من مهنة الدلالة إلى البلانة حتى مهن أخرى رُبما لا يراها الكثيرون مهنًا من الأساس، وربما يعدونها نوعًا من أنواع الدجل والتخاريف، مثل بعض النساء اللاتي يتجوّلن في البيوت لعرض قراءة الفنجان ونوى البلح.

في إحدى الصالونات الراقية لمنزل أسرة ميسورة الحال، بأحد أحياء القاهرة الراقية، تجلس سيدة المنزل في مكانها المُفضل على أريكتها الأثيرة، تمسك بفنجان قهوتها، وعلى الأرض أمامها، تجلس فتاة ترتدي عباءة سوداء لامعة، وتضع على رأسها غطاء رأس مُزخرف، وأمامها على الأرض العديد من الملابس الحريمي، في مشهد سينمائي يُمكنك أن تراه بسهولة في أحد الأفلام المصرية، التي أُنتجت في السبعينات والثمانينات، وحتى التسعينات، الفارق أن المشهد السابق يحدث في وقت الظهيرة بأحد أيام عام 2018.

اسمها سلمى، فتاة لم يتجاوز عُمرها 18 عامًا، تخرج كل يوم منذ الصباح الباكر، من بيتها القابع باستكانة في أحد الأحياء الشعبية الفقيرة بالقاهرة، لتتجول بين عدة منازل تعرفها جيدًا في عدد من الأحياء الراقية، أو كما تقول سلمى عنها «التي يسكنها الأغنياء»، تحمل سلمى بعض البضائع، وتحاول إقناع سيدات الأحياء الراقية بشرائها، نصيب سلمى من التعليم كان فقط حصولها على تعليمها الأساسي، فبعد حصولها على شهادة الإعدادية وجدت نفسها مضطرة  لمساعدة والدتها، التي تعمل خادمة في بعض المنازل.،

مُشاركتها لوالدتها في العمل في أحيان كثيرة هو ما جعلها تتعرف إلى تلك البيوت، التي أصبحت تتردد عليها فيما بعد ببضاعتها، والسيدات يأمنونها ويُرشحونها بعضهن لبعض؛ لأنهم يعرفونها مذ كانت طفلة، ويعرفون والدتها جيدًا، بدأت سلمى ما تطلق عليه «مشروعها» لتتمكن من جعل والدتها تتوقف عن الخدمة في المنازل بعد أن كبّر سنها، ولتتمكن من الإنفاق على إخوتها الأصغر سنًا منها.

«دلالة».. تحمل البضائع والحكايات

على الرغم من أن الرجال والنساء أصبحوا يتنافسون في كل مجالات العمل تقريبًا، ورغم ذلك هناك مهن تكاد تكون نسائية خالصة، من الصعب أن تجدها تحولت لمجال للمنافسة بين الرجال والنساء، ومن هذه المهن المهنة التي اختارت سلمى العمل بها.

فقد قررت سلمى أن تعمل «دلالة»، والدلالة هي المرأة التي تتجول ببعض البضائع من الملابس وغيرها، لتُدلل عليها بمنازل من تعرفهم بهدف بيعها، اختارت سلمى أن تكون البضائع التي تتاجر فيها هي الملابس الداخلية، وملابس النوم الحريمي، وتحكي لـ «ساسة بوست»: «حاولت أن أكون ذكيّة قدر المُستطاع، فإذا اخترت أي ملابس أخرى كانت الهوانم سيرفضنها باعتبار أن ذوقها «بلدي»، ومهما حاولت أن أرتقي بالذوق لم تكن لتنال إعجابهم، فاخترت نوعية الملابس التي ربما يروق لبعضهن أن تكون متدنية الذوق أحيانًا.»

مجتمع

منذ 4 سنوات
«حلاقة»، «سائقة تاكسي»، «حدادة» المرأة العربية تقاسم الرجل مهنته
زهراء مجدي

تعرف سلمى جيدًا أن قيّمتها لدى «الهوانم» ليس فيما تحمله من بضائع، ولكن قيمتها فيما يحمله رأسها من حكايات، وقدرة لسانها على سرد هذه الحكايات بأكبر قدر من التشويق والإمتاع، تقول سلمى: «أغلب الهوانم اللاتي أتردد عليهن يكن ربات بيوت، لا يملكون ما يشغلهن سوى الذهاب للنوادي الاجتماعية، والحديث الذي يستمر لمدة ساعات في التليفونات، وقد كبّر أبناؤهن وأصبحوا في الجامعات، وأصبح لهم حياتهم الخاصة، رغم أنه ما زال يجمعهم بأمهاتهم منزل واحد، أعرف أن الهوانم لا يردن البضائع وإنما يُردن الحكايا المُثيرة عن مجتمعات مُختلفة عنهم».

ذكاء سلمى جعلها تختار نوعية حكاياتها أيضًا، فهي لا تحمل لـ«الهوانم» أخبار الفقر أو المرض أو الجوع التي يُعاني منها حيّها الفقير، ولكنها تحمل حكايا الجن والعفاريت، وأخبار من يُجدن قراءة الفنجان وقراءة نوى البلح، وما تيسر لها من حكايا السحر والأعمال السُفلية، كل هذه الحكايات، على حد وصف سلمى، تستهوي سيدات المُجتمع الراقي وتروق لهن، وهي التي تجعلهن يشترين منها بضائعها بعد جلسة من الحكايات المُثيرة.

«البلانة».. صالونات تجميل بدائية

نجمة امرأة نوبية، تجاوز عُمرها الخمسين عامًا، بدأت حياتها في القاهرة منذ ما يزيد عن العشرين عامًا بعد أن توفي زوجها، وترك في رقبتها ثلاثة من الأبناء، أصبحت هي المسؤولة عنهم، والعائل لهم، لم تجد نجمة في يديها حرفة يُمكنها للعمل بها سوى مهنة «البلانة»، وهي مهنة نسائية خالصة، بالأخص في المجتمعات الشرقية المحافظة، تُدلك خلالها امرأة أجساد النساء وتنظفها وتُنعمها بالكريمات والوصفات الشعبية، وتتولى أحيانًا مهام تنعيم شعورهن وصبغها.

كانت هذه المهنة وما زالت تُزاول في الحمامات الشعبية، أو في مراكز التجميل الخاصة بالمرأة، ونجمة لم تنضم للعمل بأحد هذه الأماكن، وإنما كانت تذهب لزبائنها في بيوتهم، بدأت تُمارس عملها في حدود جيرانها بالحي الشعبي الذي قطنت به بالعاصمة المصرية، وبدأت معارفها تتسع شيئًا فشيئًا حتى أصبح لها الكثير من الزبائن في أحياء شعبية وأخرى راقية.

مهنة البلانة – المصدر

أصبحت الآن نجمة من خلال المهنة التي لم تجد بها الكثير من المُنافسة، تمتلك مركزًا خاصًا بها لإعدادات ليلة الحناء، إذ أصبح لديها عدّة فتيات يعملن معها، بعد أن توسع النشاط وكثر عدد الزبائن، أما الإعدادات التي يُجريها مركز نجمة، فهو تجهيز العروس قبيل الفرح، وعمل حفل الحناء للبنات فقط من العروس، وقريباتها، وصديقاتها.

فتجهز الحناء برسومات مُتعددة، وترتدي العروس  مجموعة من الملابس الفولكلورية الغريبة التي يوفرها لها مركز نجمة، مثل: الزي البدوي، والساري الهندي، والجلباب الفلاحي، وفستان سواريه، ثم تلتقط الصور الفوتوغرافية لها بهذه الأزياء جميعًا ، وإذا أرادت العروس فإن الحفل يصور فيديو وتوثقه للذكرى مُقابل مبلغ مالي إضافي بخلاف تكلفة الحفل.

تقول نجمة لـ«ساسة بوست» : «مهنة البلانة هي مهنة خاصة بالنساء منذ قديم الأزل، ربما أصبح جزء كبير من الزبائن ينصرف إلى مراكز التجميل، لكن لأجل هذا أضفت  نشاطًا آخر، وهو حمل حفل ليلة الحناء، وهو الاحتفال الذي يسبق حفل الزفاف مُباشرة».

وتضيف: «لا أملك وسيلة دعاية لعملي هذا غير طبع أوراق بالخدمات التي يؤديها مركزي، وتوزيعها في عربة السيدات بمترو الأنفاق، أما من يوزع الأوراق الدعائية فهم البنات اللاتي يعملن معي ويستقلّن مترو الأنفاق في تنقلاتهم من البيت إلى العمل».

قراءة الفنجان ونوى البلح.. «يمكننا الإتيان بالغيب»

ومن مهنة البلانة إلى مهنة أخرى رُبما لا يراها الكثيرون مهنة من الأساس، وربما يعدونها نوعًا من أنواع الدجل والتخاريف، لكنه عمل تؤديه بعض النساء ويكسبن منه المال، فبعض النساء يتجوّلن في البيوت ويقدمن خدمات قراءة الفنجان ونوى البلح.

ومن هؤلاء فتحية، المرأة الستينية، التي أتت من مُحافظة الفيوم، وسكنت بأحد الأحياء الشعبية بالقاهرة، حينما أتت فتحية إلى العاصمة مع زوجها وأبنائها، كان زوجها يبحث عن فرصة عمل بعد أن ضاقت عليه قريته الصغيرة بالفيوم، فقرر أن يرحل بزوجته وأطفاله الأربع بحثًا عن مورد رزق أوسع.

حينما أتى الزوج إلى القاهرة عمل بوابًا، وعملت فتحية خادمة، بدأت تتنقل في الخدمة من بيت للآخر، وبعد أن توفي زوجها أصبح دخل البيت هو عملها، فلم يترك لها الزوج الراحل إرثًا أو معاشًا شهريًّا يُمكنها الإنفاق منه على الأبناء.

من خلال دخول فتحية لبعض بيوت الطبقة الراقية، لاحظت شغف سيداتها بمعرفة الغيب، أو متعتهن في اكتشاف ما يحدث من وراء ظهورهن ودون علمهن، كانت تستمع إلى مُكالماتهن الطويلة التي يتقصين فيها الأنباء، ويُشككن في روايات بعضهن لبعض، ويحاولن بشتى الطرق الوقوف على حقيقة ما جرى.

قراءة الفنجان المصدر

هنا عرفت فتحية أن بين يديها سلعة رائجة جدًا، ربما أكثر رواجًا من الخدمات المنزلية التي تُقدمها لهن، فهي ترى أنه بإمكانها أن تأتي لهن من الغيب بما يشأن.

وتقول فتحية لـ «ساسة بوست» : «أنا أجيد قراءة الفنجان وأجيد قراءة نوى البلح، يُمكن لإحداهن أن توشوش النوى ثم أوشوشه بعدها وأُلقي النوى، ليُخبرني بما يدور من خلف ظهر صاحبة أنفاس الوشوشة، هذا علم لا يخيب، عمره مئات السنوات، تناقلناه من الأجداد للأحفاد، أخذته عن جدتي، وجدتي أخذته عن جدتها، كل ما هنالك أنني أصبحت أفعل هذا، ليس على سبيل التسلية فقط، وإنما على سبيل العمل والحصول على دخل مادي أيضًا».

تمكّنت فتحية من تعليم أبنائها؛ حصلوا على شهاداتهم الجامعية، لا يعرفون حقيقة العمل الذي تمارسه والدتهم، فقط أخبرت ابنتها المُحببة المُقربة منها بالأمر، وقد تصالحت الفتاة مع الأمر من قبيل أن ما تفعله والدتها هو عمل فولكلوري، يحدث على سبيل التسلية وتزجية وقت الفراغ، وهناك العديد من المُجتمعات الغربية التي تجد طُرقها في الإطلاع على الغيب من خلال وسائل، ربما تبدو أكثر سذاجة من قراءة الفنجان ونوى البلح، لكنها في النهاية، بحسب الفتاة، لا ترى ما تفعله والدتها اطلاعًا حقيقيًّا على الغيب، هو تسلية وفولكلور شعبي لا أكثر.

عربي

منذ 11 شهر
النساء في سجون «بشار الأسد».. راقصة ومُناضلة وربة منزل
8069
فريق العمل

«الندابة».. مهنة «عار» على الرجال مُمارستها

الوجه الرابع الذي يُمكنك أن تُقابله هو وجه ماجدة، و ماجدة هي امرأة في الستينات من عمرها، تعيش في إحدى قرى صعيد مصر، المهنة التي تمارسها ماجدة هي مهنة «الندابة»، والتي يُطلق عليها أيضًا اسم «المعددة»، وهي سيدة يستأجرها أهل المتوفى، كي ترثيه بطريقتها قبل تشييع الجنازة، وأثناءها وبعدها؛ لتشيد بخصاله الحميدة، ولا بد أن تتميز بقوة الحنجرة والصوت الرنان.

ماجدة هي الندابة الوحيدة التي ما زالت على قيد الحياة في قريتها الجنوبية البعيدة، أخذت المهنة عن والدتها، وجدتها، ووالدة جدتها، هي مهنة لا يمتهنها الرجال أبدًا، فهذه المهنة من الأساس مُتعلقة إلى درجة كبيرة بمجتمعات الفلاحين والصعايدة، وربما من المستحيل أن تجدها في العاصمة المصرية حتى في أحيائها الشعبية الفقيرة، فهذه المهنة مُتعلقة بمجتمعات بعينها، وإذا حاول أحد الرجال امتهان هذه المهنة في المجتمعات الخاصة بها، فسيكون هذا عارًا يُلاحقه هو وأبناءه وأحفاده، بحسب عادات وتقاليد هذه المُجتمعات .

نساء يندبن الفقيد المصدر

تقول ماجدة لـ «ساسة بوست»: «في بلادنا كانوا بالأمس البعيد لا يعرفون كيف يُقيمون العزاء على فقيدهم المُتوفى دوننا، وفي بعض البيوت كان وجودنا أمرًا لازمًا لكي يثبت أهل المتوفى مدى محبتهم لفقيدهم، فلا أحد يستطيع ذكر فضائل المتوفى وصالح خصاله مثلنا، بالنسبة للأحباب نحن نؤدي هذه المُهمة من قلوبنا بلا مُقابل، أما إذا حصلنا على مُقابل فهو لا يتجاوز بأي حال بضعة جنيهات، فالناس في بلادنا على أي حال فقراء، وليس معهم أكثر من هذا ليعطوه، نحن جميعًا فقراء، ونجتهد لتوفير رزق يومنا لا أكثر».

عرض التعليقات
تحميل المزيد