس دور الخاطبة لكنها لا تحظى بنفس قدر الثقة الذي كانت تحظى به الخاطبة التي تعرف الأسر والعائلات وتكون الزيجة كاملة تحت مسؤولية خبرتها الاجتماعية بالأسر التي تتعامل معها.

«تجارة المدافن»: أسعار الموت في مصر تنافس أسعار الحياة