تقف الكنيسة الكاثوليكية في كندا مؤخرًا في قفص الاتهام بعد العثور على مئات القبور المجهولة في مواقع المدارس الداخلية الإجبارية، التي كانت قد أعدتها الحكومة تحت إدارة الكنيسة في القرن التاسع عشر، وبداية القرن العشرين؛ لاستيعاب الشباب من السكان الأصليين ودمجهم في المجتمع.

مئات الشباب من السكان الأصليين الذين أخذتهم الحكومة من أحضان أهاليهم لتجعلهم «متحضرين»؛ قتلتهم الكنيسة وأخفت الجريمة. لكن بالنظر إلى تاريخ الكنيسة الكاثوليكية مع السكان الأصليين في مختلف الأماكن، سنجد أن هذه الجريمة ليست الوحيدة، فحيثما بنى الرجل الأبيض مستعمرة، بنى فيها كنيسة، وحيثما بُنيت الكنيسة، عانت الشعوب الأصلية.

المدراس الداخلية الكندية –  المصدر: مكتبة ومحفوظات كندا 1927

في السطور التالية نستعرض بعضًا مما اقترفته الكنيسة في حق الشعوب الأصلية، سواءً أكانت هذه الجرائم مباشرة وصريحة مثل القتل أم التعذيب، أم غير مباشرة مثل طمس الهوية، ففي النهاية هي خطايا، والخطايا بحسب الكنيسة، بحاجة إلى الغفران.

«بيت الرب» صار «بيت يهوذا» على أيدي القساوسة والرهبان في رواندا

في 2017 وبعد مقابلته مع رئيس رواندا بول كاجامي، خرج البابا فرانسيس، بابا الفاتيكان الحالي، لطلب الغفران عن دور الكنيسة الكاثوليكية في الإبادة الجماعية في رواندا، وفي الخبر المنشور في جريدة «الجارديان» يقول فرانسيس: «إن خطايا وإخفاقات الكنيسة وأعضائها قد شوهت وجه الكاثوليكية». وقد أتى هذا الاعتذار بعد عام من اعتذار الكنيسة الكاثوليكية في رواندا عن دورها في الإبادة الجماعية، لكن ماذا فعلت الكنيسة لتعتذر؟

في رواندا سنة 1994، وعلى مدار 100 يوم تقريبًا في الفترة بين أبريل (نيسان) ويونيو (حزيران)، قُتل حوالي 800 ألف شخص من عِرقية التوتسي والمعتدلين من عِرقية الهوتو، على أيدي الأغلبية من عرقية الهوتو المتشددين، وهي إحدى المجموعات العرقية الموجودة في رواندا وبوروندي في كارثة من الكوارث الإنسانية.

ارتكبت هذه الإبادة الجماعية بعد أن توفي الرئيس جوفينال هابياريمانا – من عرقية الهوتو – إثر تحطم طائرته، وتحول خطاب الكراهية لأعمال عنف بدأت من العاصمة كيجالي وانتشرت في أنحاء البلاد.

فبعد وفاة الرئيس بيومٍ واحد بدأت ميلشيات الهوتو في استهداف التوتسي، وتشجيع المواطنين العاديين على قتل جيرانهم إذا كانوا من التوتسي أو حتى إذا كانوا من الهوتو، لكنهم يرفضون قتل التوتسي. وبالفعل كان الهوتو يقتلون ويغتصبون ويشوهون جيرانهم من التوتسي، بعد أن تشبعوا بالكراهية من البروباجندا التي نشرها الهوتو المتشددون. ومع الأسف، وصلت هذه البروباجندا إلى الكنيسة، وهنا بدأت الجريمة التي اعتذر عنها البابا فرانسيس في 2017 بالنيابة عن الكنيسة الكاثوليكية، بعد 23 عامًا من ارتكابها.

فعلى الرغم من مقتل حوالي 200 كاهن وراهبة من التوتسي والهوتو على حدٍّ سواء، فقد كان هناك كهنة وراهبات متواطئون في عمليات القتل والاغتصاب هذه! ولم يقف الأمر عند تسهيل مثل هذه الجرائم، بل المشاركة فيها أيضًا، فقد ذُبح آلاف من هؤلاء الذين لجؤوا للكنائس للاحتماء بها، ويذكر التقرير الذي نشرته «الجارديان» كيف قُتل في يوم 15 أغسطس (آب) 1994 حوالي 5 آلاف شخص، احتموا بكنيسة ناتارما!

مصدر الصورة: فليكر

قسيس آخر يُدعى أثانسي سيرومبا أصدر الأوامر بهدم كنيسته؛ كنيسة نياروبي رغم أنها كانت ملجأ لآلاف من عرقية التوتسي، فقُتل ما يقدر عددهم بحوالي 35 ألف شخص، وذلك وفقًا للموقع الخاص بالإبادة العرقية، ولم ينجُ سوى 18 شخصًا فقط، بعد أن وقف الهوتو بالرماح والمناجل والهراوات ليقتلوا كل من يحاول الهروب.

كذلك قام قسيس آخر يدعى وينسلاس مونيشياكا بإعداد قائمة بأسماء أشخاص ليعدموا، ونساء صغيرات ليغتصبن، وذلك وفقًا للتهم التي وجهتها المحكمة الجنائية للأمم المتحدة عام 2005.

هذه الحوادث وغيرها كانت تقع برضا رئيس الأساقفة في ذلك الوقت فينسنت نسينجيومفا، والذي كان عضوًا في الحزب الحاكم ويساهم في وضع سياسات التمييز ضد عرقية التوتسي.

وقف نسينجيومفا يشاهد الكهنة والرهبان والراهبات من عرقية التوتسي يُساقون إلى حتفهم، رافضًا أن يطلق على ما يحدث لفظ «الإبادة»، خاصةً وأن عرقية الهوتو كانوا يعدون التوتسي غير مؤمنين.

جدير بالذكر أنه وبعد انتهاء الإبادة استطاعت شبكة كاثوليكية تهريب الكهنة والرهبان والراهبات الذين تورطوا في القتل والاغتصاب إلى أوروبا ليتفادوا المحاكمة، وعلى رأسهم سيرومبا الذي غير اسمه وأصبح كاهن رعية في فلورنسا، أما وينسلاس مونيشياكا فتولى زمام كنيسة كاثوليكية في شمال فرنسا. 

لذلك، وفي 2017، عندما زار البابا فرانسيس رواندا «ناشد من جديد مغفرة الرب لخطايا الكنيسة وفشل أعضائها، الرجال والنساء، الذين استسلموا للكراهية والعنف، وخانوا رسالتهم الإنجيلية». 

بكلمة الرب.. محاكم التفتيش الإسبانية تمحو هوية السكان الأصليين الوثنية

عندما اتجهت إسبانيا لاستكشاف العالم الجديد، كانت تمتلك ثلاثة دوافع: نشر كلمة الرب والكاثوليكية، وتحقيق الثراء بشكل كبير عن طريق المعادن الثمينة، وتوسيع رقعة الإمبراطورية الجديدة.

على عكس المستوطنين الإنجليز والفرنسيين الذين ذهبوا إلى العالم الجديد لبداية حياة جديدة، البعض منهم هربًا من القيود في وطنه والبعض يبحث عن بداية في أرض الأمريكتين، تملك الإسبان شعور بأن الذهاب إلى الأمريكتين هو الواجب المقدس، وأن نشر الدين الصحيح بين السكان الأصليين هو الرسالة الأسمى. 

في رسالة بحثية بعنوان «الأوجه السائدة للاستعمار الإسباني: جذور الاستغلال وعدم المساواة في أمريكا اللاتينية» للباحثة كامدين إيكلر بجامعة «تينيسي» الأمريكية، نجد أن السبب الرئيس لهذا الشعور الذي كان لدى الإسبان نشأ بعد سقوط الأندلس فيما عرف عندهم باسم «ريكونكيستا».

الغزو الإسباني واضطهاد الشعوب الأصلية في المكسيك

عقيدة عششت في التاج الإسباني المتمثل في فيرديناند الثاني ملك أراجون، وإيزابيلا ملكة كاستيل وزواجهما، وأن «قدرهما» طرد الموور (المسلمين) ونشر كلمة الرب مرة أخرى في مملكة إسبانيا، وقد استمرت هذه العقلية وحملته سفن الكونكيستادور إلى الأمريكتين.

وتقول كامدين «أصبحت الريكونكيستا جزءًا لا يتجزأ من الصورة الذاتية لإسبانيا والسرد التاريخي الخاص بها، والدور الذي لعبته الكاثوليكية والكنيسة في الريكونكيستا أدرج القيم الدينية في الأفعال الاجتماعية والسياسية الإسبانية مع زيادة قوة الكنيسة السياسية والاقتصادية»، وبذلك تتضح قوة الكنيسة الكاثوليكية ومدى تعمقها في الدولة الإسبانية وارتباطها بالتاج الإسباني. 

تعامل المستعمر الإسباني مع السكان الأصليين بوصفهم أقل منه، وأنه سيعلمهم أسس بناء المجتمع السليم، وذلك لإيمانه أنه هو حامل كلمة الرب، ولقبوله بحتمية عدم المساواة بين البشر.

ويوضح تشارلز ميلز في كتابه «العقد العنصري» كيف أن «إنشاء المجتمع يعني إنكار وجود مجتمع بالفعل، هذا الإنشاء يتطلب تدخل الرجل الأبيض، والذي يعد بالفعل كائنًا اجتماعيًّا وسياسيًّا. وهنا يواجه الرجال البيض (والذين هم جزء من المجتمع) غير البيض (الذين ليسوا جزءًا من المجتمع) الهمجيين، فيجلبهم الرجال البيض إلى المجتمع بوصفهم مواطنين تابعين، أو يستبعدهم في حالة وجود تحفظات، أو حتى ينكر وجودهم ويقضي عليهم».

ويضيف: «في حالة المستعمرة، يتم الاستيلاء على المجتمعات الموجودة لكنها لسبب أو لآخر تعاني من العيوب (ربما منحلة، ربما راكدة، ربما فاسدة)، ويتم تشغيلها من أجل مصلحة السكان الأصليين غير البيض، والذين يعدون أطفالًا وغير قادرين على الحكم الذاتي وبالتالي غير قادرين على حراسة دولتهم».

منوعات

منذ سنتين
التعذيب الجنسي.. هكذا «تفننت» محاكم التفتيش الإسبانية في امتهان أجساد ضحاياها

هكذا نظرت إسبانيا إلى مستعمراتها في العالم الجديد، والنهج الذي اتبعته في عمليات التحويل والدعوة للكاثوليكية في أمريكا اللاتينية يجسد كيف عدت نفسها متفوقةً على الشعوب الأصلية هناك، خاصةً بعد انتصارها في أرضها وسقوط الأندلس.

«فذلك النصر على المسلمين جعل الإسبان يؤمنون بأن هزيمة وهداية الكفار هو هدفهم المنزل من السماء، فالسيطرة على أراضٍ جديدة باسم الرب ونشر الدعوة الكاثوليكية سيزيد من مرتبة الإسبان في السماء، ولهذا السبب كانت الدعوة والتحويل إلى الكاثوليكية من الدوافع الرئيسة للإسبان عند وصولهم للعالم الجديد، وكان هذا الدافع كافيًا ليستخدم الإسبان العنف في نشر دعوتهم» وفقًا لإيكلر.

في رسالة بحثية بعنوان «اختبار الحدود: محاكم التفتيش قوةً مزعزعة للاستقرار في أمريكا اللاتينية المستعمرة»؛ توضح الباحثة مكينا فوردرستراس من جامعة «بورتلاند»، كيف استخدمت إسبانيا محاكم التفتيش في العالم الجديد.

فبعد نجاح هذا النظام الذي قام على محاكمة وتعذيب كل من يخطئ في حق الكاثوليكية والذي اشتهر بالجرائم التي ارتكبها في حق اليهود والمسلمين واستطاع «تطهير» إسبانيا من الكفار والهراطقة؛ كان لا بد لإسبانيا أن تتخلص من الوثنيين في أراضيها الجديدة وتحولهم إلى كاثوليك، ومحاكم التفتيش كانت الوسيلة لذلك.

تقول فوردرستراس: «من خلال دراسة وثائق محاكم التفتيش، نجد أن الإسبان حاولوا استخدام الكاثوليكية قوة إنفاذ للقانون بالإضافة إلى هيئة قضائية في محاولة لتدعيم إمبراطوريتهم خلال الفترة الاستعمارية»، ووفقًا لها فإن استخدام محاكم التفتيش لم يولِّد إسبانًا أوفياء، بل خلق ثقافةً متجذرة بشكل أساسي في الانقسام وانعدام الأمن وانعدام الثقة، وقد بدأ نظام محاكم التفتيش في أمريكا اللاتينية تقريبًا منذ 1510 بغرض السيطرة على «الخرافات الخاصة بالسكان الأصليين وعبادة الأصنام والأوثان».

ويمكن القول إن المستعمر الإسباني استخدم نظام محاكم التفتيش لمحو ثقافة السكان الأصليين، وبدأ في إدخال عناصر كاثوليكية تدريجيًّا في العادات الخاصة بهم، لتتحول مع الوقت لعادة خاصة بهم، ويصبح من السهل عليهم تقبل الكاثوليكية، كذلك فقد عاقب المستعمر السكان الأصليين كلما أظهروا عادةً خاصةً بهم، مثل استخدام الأعشاب العلاجية، فبالنسبة للإسبان هذه الأعشاب مرتبطة بالوثنية والهمجية وثقافة السكان الأصليين غير المتحضرة.

وخير دليل على الرفض التام لكل ما هو مرتبط بالسكان الأصليين و«وثنيتهم» كان إصدار قوانين «مراسيم الإيمان» والتي «حاولت تصحيح الانتهاكات الأكثر صلة برؤية الكنيسة للمجتمع الكاثوليكي». مثل العقوبة الجسدية في حالة استخدام نبات معين «لأنه يخدع العقل البسيط الخاص بالسكان الأصليين» و«يضلل ضعيفي الإيمان» لأن نتائج استخدام هذا النبات كانت، وبالتأكيد، تتم بمساعدة من الشيطان!

كما تذكر فوردرستراس أن محاكم التفتيش تغاضت عن العديد من الجرائم التي كان يرتكبها رجال الدين، فعثر على العديد من الشكاوى ضد رجال الدين المحليين، تنوعت من استخدام السحر وحتى الاعتداءات الجنسية، ولأن الشكوى كانت تصدر عادةً من السكان الأصليين، كان يجري تجاهلها، إلا في حالات قليلة جدًّا، وذلك بالطبع لأن محاكم التفتيش عدت رجال الدين فئة مختلفة من الناس لأنهم – وبالطبع – مُعيَّنين من الرب.

وعلى مدار فترة الاستعمار، نجح تحالف التاج الإسباني مع الكنيسة الكاثوليكية في تحويل المستعمرات إلى الديانة الكاثوليكية، رغم أن المنهج المتبع قد أورث هذه المستعمرات فيما بعد العديد من المشكلات بدايةً من الطبقية وحتى الفساد، فإن كل هذا لا يهم، المهم أن الإسبان حققوا قدرهم، ونشروا كلمة الرب.

الكنيسة الأيرلندية تتقمص دور الرب وتعاقب «الساقطاتِ» وأبناءَهن!

أقرب حادثة في هذا التقرير لحادثة كندا هي تلك التي وقعت في أيرلندا في الفترة بين 1925 وحتى 1961، وتحديدًا في مدينة توام؛ حيث أدارت جماعة من الراهبات تدعى «بون سيكور سيسترز» (أخوات المساعدة الجيدة) مؤسسة سانت ماري. كانت هذه المؤسسة تُعرف محليًّا باسم «المنزل»؛ حيث كانت المرأة الحبلى غير المتزوجة تذهب إلى «المنزل» لتلد بعيًدا عن أهلها؛ إذ كان الحمل بدون زواج في هذا الوقت، من الأمور المثيرة للخزي والعار.

بعد الولادة كانت الأمهات يتركن الأطفال في «المنزل» لتتولى الراهبات تربيتهم، فيُطرح بعضهم للتبني – وهو ما يدَّعي البعض أنه حدث دون موافقة الوالدين – فيما يظل البعض في رعاية الراهبات.

Embed from Getty Images

نصب تذكاري أقيم في مدينة توام، حيث مقر مؤسسة «المنزل» لأطفال السفاح!

كانت بعض النساء الفقيرات بعد أن يلدن يُرغمن على العمل في «المنزل» لدفع ثمن الخدمة التي تلقينها. ويجب التوضيح أن «المنزل» لم يكن المؤسسة الفريدة من نوعها، بل كان هناك الكثير منه في أيرلندا في ذلك الوقت، مؤسسة خدمية، تديرها جماعة كاثوليكية، بقوانين صارمة، تفرض العقوبة على السيدات بسبب «خطاياهن».  

ويحكي موقع «ذا جورنال» كيف اكتشف طفلان صغيران مقبرة «المنزل»، في 1975، بعد 14 عامًا من إغلاق المنزل؛ إذ كان فراني هوبكينز وباري سويني يلعبان في الحقل الذي كان به «المنزل» من قبل، فاكتشف الأولاد بعض الألواح الخرسانية التي تغطي فجوة بشكل غير محكم. وعندما نقلا الخرسانة اكتشفا حفرة وصفها فراني هوبكنز بأنها «مليئة بالهياكل العظمية للأطفال».

أقام الكاهن المحلي آنذاك قداسًا في تلك المنطقة، وأغلق المقبرة مرةً أخرى، دون أي تحقيقات، بعد أن ساد اعتقاد أن هذه المنطقة كانت تستخدم لدفن الأطفال الذين يولدون في «المنزل»، وقد قام زوجان ببناء ما يشبه الضريح لتكريم الأطفال.

وقتها لم يشك أحد في سبب موت الأطفال، إلى أن بدأت لجنة من المؤرخين المحليين، حملةً لجمع الأموال لإقامة ضريح فعلي للأطفال، وهنا قررت كاثرين كورليس (من ضمن المؤرخين) البحث لمعرفة: مَن المدفون في هذه المقبرة؟

يوضح التحقيق المنشور، كيف نجحت كورليس في الكشف عن حقيقة هذه المقبرة، وأنها لم تكن مقبرةً رسمية ولم يدفن فيها الأطفال بشكل سليم، بل استخدم هذا المكان لإخفاء جثث هؤلاء الأطفال!

796 جثةً، دُفنت في المكان الذي وُجِد فيه خزان مياه الصرف الصحي عندما كان «المنزل» لا يزال قائمًا، وأمهات العديد من هؤلاء الأطفال مِتْنَ بسبب الحصبة، أو التهاب الأمعاء، أو سوء التغذية.

وهكذا، فإن مصير الأطفال المولودين لأم غير متزوجة أصبح محتومًا، ففي جميع الأحوال سيؤخذ الطفل من أمه، وسيوضع للتبني وربما تتبناه أسرة رحيمة، أو سيعمل منذ طفولته في دور العمل، أو سيموت بسبب قلة العناية والأمراض، وكأن الـ«بون سيكور سيسترز» قد نصَّبن أنفسهن في دور القاضي أو الرب وقررن عقابه وعقاب أمه، الأخيرة لأنها حملت بدون زواج، والأول لأنه ابن سِفاح!

في زيارته إلى أيرلندا في 2018، اعتذر بابا الفاتيكان الحالي، البابا فرانسيس، عن جرائم الكنيسة الكاثوليكية التي ارتكبتها في أيرلندا، وهناك استمع فرانسيس لقصص الضحايا، فتقول كلودا مالوني – واحدة من هؤلاء الأطفال الذين وُضِعوا للتبني قسرًا – إن البابا صعق من الروايات التي حكاها الضحايا، وقد استمع لكل شخص منهم باحترامٍ وتعاطف.

Embed from Getty Images

وقفة احتجاجية أمام المقبرة التي دُفن فيها أطفال مؤسسة «المنزل» وإحياءً لذكراهم!

جديرٌ بالذكر أنه يوجد في أيرلندا الآلاف من المتبنين الذين أُخذوا عند الولادة من أمهاتهم، والذين أُجبروا على العيش والعمل في المغاسل ودور العمل الأخرى الخاصة بـ«النساء الساقطات» على حد تعبير القائمين على الكنيسة آنذاك، وقد أخبر فرانسيس الأمهات البيولوجيات أن باستطاعتهن البحث عن أطفالهن، وأنها ليست خطيئة، ففي الماضي كان يقال للمرأة إن البحث عن طفلها الذي أُخذ منها «خطيئة». 

وقد اعتذرت جماعة «بون سيكور سيسترز» عن الجريمة الشنعاء، قائلة: «لقد فشلنا في احترام كرامة النساء والأطفال الذين جاءوا إلى المنزل. لقد فشلنا في أن نقدم لهم التعاطف الذي كانوا في أمسِّ الحاجة إليه».

واعترفت الجماعة بأنها لم تدفن الأطفال بشكلٍ لائق، ولم تولِ الأمهات أو الأطفال الاهتمام الكافي، الذي قد يحُول دون هذه النهاية، وتوعدت الجماعة بالمشاركة في إنصاف الناجين من الأطفال والأمهات، والعمل على تصحيح الأمور، لربما يغفر الرب الخطايا، على حد تعبيرهم.

تاريخ

منذ 5 شهور
التاريخ الاستعماري القبيح لأوروبا.. 5 شعوب أفريقية أبادها الاستعمار الأوروبي

المصادر

تحميل المزيد